وأخيراً يسكنوا الخيام
2023-10-23 11:00:00
<p>بعد أن ذاق الفلسطينيون مرارة الخيام، في الشتاء حيث البرد، ودخان الفحم المحروق وصولاً للدفء، وفي الصيف حرارة الخيمة وثقل الهواء المضغوط، ها هم سكان المستعمرة الذين عاشوا رغد الحياة، ومتعة سرقاتهم لوطن الفلسطينيين، وبيوتهم وممتلكاتهم، ها هم يسكنون الخيام ولو من باب التكهن لمن أنتج الصورة ووزعها، بدلاً من مستعمراتهم المطلة المحاذية لقطاع غزة. </p> <p><br />تمتعوا برغد الحياة، ولذة إضطهاد الفلسطينيين و متعة رؤيتهم لمظاهر الفقر الفلسطيني ، والتناقض الصارخ بين الحرامي والمسروق، بين الجلاد والضحية. </p> <p><br />ذاقوا مرارة الحياة، هم أو أبائهم وأجدادهم على يد أدوات القيصرية، ومحارق النازية، وتعذيب الفاشية، فانتقلوا، هربوا، تجندوا لصالح مشروع المستعمرة الصهيونية، وباتوا أدواتها وفعلها وثروتها، سواء بوعي اندمجوا مع المشروع الصهيوني أو بجهالة بحثاً عن مأوى يجمعهم ويحميهم مما كانوا فيه، في أوروبا.</p> <p><br /> لم تسجل وقائع التاريخ والحياة أن اليهود تعرضوا للاضطهاد في أي بلد عربي أو إسلامي، بل على العكس عندما تمت هزيمة الدولة الإسلامية في الأندلس، هرب اليهود مع المسلمين سوية نحو شمال افريقيا العربي، نحو المغرب وما حولها، أي أنهم عانوا التشرد مثلهم مثل المسلمين والعرب، تأكيداً على الانصهار والتداخل والتمازج بينهم وبين المسلمين. </p> <p><br />في فلسطين بالذات، إضافة إلى مصر والعراق وسوريا ولبنان كانوا شركاء الحياة والمواطنة، وعاشوا كما العرب والمسلمين والمسيحيين، أبناء الوطن الواحد قبل أن تفعل الصهيونية جرائمها ومؤامراتها ضد اليهود، كما فعلت في تفجير أحياء اليهود والمس بأمنهم في مصر والعراق لدفعهم نحو الرحيل إلى فلسطين، إستجابة لمشروع استعمارهم لفلسطين عام 1948، بدعم بريطاني وأوروبي، خاصة من فرنسا والمانيا، الأولى بأسلحتها والثانية بدفع المهاجرين الأجانب من اليهود نحو فلسطين، وإعطاء التعويضات المالية السخية لهم تعويضاً عن مذابحها بحقهم.</p> <p><br />اليوم لا مجال للاجتهاد والتخمين من إدراك هدف هجمات المستعمرة اليومية المتواصلة على بيوت ومساكن ومنشأت قطاع غزة، شاملة بيوت الناس المدنيين وهدمها على أصحابها، وعلى المستشفيات والمدارس ودور العبادة والمخابز والجامعات: هدفهم بات واضحاً جلياً وهو قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، وتدمير أكبر مساحة وحجم من الأبنية، لإخلاء قطاع غزة من أهلها سواء بالقتل أو الدفع بالتهجير. </p> <p><br />لا اجتهاد أخر، ولا تفسير بديل، وبلا تخمين ذكي، بل تتضح المعطيات والنتائج لإظهار حقيقة الهدف من طرف مجرم عنصري فاشي تربى على قتل الآخر وإحتقاره والإدعاء أنه متفوق على الكل، ثقافته وليد النازية والفاشية والقيصرية. </p> <p><br />إنهم ينتقمون من الفلسطينيين بديلاً عما عانوه في أوروبا، يرتكبون الجرائم البشعة بلا وازع ولا رحمة، إنهم من المجرمين الذين سيلفظهم التاريخ على مزابل محتوياته وتراثه كما فعل مع النازيين والفاشيين والقياصرة والاستعماريين.</p> <p>حمادة فراعنة</p>
إشعال الحرب الكونية..كيف تحول الولايات المتحدة وإسرائيل علم الآخرة إلى سلاح حربي
2026-03-11 17:36:00
