تونس، الجزائر، ليبيا: الموعد المحتوم ام الفرصة الضائعة؟
2025-06-30 09:35:00
<h3><strong>بين التنافس التاريخي، والبطء الدبلوماسي، والجمود الاقتصادي، تجد بلدان المغرب الأوسط صعوبة في تحويل تقاربها الجغرافي إلى قوة مشتركة. المياه، الطاقة، البنية التحتية، الأمن: سواء تعلق الأمر بقطاعات حيوية للسلم الاجتماعي أو للتقدم الاقتصادي، تواجه الجزائر وتونس وليبيا تحديات مشتركة هائلة. وإن كانت المودة والتاريخ المشترك بين هذه الدول الثلاث يشجعان على التعاون بينها، فإن ما كان في السابق خيارًا، سيصبح قريبًا ضرورة لا مفر منها.</strong></h3> <p>تشترك تونس والجزائر وليبيا في أكثر من مجرد تاريخ مشترك. فعلى مرّ العقود، ورغم أن جميع مشاريع الوحدة الاقتصادية أو السياسية التي شملت باقي بلدان المغرب العربي قد اصطدمت بضرورات الاصطفاف الدبلوماسي، فقد بقيت العلاقة بين الدول الثلاث متسمة بقدر من الودّ والاحترام. وعرف الدعم المتبادل بينها فترات من المد والجزر، إلا أنه، وبالنظر إلى التحديات الوطنية الكبرى التي تواجه كلاً من ليبيا (البنية التحتية والأمن)، والجزائر (التجارة والمواد الأساسية)، وتونس (الطاقة والصناعة)، فإن التعاون الوثيق بات ضرورة مُلحّة.</p> <p>صحيح أن البلدان الثلاثة قد اعتمدت، كلٌّ على طريقته، على الدعم الخارجي لمواجهة الأزمات الاقتصادية. على سبيل المثال، استطاعت ليبيا أن تخفّف من أزمة شُحّ المياه جزئيًا عبر مشروع النهر الصناعي العظيم (المعتمد على تكنلوجيا كوريّة). أما تونس، فرغم اعتمادها الكبير على استيراد الصناعات الثقيلة، فقد استثمرت في تحويل المنتجات الطاقية القادمة من الجارتين الجزائر وليبيا. بينما تعمل الجزائر، التي تسعى لفكّ العزلة عن تجارتها، على توسيع أسواقها الدولية والاستفادة من قربها الجغرافي من تونس وليبيا لتعزيز مشاريعها الإقليمية.</p> <p>جهود نافعة لكنها غير كافية، إذا ما أرادت الدول الثلاث أن تحمي نفسها من هيمنة العولمة. مع ذلك، بدأت بعض المشاريع الكبرى في التبلور. فهل تمثل هذه المبادرات فرصة لتعزيز الشراكة بين تونس والجزائر وليبيا؟ والأهم من ذلك: هل لا تزال مسألة تعميق التعاون بين الدول الثلاث خيارًا... أم أصبحت حتمية؟</p> <p> </p> <p><strong>تونس: مكاسب مهملة وإمكانات غير مستغلة</strong></p> <p> </p> <p>باعتبارها الأراضي الوسطى في أي اتحاد ثلاثي محتمل يضم الجزائر وليبيا، فإن تونس تملك الكثير لتكسبه من أي مبادرة ثلاثية. ورغم أن تونس بقيادة قيس سعيّد قد راكمت في الآونة الأخيرة سلسلة من الإخفاقات الدبلوماسية، فإنها ما تزال فعّالة حين يتعلّق الأمر بانسيابية العلاقات مع جيرانها. فالبلد المغاربي يركّز – ربما بحكم الضرورة؟ – على تصدير المنتجات الزراعية، والمشاريع المشتركة، واستيراد الغاز والنفط، وغير ذلك من الملفات الاستراتيجية المتصلة بالجزائر وليبيا.</p> <p>غير أن السلك الدبلوماسي التونسي لم يعرف منذ عام 2010 وزارة (او وزيرا) استقرت لأكثر من عامين. وهو ما أدى، بغضّ النظر عن أسبابه، إلى عرقلة المشاركة الفعالة لتونس في أي توسع ديبلوماسي في ليبيا أو الجزائر. ومع ذلك، لم تتوقف الأنشطة اليومية أو المعاملات الجارية. لكن مشاريع مثل إنشاء منطقة حرة جديدة (إذ تحتضن تونس بالفعل منطقتين حرتين للتبادل التجاري مع كل من جيرانها) تتطلّب مزيدًا من الجهود الدبلوماسية والترويج السياسي.</p> <p>فعلى سبيل المثال، بادر مجلس الأعمال التونسي الإفريقي في عام 2019 إلى إطلاق مشروع ضخم لتكوين مطوري برمجيات في غانا، بهدف ضمان الاستقلالية الإنتاجية في مجال الحلول الصناعية. غير أن المشروع، الذي كان يُفترض أن يتحوّل إلى مركز تكنولوجي متكامل، استحوذت عليه لاحقًا دولة الإمارات العربية المتحدة وأطلقته فعليًا في غانا سنة 2024. مشروع كان من الممكن تنفيذه في تونس، بالاعتماد على الموارد المحلية، وتمويل ليبي او جزائري.</p> <p>خاصة وأننا نعلم أن شركتي النفط الوطنيتين، المؤسسة الوطنية للنفط (NOC) في ليبيا، والمؤسسة الوطنية الجزائرية للحفر (ENAFOR)، قد استثمرتا مؤخرًا في برامج تدريب لمطوري البرمجيات. وقد استعانت كلتاهما بمدربين من روسيا وبريطانيا، كما أنشأتا بنيتهما التحتية السحابية ومراكز البيانات عبر مزودين أمريكيين.