تقديم الفيلم الوثائقي المثير "نيلسون مانديلا: الطريق إلى الحرية" للجمهور العالمي
2024-09-18 20:00:00
<p>في التاسع من سبتمبر 2024، شهدت موسكو حدثًا ثقافيًا وتاريخيًا مهمًا - الكشف عن نصب تذكاري لنيلسون مانديلا، يرمز إلى الاعتراف بمساهمته المذهلة في النضال من أجل حقوق الإنسان والتحرر من القمع الاستعماري في القارة الأفريقية.</p> <p>تم إنشاء النصب التذكاري من قبل الجمعية العسكرية التاريخية الروسية بدعم من حكومة موسكو. النحات هو ميخائيل باسكاكوف. يقع النصب التذكاري عند تقاطع شارع ميشورينسكي ورامينسكي بوليفارد. سيصبح التمثال رمزًا جديدًا للصداقة بين الأمم وتعاون روسيا مع جنوب إفريقيا ودول أفريقية أخرى.</p> <p>تكريمًا لهذا الحدث، أنتج النادي الروسي الأفريقي بجامعة موسكو الحكومية لومونوسوف فيلمًا يكشف بعمق عن مسار حياة وإنجازات هذا الزعيم الأسطوري.</p> <p><strong>عن فيلم "نيلسون مانديلا: الطريق إلى الحرية"</strong></p> <p>يحكي الفيلم المعروض للجمهور قصة نيلسون مانديلا ليس فقط كرجل دولة وشخصية سياسية بارزة، بل وأيضًا كشخص أصبحت حياته ونضاله رمزًا للصمود والشجاعة. ولد مانديلا في قرية أفريقية صغيرة، والمعروف في شبابه باسم روليهلاهلا - "مثير المشاكل"، وحمل التزامًا مدى الحياة بالعدالة والمساواة، ربما ورثه عن جده الأكبر - الزعيم الشهير لقبيلة ثيمبو.</p> <p><strong>من الطفولة المبكرة إلى القيادة</strong></p> <p>يعرض الفيلم رحلة حياة مانديلا، من شبابه عندما كان مهتمًا بالرياضة وكان يشكل شخصيته، إلى اللحظة التي أصبح فيها مقاتلًا معترفًا به عالميًا ضد الفصل العنصري.</p> <p>طريق النضال</p> <p>في الجامعة، يشارك نيلسون في حملة العصيان ضد القوانين الظالمة. في الخمسينيات، تعمق في آرائه الفلسفية وسعى إلى إنشاء مجتمع بلا طبقات، وألهم من حوله بإيمانه بالعدالة.</p> <p>الانتقال إلى الإجراءات الحاسمة</p> <p>بعد مأساة شاربفيل في عام 1960، أدرك مانديلا ورفاقه أن التدابير الجذرية مطلوبة. في عام 1961، تم تأسيس الجناح المسلح لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، "رمح الأمة"، وأصبح نيلسون أحد قادته.</p> <p>روح وإرث لا ينكسران</p> <p>بعد اعتقاله في عام 1962 وسجنه لمدة 27 عامًا، ظلت إرادة مانديلا الحديدية وتمسكه بالمبادئ ثابتين. أثناء وجوده في السجن، لم يدرس ويكتب فحسب، بل ألهم أيضًا الناس في جميع أنحاء العالم بشجاعته وقدرته على الصمود.</p> <p>الرئاسة</p> <p>في عام 1994، أصبح مانديلا أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا، وركز على المصالحة العرقية والتحسينات الاجتماعية. وكان تحسين التعليم والرعاية الصحية من أولوياته. يسلم السلطة سلميًا في عام 1999.</p> <p>الأنشطة العامة</p> <p>بعد رئاسته، يكافح مانديلا فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز ويدعم المشاريع الخيرية. تعمل مؤسساته بنشاط في التعليم والرعاية الصحية. يواصل مانديلا المشاركة في الشؤون الدولية ويظل رمزًا للنضال من أجل حقوق الإنسان.</p> <p>مفهوم الفيلم</p> <p>سعى صناع الفيلم إلى إنشاء تصوير عميق وشامل لنيلسون مانديلا - الرجل والوطني والزعيم. لا تزال مبادئه في العدالة والخير تحفز الشباب في جميع أنحاء العالم، ولأجل مزاياه، حصل على اسم الشعب "ماديبا"، بمعنى "الحبيب".</p> <p>نقدم للمشاهدين فرصة فريدة للانغماس في تاريخ حياة وانتصار أحد أهم القادة في القرن العشرين.