<p class="p1" dir="rtl"><span style="color: #e03e2d;"><em><strong><span class="s1">بقلم: </span><span class="s2">أمير نور</span><span class="s1"> و </span><span class="s2">لعلى بشطولة</span></strong></em></span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أولاً</span><span class="s2">: تأطير الحرب بوصفها فريضةً إلهية</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حين تُفسَّر الحروب الجيوسياسية بوصفها استكمالاً للنبوءة المقدسة، تُفسح الاستراتيجيةُ المجالَ للاهوت، وتغدو الدبلوماسية ضرباً من المستحيل.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">إن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وجمهورية إيران الإسلامية وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، تنبثق في جوهرها من حقائق جيوسياسية راسخة: الهواجس الأمنية الإقليمية، والردع النووي، والتحالفات الاستراتيجية، وموازين القوى في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">غير أنه إلى جانب هذه الدوافع الاستراتيجية، يشقّ إطارٌ تأويلي طريقَه بقوة عبر قطاعات واسعة من الخطاب السياسي، والبلاغة العسكرية، وأنظمة الإعلام الإنجيلي: إذ بات الصراع، في أجزاء كبيرة من الخطابَين السياسي والديني الغربيَّين، يُؤطَّر لا باعتباره نزاعاً جيوسياسياً فحسب، بل بوصفه جزءاً من شيء أعتق وأشد خطراً بكثير؛ مواجهةً حضارية ولاهوتية في الوقت ذاته، وتحقيقاً للنبوءة التوراتية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تدرس هذه الورقة ما يمكن وصفه بـ"التأطير الجيولاهوتي"، أي إعادة تفسير الصراع الجيوسياسي عبر سرديات لاهوتية ورموز نبوية وتاريخ مقدس. وانطلاقاً من تصريحات موثقة لقادة سياسيين، وشكاوى داخلية صادرة عن منتسبي المؤسسة العسكرية، والرمزية التوراتية المستحضرة في بلاغة زمن الحرب، وتحليلات أكاديمية للصهيونية المسيحية، تستكشف الورقة كيف يمكن للصراع السياسي المعاصر أن ينغرس في سرديات آخر الزمان المتعلقة بمصير الأمم والعالم بأسره.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والحاصل ليس بالضرورة خلقَ حرب دينية خالصة، بل تحويلَ الصراع الجيوسياسي إلى ما يُدرَك، في نظر بعض الأطراف الفاعلة، بوصفه جزءاً من مسيرة تاريخية إلهية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ثانياً</span><span class="s2">: الاستراتيجية والسردية</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">نادراً ما تُفهم الحروب الحديثة من خلال الاستراتيجية العسكرية وحدها؛ فهي تُؤوَّل أيضاً من خلال سرديات تمنحها معنىً ومغزى. وفي حالة المواجهة الجارية مع إيران، تتقاطع هذه السرديات بصورة متصاعدة مع اللغة الدينية، والرمزية النبوية، والتنبؤ بلحظة القيامة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفهم هذه السرديات لا يستلزم تصديقها بوصفها حقيقة حرفية. غير أن إغفال تأثيرها يعني إهمال بُعد بالغ الأهمية في طريقة تأويل الصراعات وتسويغها في الخطاب العام.