</p> <p>وإذا انطلقنا من مبدأ أن تونس تُعد رابع دولة إفريقية من حيث الاستثمار في تطوير الحلول الرقمية الصناعية، فإن خسارتها لأسواق الجوار تمثل، في أقل تقدير، فضيحة سياسية واقتصادية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فبالرغم من أن تونس تزخر بموارد بشرية ذات كفاءة عالية (مهندسون، يد عاملة متخصصة، إلخ...)، فإن هذه الكفاءات لم تعد حتى تفكّر في الهجرة نحو ليبيا أو الجزائر. وهو ما لم يكن الحال عليه في السابق. بل إن هذه النزعة الانعزالية قد امتدت لتشمل مجالات الاستيراد والتصدير، والزراعة، والتوأمة الجامعية، وحتى التعاون الأمني على الحدود المشتركة!</p> <p>قد يُفترض أن هذا الوضع حتمي. ومع ذلك، فإن تنظيمه عبر الهياكل القائمة لا يزال ممكنًا. ولا يمكن الادعاء بغياب الشركات الثنائية أو الإقليمية التي تمتد سلاسلها بين تونس والجزائر وليبيا. وبالنظر إلى خصوصيات كل من الجزائر وليبيا من الناحية الدبلوماسية، فإنهما لا تخضعان لأي ضغوط خارجية تمنعهما من قبول عروض مغرية قادمة من دولة جارة وصديقة. فشل دبلوماسي؟ ربما. ومع ذلك، فإن المعطيات الاقتصادية الإقليمية تحكم بإلغاء خيار التفرقة... لصالح المصلحة المشتركة</p> <p> </p> <p><strong>الجزائر: الخروج من فورة الاستثمار الصيني والتوجه نحو التعاون الإقليمي</strong></p> <p> </p> <p>ليس من المعتاد أن تبني الدولة الجزائرية قراراتها الاستراتيجية على الربح وحده. فعلى سبيل المثال، يُظهر كل من التعاون الأمني والعلمي مع روسيا، والانفتاح الواسع على السوق الصينية في مجال البنية التحتية خلال العقد الماضي، أن الجزائر تسعى قبل كل شيء إلى شراكات قائمة على مبدأ الربح المتبادل.</p> <p>فحتى في تعاملها مع القوى العالمية، تحرص الجزائر على أن تبقى ميزانيتها التجارية في وضع إيجابي بشكل عام — كما حدث، على سبيل المثال، عند إعلان الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية. والهدف، في جوهره، هو تحقيق توازن بين الخيارات الدبلوماسية واستدامة التجارة الدولية. ومن بين هذه الخيارات: قطع العلاقات مع المغرب. فالتوترات بين البلدين باتت مستعصية، والسياق أشبه بحرب باردة. أما مع تونس وليبيا، فقد حرصت الجزائر دائمًا على إبقاء العلاقات مستقرة وودية.</p> <p>وهذا يبرز بالأخص أن من مصلحة الجزائر نفسها أن تطوّر علاقاتها — الاقتصادية خصوصًا — مع كل من ليبيا وتونس. فالجزائر، من خلال علاقاتها المتينة مع الصين وسعيها للانضمام إلى مجموعة "بريكس"، تُدرج تلقائيًا ضمن مشروع "مبادرة الحزام والطريق" الصينية. ومنذ عام 2011، استثمرت الصين بكثافة في البنية التحتية الجزائرية، مستخدمة تمويلها الخاص وأيديها العاملة — علمًا بأن عدد العمال الصينيين يكاد يعادل عدد المواطنين الليبيين والتونسيين المقيمين في الجزائر. شراكة ضرورية من الناحية العملية، لكنها لا تبدو قابلة للاستمرار على المدى الطويل، خصوصًا وأن المستثمرين الصينيين يُعرف عنهم النفور من أي اضطراب سياسي، مهما كان محدودًا.</p> <p>من جهة أخرى، فإن الثابت الوحيد في السياسة الجزائرية هو علاقتها الأخوية مع كل من تونس وليبيا، حيث يصل حجم التبادل التجاري مع كل منهما إلى ملياري دولار سنويًا! رقم ضخم، لكنه لا يعكس كامل الإمكانات المتاحة. ويُذكر أن الحدود الشرقية للجزائر شهدت العديد من الاضطرابات خلال العقد الماضي، مما أثّر على سلاسة التجارة غير الرسمية، وكذلك على نقل الموارد. ولهذا، قرر الرئيس تبون في أكتوبر الماضي رفع القيود المفروضة على استيراد المواد الخام الأساسية. علمًا بأن نسبة كبيرة من هذه المواد تأتي من أوروبا، ولكن أيضًا من تونس، أو تمر عبر تونس وليبيا.</p> <p>وتبقى قضيتان أساسيتان في صدارة أولويات الجزائر من جهة التبادل الإقليمي: الأولى هي تصدير الغاز الطبيعي نحو أوروبا، والذي يمرّ بجزء كبير منه عبر الأراضي التونسية، والثانية تتعلق ببيع الأسمدة الفوسفاتية، والتي تُعدّ ليبيا من أكبر زبائنها وموزّعيها في آنٍ معًا.</p> <p> </p> <p><strong>ليبيا: الحوار ممكن، لكن مع من؟</strong></p> <p> </p> <p>تُعدّ ليبيا، بالنسبة لتونس والجزائر، جارًا جيدًا رغم ما تمرّ به من أزمات. فمنذ نهاية الحرب الأهلية الليبية، وكذلك بعد انحسار أزمة كوفيد-19، أخذت العلاقات مع جيرانها في التحسّن المتواصل. فعلى الجانب التونسي، كانت استئناف المبادلات التجارية وإعادة فتح الحدود خطوات سريعة وفعالة. أما الجزائر، فما تزال حذرة نسبيًا في تعاطيها مع الملف الليبي.