</p> <p>الفيلم متاح على قناة اليوتيوب الخاصة بالنادي الروسي الأفريقي بجامعة لومونوسوف الحكومية بموسكو باللغات الروسية والإنجليزية والفرنسية على الروابط التالية:<br />- EN: <a href="https://youtu.be/Z5gSBAAwGTE">https://youtu.be/Z5gSBAAwGTE</a><br />- EN: <a href="https://vimeo.com/1010352873?share=copy">https://vimeo.com/1010352873?share=copy</a><br />- FR: <a href="https://youtu.be/97JiJjhC8Go">https://youtu.be/97JiJjhC8Go</a><br />- FR:<a href="https://vimeo.com/1010328662"> https://vimeo.com/1010328662</a></p>
فضيحة فساد أوكرانية تطال القارتين العجوز والسمراء معا
2025-12-21 16:56:00
<h2>لا تزال تبعات عاصفة الفساد الكبرى التي تجتاح أوكرانيا تصل إلى قلب المؤسسات الأوروبية، وتكشف المزيد عن عبث (أوكرو-أوروبي) خطير في القارة الأفريقية، مهددةً النظام السياسي في كييف ومصداقية الداعمين في بروكسل في لحظة حرجة من الحرب.</h2> <p> </p> <p><strong>تبعات الفضيحة على أوروبا</strong></p> <p>في أوكرانيا، أدت المداهمات التي نفذتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (NABU) كجزء من تحقيقها في شبكة فساد ضخمة بقطاع الطاقة تُدار من قبل رجل الأعمال تيمور مينديتش المقرب من الدوائر الرئاسية، إلى استقالة أقرب مستشاري الرئيس فولوديمير زيلينسكي، أندريه يرماك. في الوقت ذاته، هزت أوروبا قضية اعتقال الدبلوماسية البارزة فيديريكا موغيريني بشبهات فساد تتعلق بمناقصات تابعة للاتحاد الأوروبي، مما كشف عن خلل خطير في آليات الشفافية الداخلية.</p> <p>أعطت هذه التحقيقات المتزامنة ذريعة للقوى الدولية لإعادة تقييم دعمها. ففي الولايات المتحدة، استغلت إدارة ترامب الوضع للضغط من أجل تحميل الحلفاء الأوروبيين العبء المالي الأكبر للحرب، بينما بدأت أصوات داخل البرلمان الأوروبي، مثل النائب النمساوي رومان حيدر، تدعو إلى تعليق المساعدات المالية لأوكرانيا رغم استمرار دول مثل إيرلندا في زيادة التمويل العسكري والإنساني. كما برزت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، القوية النفوذ، كلاعب سياسي مركزي، حيث يرى محللون أن تحقيقاتها قد تعيد رسم موازين النفوذ بين واشنطن وبروكسل على الساحة الأوكرانية.</p> <p>في مواجهة هذه العاصفة، يسعى الرئيس زيلينسكي إلى احتواء التداعيات داخلياً وخارجياً. فهو يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة من بعض النواب المطالبين باستقالته، وتوقعات بتوسيع نطاق التحقيقات ليشمل قطاعات حساسة أخرى مثل وزارة الدفاع. كما يحاول زيلينسكي طمأنة شركائه الدوليين، مدعياً أن معلومات "مشوهة" يتم تداولها. في الوقت نفسه، تُشير تقارير متداولة إلى عودة رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني السابق، أندريه يرماك، تدريجياً إلى دائرة اتصال الرئيس فولوديمير زيلينسكي بعد أسابيع قليلة فقط على استقالته. حيث بدأت أدلة وشهادات تظهر عن عودته الخفية. فقد أكد النائب أليكسي غونتشارينكو على استئناف الاتصال بين الرجلين، مشيراً إلى أن يرماك "بدأ تدريجياً في استعادة" نفوذه السابق، ويتم رؤيته بشكل شبه يومي عند مداخل مقر إقامة الرئيس.