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لطالما درس العلماء كيف تُشكِّل الأفكار الدينية السرديات السياسية: يلاحظ المؤرخ بول بوير أن "الإيمان النبوي بلحظة القيامة شكَّل الخيالَ السياسي الأمريكي تشكيلاً عميقاً، ولا سيما في ما يتصل بالشرق الأوسط"؛ وتكتب العالمة السياسية إليزابيث شاكمان هيرد أن "الدين ليس مجرد نظام اعتقاد خاص، بل إنه يُشكّل فاعلياً طريقة تأويل الصراعات الدولية وتعبئتها سياسياً"؛ ويرى اللاهوتي ويليام ت. كافانو أن "السرديات الدينية نادراً ما تحلّ محل المصالح السياسية، بل كثيراً ما تتشابك معها."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والتاريخ يزخر بأمثلة على صراعات أُوِّلت من خلال سرديات مقدسة. فقد زحف الصليبيون نحو بلاد الشام مؤمنين بأنهم يشاركون في نضال مُقدَّر إلهياً. وكثيراً ما حملت التوسعات الاستعمارية الأوروبية لغة الرسالة الدينية. بل إن الحرب الباردة ذاتها قدّمها بعض القادة باعتبارها صراعاً بين الخير المطلق والشر المطلق.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتبقى الحملة الصليبية الأولى الأكثر تعليمية وتوثيقاً من بين هذه السوابق. فحين خاطب البابا أوربان الثاني مجمعَ كليرمون في نوفمبر 1095، لم يُطلق حرباً لاستيلاء إقليمي، بل حرب فداء نبوية: تحرير القدس بوصفها فعل خلاص جماعي. وتُسجّل الحوليات المعاصرة، ومنها "أعمال الفرنجة" المجهولة المؤلف، أن آلاف المقاتلين حملوا الصليب لا طمعاً في مكاسب استراتيجية، بل إيماناً صادقاً بأنهم يُشاركون في تحقيق النبوءة. والحاصل كان مذبحة القدس في يوليو 1099، فعلٌ وصفه مرتكبوه بالفخر والاعتزاز، كاشفاً عن المدى الذي يبلغه المرء حين يتيقن من الولاية الإلهية. هذه أقدم وأوضح سابقة غربية لما تسميه هذه الورقة "التأطير الجيولاهوتي"، وقد انتهت بالدم.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والجدير بالذكر أن إطار صمويل هانتنغتون المؤثر في "صراع الحضارات" يصف الصراع بين تكتلات حضارية كبرى. أما ما ترصده الورقة الراهنة فأبعد من ذلك: إنه التوظيف الفاعل والمتعمد مدبروللسردية الإسكاتولوجية من قِبَل أطراف سياسية بعينها لتسويغ العمل العسكري؛ وهو مسار لم يستشرفه التحليل البنيوي لهانتنغتون ولا يستطيع تفسيره.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتكشف هذه السوابق عن نمط متكرر: حين تنغرس الصراعات السياسية في السرديات المقدسة، تغدو التسوية أعسر والتصعيد أرجح.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والمواجهة مع إيران تكشف عن شيء أعمق في طريقة تأويل الصراعات الحديثة. فعلى المستوى الاستراتيجي، تسعى الدول إلى غايات مألوفة: الأمن والردع والنفوذ. بيد أن الحروب تُخاض أيضاً في ميدان المعنى. وحين يستدعي الخطاب السياسي النبوءة وتتردد في البلاغة العسكرية أصداء علم الآخرة، يمكن للصراع الجيوسياسي أن يُعاد تأطيره بوصفه صراعاً كونياً. والتاريخ يدل على أن مثل هذه التحولات خطرة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ثالثاً</span><span class="s2">: شواهد من داخل المؤسسة الأمريكية</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في وقت مبكر من عام 2014، أشرنا في كتاب إلى أن "مهما كانت مدبرو هجمات الحادي عشر من سبتمبر الحقيقية ودوافعهم الفعلية، فقد أتاحت الفرصة المثلى للولايات المتحدة وحلفائها لتنفيذ استراتيجية الهيمنة في العالم الإسلامي. فهذا الأخير، رغم ضعفه الراهن، يُعدّ خصماً