</p> <p>ويُعزى هذا الاختلاف إلى طبيعة الحدود المشتركة، التي تختلف جذريًا بين الجارين. وهي حدود تحوّلت، اليوم، إلى مناطق عسكرية تنتشر فيها الوحدات النظامية. والغريب أن هذا الوجود العسكري يساهم أيضًا في تأمين مرور السلع والمسافرين.</p> <p>لكن تبقى الدولة الليبية منقسمة، ما يجبر السلطات التونسية والجزائرية على تغيير مخاطبيها دوريًا. وهو ما يضفي طابعًا ساخرًا على العلاقات الإقليمية، تخففه أهمية السوق الليبية. سواء تعلّق الأمر بالمنتجات الزراعية أو الصناعية أو الثقيلة أو بنقل التكنولوجيا، فإن ليبيا تستورد بكثافة من جيرانها. مما يجعل من الجزائر وتونس في منافسة مباشرة، تارةً مع مصر، وتارةً أخرى مع أوروبا وتركيا. وفي نهاية المطاف، سواء تعلق الأمر بحكومة الغرب أو بسلطات الجيش الوطني الليبي في الشرق، تبقى آليات السوق قائمة. فالعرض الأفضل هو الذي يجد طريقه إلى السوق الليبية. لكن في ظل الانقسام السياسي، لا يمكن للدولة الليبية أن تضمن أمن الاستثمارات، ولا حتى سلامة الرعايا الجزائريين والتونسيين.</p> <p>تبدو كل من تونس والجزائر موحدتين في موقفهما المحايد تجاه الوضع في ليبيا. حياد يسمح باستمرار المبادلات التجارية، لكنه لا يضمن أي تطور جوهري في العلاقات. ويبدو أن هذا الوضع القائم يحظى بقبول ضمني من جيران الغرب. أما ليبيا، فهي بأمسّ الحاجة إلى التعاون مع تونس، خاصةً في ما يخص القطاع الطبي والمواد الأساسية. ومن الجانب الجزائري، فإن التعاون مع ليبيا في مجال المحروقات مشروط باستقرار الحدود المشتركة. إذ لا تستطيع شركة "سوناطراك" الجزائرية، ولا "بي بي" البريطانية، ولا "إيني" الإيطالية، أن تباشر أنشطتها في جبال الهقار (بالجزائر) أو في غات (بليبيا)، دون ضمانات واضحة من كلا الطرفين. فعديد القضايا الجيوستراتيجية في تلك المنطقة الصحراوية الغنية بالنفط، ترتكز على التفاهم المتبادل بين الأطراف المعنية.</p> <p>مهما كانت التطورات في طرابلس أو بنغازي أو سرت، فإن الجنوب الليبي يبدو بمنأى عن سيطرة الميليشيات الليبية أو الجماعات الإرهابية الناشطة في المنطقة.</p> <p>"سلام نفطي" تضمنه على الأرجح القوات المسلحة الجزائرية، لكنه يعود بالنفع على الدول الثلاث، التي تجني بذلك سلامًا مشتركًا في قلب الصحراء.</p> <p> </p> <p><strong>تونس، الجزائر، ليبيا: لا يختار المرء عائلته</strong></p> <p> </p> <p>أمثلة كثيرة تُظهر أن البلدان الثلاثة، رغم اختلاف أزماتها الداخلية، تواجه تحديات مستقبلية متشابهة. فعلى العموم، يتقارب مؤشر التنمية البشرية بين تونس والجزائر وليبيا. وعلى الصعيد الاجتماعي، تخوض الشعوب الثلاثة معارك يومية متشابهة. أما الدول، فلها أولويات مختلفة... لكنها لا تستوجب بالضرورة هذا الاختلاف.</p> <p>أولاً، يسيطر هذا الثلاثي، بحكم الموقع الجغرافي، بشكل فعلي على ممر السويس – جبل طارق، الذي يُمثّل نحو ثلث التبادلات التجارية العالمية. إن الاستثمار الجاد في الموانئ العميقة (القائمة منها أو قيد الدراسة) يُعدّ خطوة حاسمة نحو إدماج تونس والجزائر وليبيا في التجارة العالمية. مشاريع ضخمة، نعم، لكن عائدها مضمون، وتمتد آثارها لتشمل قضايا حساسة أخرى كأمن المتوسط، والهجرة غير النظامية — وهي ورقة يمكن لعبها في مواجهة أوروبا — وكذلك تطوير البنية الرقمية. ويُشار هنا إلى مشروع "ميدوسا" للكابلات البحرية بالألياف البصرية، حيث تمر خمسة من ممراته السبعة عبر المياه الإقليمية للدول الثلاث.</p> <p>ثانيًا، ورغم تركيز الخطاب الرسمي في هذه الدول على ما يسمى "الثورة البيئية"، التي أثبتت محدوديتها من الناحية الاقتصادية، فإن الزراعة تبقى مجالًا أكثر واقعية. فالجزائر من بين الدول الرائدة عالميًا في إنتاج الأسمدة، وتسعى باستمرار لفتح أسواق جديدة. أما ليبيا، وعلى عكس ما هو شائع، فتملك ثلاثين مليون هكتار من الأراضي الزراعية غير المستغلة. ويُرجع الخبراء السبب إلى نقص المياه وغياب الحوافز الحكومية. فليبيا، حفاظًا على توازن مواردها الجوفية، تستثمر بشكل كبير في تحلية المياه، بدلًا من تطوير الزراعة الميكانيكية — مع أن هذه الأخيرة، إذا ما وُظّفت فيها التقنيات الملائمة، قادرة على تلبية حاجات السوق المحلية، وتخفيض تكاليف الري، بل وحتى تقليص فاتورة الواردات.