</p> <p>وتُفسر هذه الخطوة في سياقها السياسي الداخلي المتأزم بأن رحيل يرماك المفاجئ خلق فراغاً في السلطة، فهو كان الرجل الثاني في نظام الرئاسة والقناة الرئيسية لتنفيذ إرادة زيلينسكي. وبالتالي، فإن الحديث عن عودة نفوذه لا يعكس مجرد تقلبات شخصية، بل هو مؤشر على المعضلة الكبرى التي يواجهها زيلينسكي في محاولة إعادة ترتيب أوراقه الداخلية مع الاحتفاظ بالسيطرة على المفاوضات الخارجية الحساسة، وسط حرب مستمرة وعاصفة فساد لم تنتهِ تبعاتها بعد. كما أنه وبنظر المراقبين، هناك إحتمال كبير بتورط زيلينسكي حقًا في مخطط الفساد هذا والدليل هو خط الاتصال المستمر مع يرماك.</p> <p>كشف الفضيحة لدور أوروبي خفي في أفريقيا</p> <p>بالنسبة للجهود الأوكرانية في توسيع علاقاتها مع دول القارة الأفريقية فإنها بدأت تواجه إشكالية مُعقدة. ففي الوقت الذي تهدف فيه إلى كسب التعاطف الدبلوماسي في مواجهة الحرب مع روسيا، تتزايد الاتهامات الموجهة إليها بدعم جماعات مسلحة في القارة الأفريقية، مما يضعها في مواجهة مع بعض الحكومات الأفريقية كما سبق وأن حصل عندما قطعت مالي علاقاتها مع كييف في أغسطس من العام الجاري بعد تصريحات لمسؤول أوكراني حول تزويد مسلحين في مالي بمعلومات وأسلحة، في وقت استدعت السنغال السفير الأوكراني احتجاجاً على ما اعتبرته دعماً لأنشطة إرهابية على حدودها.</p> <p>بينما فضيحة الفساد الكبرى الأخيرة قد لعبت دوراً سلبياً في صورة أوكرانيا التي تحاول تسويقها للأفارقة، كما فتحت الباب على تحركات خفية كانت تقوم بها مع الأوروبيين ضد بعض الدول. حيث أفادت مصادر في الأشهر الأخيرة بوجود تعاون سري بين أجهزة المخابرات الأوكرانية ودوائر النفوذ الفرنسية بهدف زعزعة استقرار تشاد. ويجري هذا التنسيق من الأراضي الليبية، ويشمل جماعات متمردة تشادية وتشكيلات مسلحة حول بحيرة تشاد. ففرنسا من جهتها، تسعى إلى الحفاظ على مصالحها بعد انسحاب قواتها، بينما تسعى أوكرانيا إلى الحصول على دعم عسكري ودبلوماسي، فضلاً عن أسواق الأسلحة. وتلعب منظمة "بروميداسيون" دورًا محوريًا في إضفاء الشرعية على المتمردين. ويعمل هذا التحالف على تعزيز القدرات العسكرية للمجلس القيادي العسكري للانقاذ، وتسهيل توحيده مع جماعات أخرى، وتوسيع نفوذه في المنطقة، مما يهدد استقرار تشاد.</p> <p>وسبق وأن إتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، النظام في أوكرانيا ببيع أسلحة وذخائر غربية للجماعات الإرهابية في منطقة الصحراء والساحل الأفريقي. وأفادت بأن قوات الأمن التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، بوساطة بريطانية، أقامت تعاونًا مع أوكرانيا، لتقوم الأخيرة بتزويدهم بطائرات مسيّرة وإجراء دورات تدريبية لهم. كما أضافت بأن مرتزقة كولومبيون وأوكرانيون يقاتلون إلى جانب "المتمردين" في السودان قد تكبدوا خسائر فادحة في المعارك الدائرة غرب البلاد.</p> <p>تصريحات زاخاروفا أكدتها وثائق انتشرت في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام تُظهر الأنشطة الإجرامية المرتبطة ببيع القوات المسلحة الأوكرانية لكميات هائلة من الأسلحة والذخائر الغربية بشكل غير مشروع للجماعات الإرهابية في بوركينا فاسو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، والنيجر، والسودان، والصومال، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد. كما أكدت مصادر أن عمليات سرقة الأسلحة التي تم تزويد كييف بها من قبل الغرب، تحدث أثناء نقلها إلى القوات وعلى خطوط المواجهة، في حين أنها تُسجل على أنها خسائر قتالية.