</p> <p>أما تونس، فتعاني بدورها من مشاكل تنظيمية في قطاع الزراعة، رغم كونه ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني. إذ يواجه هذا القطاع تحديات عديدة: نقص البذور (نتيجة احتكار الشركات الأجنبية)، وانتشار زراعات غير مجدية من الناحية العلمية والاقتصادية (كالطماطم والبطيخ المخصصَين للتصدير)... وهي مشكلات، في الواقع، تُوجد حلولها بالفعل عبر الحدود. فمبادرات الزراعة المستدامة في تونس غالبًا ما تصطدم بارتفاع أسعار الأسمدة، أو تعقيد الإجراءات الإدارية.</p> <p>ثم إن استيراد المواد الخام — خاصةً من الدول الإفريقية — يتم في معظم الحالات بمبادرات من القطاع الخاص، سواء في الجزائر أو تونس أو ليبيا. في حين أن قوى إفريقية كإثيوبيا وغانا والسنغال، غالبًا ما تفاوض الصناعيين المغاربيين دون وسطاء. بل إن دول المغرب الأوسط نادرًا ما تتدخل في التجارة الإفريقية، سواء عبر ممثلياتها الدبلوماسية، أو عبر منظمة التجارة العالمية، أو حتى من خلال مؤسسات الاتحاد الإفريقي. تخلي غريب، لا سيما حين نعلم أن تونس والجزائر وليبيا تستورد بكثافة نفس المواد الخام (الخشب، النحاس، الألمنيوم، الكاكاو، البن، القطن...)، وغالبًا من أوروبا أو أمريكا اللاتينية، بأسعار مرتفعة.</p> <p>نعم، الحلول موجودة لتقليص كلفة الاستيراد، أو للاستثمار في التنمية المستدامة شمال القارة الإفريقية. لكن الأمر يتطلب تدخلًا مباشرًا من الدول المعنية، على أن يكون تدخلًا دقيقًا وفعّالًا. والسؤال المطروح: هل توجد إرادة سياسية بحجم التحديات؟ لأن العائلة لا تُختار... لكن حين تشتدّ الأزمات، لا مفرّ من التكاتف في وجه العاصفة.</p> <p> </p> <p>نزار الجليدي كاتب و محلل سياسي</p>
لماذا ما زالت ايران تقاتل..ولماذا قد تكون واشنطن قد اخطأت في التقدير
2026-03-05 23:01:00
<p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهم النصر السريع</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">غالباً ما تبدأ الحروب بثقة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن الإمبراطوريات تسمي هذه الثقة يقيناً.</span></p> <p class="p2"> </p> <h2 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسّقة ضد إيران، تبدو وكأنها قامت تحديداً على هذا اليقين.</span></h2> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فقد صُمِّمت المرحلة الأولى لتكون حاسمة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وخلال ساعات قليلة:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">استُهدفت منشآت عسكرية رئيسية في مختلف أنحاء البلاد؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ونُفِّذت ضربات واسعة ضد بنى تحتية استراتيجية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في واشنطن وتل أبيب، اعتقد كثيرون أن ضربة "قطع الرأس" هذه قد تؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن بعد أيام قليلة فقط، لا تزال الدولة الإيرانية تعمل.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قيادتها العسكرية ما تزال قائمة، وقواتها الصاروخية ما تزال قادرة على تنفيذ ضربات ردّية في أنحاء المنطقة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذا الواقع وحده يشير إلى أن الصراع الجاري قد لا يسير وفق الجدول الزمني الذي تخيّله مهندسو الحرب.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل قد يتطور إلى شيء أكثر تعقيداً بكثير.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حرب لا يحددها عامل السرعة… بل عامل الزمن.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الخطأ الاستراتيجي في تقدير السرعة</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يكشف التاريخ العسكري الحديث عن خطأ متكرر لدى القوى الكبرى: الخلط بين التفوق العسكري والسرعة السياسية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد تكرر هذا النمط مراراً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">دخلت الولايات المتحدة:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حرب فيتنام وهي تعتقد أن القوة العسكرية الساحقة ستؤدي سريعاً إلى استقرار جنوب شرق آسيا؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وغزت العراق عام 2003 متوقعة أن يؤدي سقوط النظام إلى إعادة تشكيل المنطقة بسرعة؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتدخلت في أفغانستان على أساس أن عملية محدودة قد تقضي نهائياً على شبكات التمرد.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في كل هذه الحالات، نجحت المرحلة العسكرية الأولى.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن تحقيق الأهداف السياسية كان أصعب بكثير.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يحذر عالم السياسة جون ميرشايمر من هذا الوهم الاستراتيجي:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">> «غالباً ما تبالغ القوى الكبرى في تقدير قدرتها على تغيير الأنظمة السياسية الأجنبية باستخدام القوة العسكرية.»</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">— جون ج. ميرشايمر، الوهم الكبير، جامعة ييل، 2018.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويمثل إيران تحدياً أكثر تعقيداً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبنيتها السياسية والعسكرية صُمِّمت أساساً لمواجهة الضغوط الخارجية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الثقافة الاستراتيجية الإيرانية: البقاء يعني النصر</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لفهم الرد الإيراني على هذه الحرب، يجب العودة إلى التجربة التي شكّلت الوعي الاستراتيجي الإيراني الحديث: الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988).</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خلال ثماني سنوات، واجهت إيران:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حملات قصف واسعة؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">عزلة اقتصادية دولية؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل القوات العراقية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع ذلك، نجحت الدولة الإيرانية في البقاء.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هذه التجربة خرجت عقيدة ما تزال تؤثر في التفكير الاستراتيجي الإيراني حتى اليوم:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">القدرة على الصمود هي بحد ذاتها انتصار.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فعلى عكس القوى التوسعية التي تقيس النجاح بالسيطرة على الأراضي، ترى إيران أن النصر يكمن في الحفاظ على بقاء الدولة تحت الضغط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا المفهوم يغيّر المعادلة الاستراتيجية جذرياً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يكفيها أن تتجنب الانهيار.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كما يوضح المؤرخ الاستراتيجي لورنس فريدمان:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">> «الطرف الأضعف لا يسعى عادة إلى النصر في ساحة المعركة، بل إلى إطالة أمد الصراع حتى تصبح تكلفته السياسية غير محتملة للطرف الأقوى.»</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">— لورنس فريدمان، الاستراتيجية: تاريخ، جامعة أكسفورد، 2013.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبدو أن هذا المبدأ يقف في صميم المقاربة الإيرانية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بنية الصمود</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ترجمت إيران هذه الفلسفة إلى تصميم مؤسسي واضح.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فقد طوّر الحرس الثوري الإيراني ما يعرف بعقيدة الدفاع الفسيفسائي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يقوم هذا النظام على تقسيم البلاد إلى مناطق عمليات لامركزية يمكنها العمل بشكل مستقل حتى لو تعطلت القيادة المركزية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كل منطقة تمتلك:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هياكل قيادة مستقلة؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قدرات صاروخية؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خططاً عملياتية جاهزة مسبقاً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الهدف الاستراتيجي واضح:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تصفية القيادة العليا لا ينبغي أن تشل النظام العسكري بأكمله.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد أظهرت عملية انتقال السلطة السريعة بعد مقتل خامنئي هذه القدرة على الصمود.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبدلاً من الانهيار، امتصت الدولة الإيرانية الصدمة واستمرت في العمل.