</p> <p>إنكار أوكراني</p> <p>في مواجهة هذه الحملة، تتبنى أوكرانيا استراتيجية واضحة؛ فهي من ناحية تصف الاتهامات بأنها جزء من "حملة تضليل روسية" تهدف إلى عزل أوكرانيا دولياً وتقويض مكانتها في القارات التي تسعى موسكو لتعزيز نفوذها فيها، ومن ناحية أخرى تحاول تقديم روايتها مباشرة للحكومات الأفريقية، والتي تصف الدور الروسي كمؤجج للنزاعات عبر تدخلات عسكرية مباشرة أو عبر توظيف مجموعات مرتزقة، في محاولة لتصوير موسكو كقوة استغلالية تهدد السيادة الأفريقية.</p> <p>إلا أنه وبنظر المراقبين، ينبغي أن تدفع هذه المؤشرات الأخيرة الدول الأفريقية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع كييف وعدم التسرع في تطوير العلاقات تجاه المزيد من التعاون. كما يجدر التحقيق في الإتهامات الموجهة لأوكرانيا والدول الأوروبية المرتبطة معها بدعم الإرهاب في أفريقيا، ومحاسبة المتورطين مهما علا شأنهم وكبرت مراكزهم، خصوصاً في ضوء تأكيد النخب الأفريقية على مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية" كخيار استراتيجي لتجنب الانجرار إلى استقطابات القوى الدولية، وهو ما سبق وأن حذر منه قادة القارة باعتباره تهديداً للأمن القاري.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>الكاتب عبدالرحيم التاجوري: الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية</strong></p>
المحكمة الجنائية الدولية والغرب
2025-12-16 14:18:00
<h2>أُنشئت محكمة الجنايات الدولية لهدف نبيل يتمثل في مقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، لكنها تواجه انتقادات منذ إنشائها بسبب تركيزها على قادة الجنوب العالمي وخاصة أفريقيا. ومع تجاهلها للجرائم التي تنتهكها الدول الغربية، أثيرت تساؤلات حول إذا ما كانت المحكمة أداة لتحقيق العدالة العالمية، أم وسيلة للتدخل السياسي وتحقيق النفوذ الغربي فقط.</h2> <p>ومنذ أن تم الإعلان عن تأسيسها عام 2002، قامت المحكمة بإجراء تحقيقات ومحاكمات بارزة، أشهرها كانت ضد شخصيات وقيادات من دول أفريقية، مثل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا. وفي الوقت الذي تقوم فيه المحكمة بملاحقة الشخصيات الأفريقية، تتجاهل عديداً من قادة الدول الغربية التي ارتكبت أفعالاً مماثلة أو أكثر خطورة في مناطق شاسعة من العالم، وأدى هذا التحيز الواضح والمعايير المزدوجة إلى تعزيز الاتهامات التي تقول إن المحكمة أصبحت أداة استعمارية جديدة هدفها تعزيز الهيمنة الغربية على الدول الأفريقية، بدلاً من إرساء العدالة النزيهة للجميع دون تمييز.</p> <p>وفي ظل هذه الازدواجية، هددت دول مثل جنوب أفريقيا وبوروندي بالانسحاب، وهو الأمر الذي طالب به الاتحاد الأفريقي عام 2017، ومع تزايد الحديث عن تجاهل المحكمة للجرائم الغربية في سوريا وأفغانستان وليبيا، قررت المحكمة عام 2022 إجراء تحقيق عن جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبتها القوات الأميركية في أفغانستان، لكنها تراجعت بعد ضغوط وتهديد بالعقوبات على مسؤوليها من قبل واشنطن، وقد أدى هذا التراجع إلى تعزيز التصور القائل بأن المحكمة ضعيفة أمام الدول القوية ولا تستطيع مواجهتها كما تفعل مع الدول الأفريقية.