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحرب كصراع إرادات</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وصف المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز الحرب بأنها «مبارزة بين إرادتين».</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي الصراعات غير المتكافئة، يصبح الصمود السياسي غالباً أكثر أهمية من التفوق التكنولوجي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبدو أن الرد الإيراني يعكس هذه الحقيقة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبدلاً من السعي إلى مواجهة حاسمة وفورية، تبنت طهران استراتيجية الضغط الموزع.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت عدة مواقع في المنطقة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة واحدة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والهدف يبدو واضحاً: تحويل الصراع تدريجياً إلى حرب استنزاف.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد حذر القائد العسكري الأمريكي السابق ديفيد بترايوس قائلاً:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">> «لا يمكن قتل أو اعتقال عدد كافٍ من الخصوم لإنهاء حركة مقاومة.»</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">اقتصاد الاستنزاف</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحروب لا تُخاض بالسلاح فقط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل تُخاض أيضاً بالاقتصاد والموارد.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالفارق في الكلفة بين الأنظمة الإيرانية والغربية كبير.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">طائرات شاهد المسيّرة تكلف آلاف الدولارات فقط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بينما قد تصل كلفة الصواريخ الاعتراضية إلى ملايين الدولارات.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذه المعادلة تحول الصراع إلى حرب استنزاف اقتصادية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع مرور الوقت، قد تؤثر هذه الفجوة في التكاليف على التوازن الاستراتيجي للحرب.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">مضيق هرمز: صدمة للنظام العالمي</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في قلب المعادلة الاستراتيجية يقع ممر بحري ضيق لكنه بالغ الأهمية: مضيق هرمز.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن أهمية هرمز تتجاوز الطاقة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فهو يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">إذ يربط احتياطات الطاقة في الخليج بالاقتصادات الصناعية في آسيا.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على معظم النفط الذي يمر عبره.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأي تعطيل طويل الأمد قد يتحول بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">درس تاريخي: أزمة السويس</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يقدم التاريخ مثالاً لافتاً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي أزمة السويس عام 1956 اعتقدت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أن التفوق العسكري السريع سيكفي لفرض واقع جديد في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن ما بدا انتصاراً عسكرياً تحول سريعاً إلى هزيمة استراتيجية عندما اصطدمت العملية بواقع اقتصادي ودبلوماسي دولي لم يكن في الحسبان.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لقد أثبتت تلك الأزمة أن القوة العسكرية قد تحسم المعركة، لكنها لا تحسم دائماً ميزان القوى العالمي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هل نحن أمام تحول في طبيعة الحروب؟</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي العقود الماضية، كانت الحروب الكبرى تُفهم غالباً من خلال ميزان القوة العسكرية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن الصراعات الحديثة تكشف عن معادلة مختلفة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي كثير من الأحيان لا يحسم الصراع الطرف الذي يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل الطرف الذي يستطيع إدارة الزمن الاستراتيجي للصراع.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا ما يجعل بعض الحروب تبدو في بدايتها قصيرة وحاسمة، ثم تتحول تدريجياً إلى مواجهات طويلة تغير موازين القوى الدولية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هذا المنظور، قد لا تكون الحرب الحالية مجرد صراع إقليمي، بل جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الحروب في النظام الدولي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">التقييم النهائي: حرب الزمن</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل قد تتحول إلى اختبار لصلابة النظام الدولي نفسه.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالحروب الطويلة لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تكشف أيضاً حدود الهيمنة السياسية والاقتصادية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب وهي تعتقد أن الصواريخ ستحسمها.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أما إيران فقد دخلتها وهي تعتقد أن الزمن هو الذي سيحسمها.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والتاريخ يشير إلى أن الزمن غالباً ما يكون السلاح الأكثر خطورة في الحروب الطويلة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><strong><span class="s1">بقلم: لعلى بشطولة</span></strong></p>
من السويس إلى طهران: الحرب على إيران وتصدّع النظام الدولي
2026-03-04 10:44:00
<p> </p> <p><span style="color: #e03e2d;"><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></span></p> <p> </p> <p><em><strong>القوة العسكرية، الجغرافيا الاستراتيجية، وأزمة الشرعية في النظام العالمي</strong></em></p> <p><em><strong>حرب تكشف بنية القوة في العالم</strong></em></p> <h2>نادراً ما تسقط الإمبراطوريات في لحظة واحدة مدوية.فالتاريخ لا يعمل وفق مشاهد درامية مفاجئة، بل وفق تآكلات بطيئة تتكشف عبر سلسلة من الأزمات التي تبدو في بدايتها محدودة أو عابرة.</h2> <p>غالباً ما تبدأ نهاية الإمبراطوريات بحروبٍ تُقدَّم للرأي العام بوصفها ضرورية، أو حتمية، أو دفاعية.</p> <p>لكن هذه الحروب نفسها تتحول لاحقاً إلى لحظات كاشفة لبنية القوة التي قامت عليها تلك الإمبراطوريات.</p> <p>الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 ضد إيران قد تبدو اليوم مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، إقليماً اعتاد العالم أن يراه ساحة أزمات متكررة.</p> <p>غير أن قراءة أعمق تشير إلى احتمال مختلف: أن هذه الحرب ليست مجرد صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.</p> <p>فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإيران أو بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، بل بالبنية الكاملة للنظام العالمي الذي قام طوال ثلاثة عقود على فرضية مركزية واحدة:</p> <p>أن القوة العسكرية والاقتصادية الغربية كافية لضمان استقرار النظام الدولي.</p> <p>لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الدولية لا تسقط حين تفقد قوتها فجأة، بل حين تبدأ شرعيتها في التآكل.</p> <p> </p> <p> </p> <h3>الخليج: معادلة الأمن التي كشفت الحرب حدودها</h3> <p>لأكثر من أربعين عاماً قامت منظومة الأمن في الخليج العربي على معادلة بسيطة ظاهرياً لكنها عميقة الأثر في بنية الاقتصاد العالمي:</p> <p>الطاقة مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.</p> <p>وفرت الولايات المتحدة مظلة أمنية واسعة لدول الخليج من خلال شبكة قواعد عسكرية وتحالفات دفاعية، فيما ضمنت هذه الدول استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.</p> <p>وقد شكّل هذا الترتيب أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي.</p> <p>لكن الحرب الحالية كشفت أن هذه المعادلة ليست بالصلابة التي بدت عليها لعقود.</p> <p>فالبنية التحتية التي مثلت رمز الاستقرار الاقتصادي — القواعد العسكرية، الموانئ النفطية، مراكز الطاقة — تحولت فجأة إلى نقاط تعرض استراتيجية.</p> <p>لقد أرسلت إيران رسالة جيوسياسية واضحة:</p> <p>الدول التي تستضيف أدوات القوة العسكرية الكبرى لا يمكنها في الوقت نفسه أن تدّعي الحياد في الصراعات الإقليمية.</p> <p>وهكذا تحولت شبكة الازدهار الاقتصادي في الخليج إلى شبكة أهداف محتملة في معادلة الحرب الحديثة.