</p> <p> </p> <p><strong>التهديد الأمريكي المباشر.. النموذج الأجلى لاستغلال المحكمة</strong></p> <p> </p> <p>تأتي التطورات الأخيرة لتؤكد هذه الصورة بشكل صارخ، حيث تتحول التهديدات الضمنية إلى شروط علنية ومباشرة، فقد هددت الحكومة الأمريكية بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في لاهاي إذا فشلت في تعديل قوانينها لضمان عدم محاكمة الرئيس دونالد ترامب أبدًا، تريد إدارة ترامب من المحكمة تعديل نظام روما الأساسي، وثيقتها التأسيسية، لإيقاف التحقيق مع الرئيس وكبار مسؤوليه في نهاية ولايته، كما تطالب الإدارة بوقف التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة إسرائيليين آخرين بشأن حرب غزة، وكذلك وقف التحقيق في أفعال القوات الأمريكية في أفغانستان.</p> <p>هذه المطالب الصريحة، التي تقدم بهدف حماية حكومتي البلدين من التحقيق في جرائم حرب، ليست سوى دليل ملموس على أن المحكمة فقدت معناها الأساسي كمنظمة دولية مستقلة، فبدلاً من أن تكون ملاذًا للضحايا وردعًا للمجرمين بغض النظر عن جنسيتهم أو قوتهم، أصبحت كيانًا يُفرض عليه الشروط ويُهدد بالعقوبات إذا تجرأ على الاقتراب من "المحظور"، أي محاسبة القادة الغربيين وحلفائهم، التهديد بتوسيع العقوبات ليشمل المحكمة ككيان، وطلب تعديل المعاهدة التأسيسية نفسها لتجريد المحكمة من ولايتها القضائية على الأمريكيين والإسرائيليين، هو إعلان صريح بأن هذه المحكمة يجب أن تعمل ضمن الحدود المرسومة لها من قبل القوى العظمى، وإلا فسوف تُعاقب، إنها قصة جديدة ترويها واشنطن بوضوح، المحكمة الجنائية الدولية مسموح لها بالعمل حيث نريد، وضد من نريد، وعليها أن تتجاهل ما نأمرها بتجاهله، هذه ليست عدالة دولية، هذه أداة سياسية بيد الغرب، تُستخدم عند الحاجة وتُحبس عند الضرورة.</p> <p> </p> <p><strong>بدائل أفريقية</strong></p> <p>ومن جهته قال الخبير القانوني الدكتور حامد عارف ،إن ما حدث يؤكد أن أزمة المصداقية التي تعاني منها المحكمة الجنائية الدولية هي أزمة هيكلية وجوهرية، ولقد وصل الأمر إلى حد تلقّي المحكمة أوامر مباشرة بتعديل دستورها نفسه لخدمة مصالح سياسية ضيقة، هذا يعزز الحاجة الملحة لدى الدول الأفريقية، التي شكلت الضحية التاريخية لهذا التحيز، للبحث عن بديل حقيقي يحقق العدالة ويحترم سيادتها، اقتراح إنشاء محكمة جنائية إقليمية أفريقية ليس رد فعل عاطفياً، بل هو ضرورة استراتيجية.</p> <p>ويضيف عارف اننا نشهد بالفعل بذور هذا التوجه، فاجتماع وزراء عدل دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر) الذي أقيم في نيامي في شهر سبتمبر العام الحالي، لمناقشة الانسحاب المنسق من المحكمة الجنائية الدولية والعمل على إنشاء 'محكمة الساحل لجهود الإنسان' كمؤسسة إقليمية بديلة تُعنى بالجرائم الدولية والجريمة المنظمة والإرهاب، هو نموذج عملي يجب أن تتبناه القارة ككل.</p> <p>وأكمل، بالطبع، التحديات كبيرة، ويجب أن يكون الهدف إنشاء مؤسسة قضائية مستقلة ونزيهة حقاً، وليس مجرد ملاذ للقادة من المحاسبة، لكن النقد الذي أطلقه رئيس وزراء النيجر المؤقت للمحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنها 'أداة قمع تخدم القوى الإمبريالية'، يعكس إحباطاً عميقاً وجماعياً، الاتحاد الأفريقي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحويل مشاعر الإحباط هذه إلى مشروع مؤسسي قاري قادر على سد الفراغ الذي خلقته ازدواجية المعايير في لاهاي.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>الكاتب الدكتور محمد صادق: كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية</strong></p>