</p> <p> </p> <h3>مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح</h3> <p>في قلب هذه الأزمة يقف أحد أهم المفاصل الجغرافية في العالم المعاصر: مضيق هرمز.</p> <p>هذا الممر البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه خمسين كيلومتراً يشكل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.</p> <p>يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.</p> <p>وتتجه غالبية هذه التدفقات نحو الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية.</p> <p>في عالم يعتمد على تدفق مستمر للطاقة، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر حاسم في معادلة القوة.</p> <p>ولهذا السبب ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم عناصر الردع غير المتكافئ في العقيدة العسكرية الإيرانية.</p> <p>فالسيطرة الكاملة على المضيق ليست شرطاً لتعطيل دوره الاستراتيجي.</p> <p>يكفي خلق مستوى من التهديد وعدم الاستقرار لرفع تكاليف التأمين البحري وتعطيل جزء من حركة الملاحة.</p> <p>وفي نظام اقتصادي شديد الحساسية للطاقة، يمكن لاضطراب محدود في هذا الممر أن ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية.</p> <p>وهكذا تتحول الجغرافيا — التي غالباً ما تبدو ثابتة ومحايدة — إلى أحد أكثر أدوات القوة فعالية في السياسة الدولية.</p> <p> </p> <h3>السويس وفيتنام: حين تكشف الحروب حدود القوة</h3> <p>التاريخ يقدم أمثلة واضحة على لحظات كشفت فيها الحروب حدود القوة الإمبراطورية.</p> <p>أزمة السويس عام 1956 بدت في بدايتها محاولة عسكرية محدودة من بريطانيا وفرنسا لاستعادة السيطرة على قناة السويس بعد تأميمها من قبل جمال عبد الناصر.</p> <p>لكن تلك الأزمة انتهت بانسحاب القوتين الاستعماريتين تحت ضغط دولي، معلنة عملياً نهاية مرحلة الهيمنة الإمبراطورية الأوروبية.</p> <p>أما حرب فيتنام فقد شكلت اختباراً مختلفاً للقوة الأمريكية خلال الحرب الباردة.</p> <p>فبالرغم من التفوق العسكري الهائل والقدرات التكنولوجية المتقدمة، لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض حل سياسي مستقر.</p> <p>في الحالتين كان الدرس واضحاً:</p> <p>القوة العسكرية قد تحسم معركة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نظام دولي مستقر.</p> <p> </p> <h3>عالم يتغير: عودة التعددية القطبية</h3> <p>تأتي الحرب الحالية في لحظة تشهد فيها بنية النظام العالمي تحولات عميقة.</p> <p>فالصين أصبحت أكبر قوة تجارية في العالم وأكبر مستورد للطاقة، بينما أظهرت روسيا قدرة على مقاومة الضغوط الغربية رغم العقوبات الواسعة.</p> <p>وفي الوقت نفسه تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي.</p> <p>هذه التحولات تشير إلى أن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازنات القوة العالمية.</p> <p>لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي.</p> <p>بل أصبح أقرب إلى نظام متعدد المراكز، تتنافس فيه قوى كبرى وإقليمية على إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.</p> <p> </p> <h3>الحضارات وشرعية القوة</h3> <p>هنا يبرز البعد الفكري الذي تنبّه إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في تحليله لدورات الحضارات.</p> <p>فالحضارات — كما يرى بن نبي — لا تنهار عندما تفقد أدوات القوة المادية، بل عندما تفقد الفكرة التي تمنح تلك القوة معناها.</p> <p>يمكن لنظام دولي أن يحتفظ بترسانة ضخمة من أدوات الهيمنة: الجيوش، والأساطيل، والهيمنة المالية، والنفوذ الإعلامي.</p> <p>لكن إذا بدأت شرعيته الفكرية والأخلاقية في التآكل، فإن قوته تتحول تدريجياً من نظام مقبول إلى هيمنة مفروضة.</p> <p>وعندما يحدث ذلك، يبدأ التصدع الحقيقي في بنية النظام.</p> <p> </p> <h3>خاتمة: لحظة اختبار للنظام الدولي</h3> <p>نادراً ما يدرك المعاصرون أنهم يعيشون لحظة تحول تاريخي.</p> <p>الأحداث التي تعيد تشكيل العالم لا تعلن عن نفسها بوضوح عندما تبدأ.</p> <p>إنها تظهر أولاً في شكل أزمات تبدو عادية أو مؤقتة.</p> <p>الحرب ضد إيران قد تكون واحدة من تلك اللحظات.</p> <p>فهي لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه.</p> <p>السؤال لم يعد فقط من سينتصر في هذه الحرب.</p> <p>السؤال الحقيقي هو:</p> <p>هل يستطيع النظام الدولي الذي أطلق هذه الحرب أن يستمر في عالم بدأ يفقد الثقة في شرعيته؟</p> <p> </p>