محتملاً ينبغي تقسيمه وإضعافه باستمرار مع استغلال موارده الطبيعية الهائلة، ولا سيما الطاقوية منها"، وأنه "منذ الغزو الأفغاني عام 2001 والعراقي عام 2003، يبدو أن سايكس-بيكو جديداً يتشكّل في المنطقة. غير أنه خلافاً للاتفاقيات الفرنسية-البريطانية لعام 1916 الهادفة إلى تيسير إنشاء دولة أو كونفدرالية عربية، يرمي المسار الجاري إلى تفتيت الدول القائمة. وتتيح إستراتيجية التفكيك الشامل هته للولايات المتحدة تحقيق هدف ثلاثي: ضمان صون مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وتعزيز موقع حليفتها الإسرائيلية وضمان بقائها دولة يهودية، وتوجيه جُلّ جهودها ومواردها نحو أهم مناطق العالم: المحيط الهادئ."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وكما أوضح ستيفن غرين، نجح فريق صغير من المحافظين الجدد، كثيرون منهم مسؤولون كبار في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي ومكتب نائب الرئيس، في إفراغ السياسة الأمريكية التقليدية في الشؤون الخارجية والأمنية من مضمونها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وبعد مراجعة الخلفيات الأمنية الداخلية لبعض أبرزهم، خلص إلى أنهم كانوا يسعون إلى أجندتين متوازيتين في الوقت الذي يدّعون فيه العمل لصون الأمن الداخلي للولايات المتحدة في مواجهة "أعدائها الإرهابيين."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد خلص بيل كريستيسون وكاثلين كريستيسون إلى الاستنتاج ذاته، مؤكدَين أنه منذ الحقبة المنسية التي كانت فيها سياسة وزارة الخارجية تجاه الشرق الأوسط بيد مجموعة من "العروبيين"، باتت السياسة الأمريكية إزاء إسرائيل والعالم العربي "حكراً متصاعداً على مسؤولين معروفين بانحيازهم لإسرائيل." هؤلاء الأشخاص "الذين يمكن وصفهم بأصحاب الولاءات المزدوجة لإسرائيل، باتوا متموضعين في كل مستويات الحكومة، من ضباط المكاتب في وزارة الدفاع إلى مستوى نائب الوزير في كل من وزارتَي الخارجية والدفاع، فضلاً عن أعضاء هيئة مجلس الأمن القومي ومكتب نائب الرئيس."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والجدير بالاهتمام أن المسيحيون رأيا أن أصحاب الولاءات المزدوجة في إدارة بوش "أسهموا في تغذية نمو تيار مسيحاني من الأصولية المسيحية المتحالفة مع إسرائيل استعداداً لما يُسمّى آخر الأيام." ومضيا يقولان إن هؤلاء الأصوليين المتطرفين يرون في هيمنة إسرائيل على كامل فلسطين "خطوة لازمة نحو تحقيق الألفية التوراتية، ويعتبرون أي تنازل إسرائيلي عن أرض في فلسطين إثماً مقدساً، وينظرون إلى الحروب بين اليهود والعرب باعتبارها مقدمة إلهية مُقدَّرة لمعركة هرمجدون"، وهو ما يُفضي إلى شبح حرب مسيحية-إسلاميةمروّعة .</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد تأكدت هذه النتائج باستقلالية على المستوى الأكاديمي من خلال الدراسة الرائدة لجون ميرشايمر وستيفن والتحول "اللوبي الإسرائيلي"، التي وثّقت كيف شكّلت شبكة من المنظمات والأفراد السياسةَ الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، كثيراً على حساب المصالح الأمريكية الأشمل. ويُرسّخ السرد التاريخي لرشيد خالدي حول القضية الفلسطينية هذا التوافق في إطار بنية استيطانية استعمارية ممتدة عبر قرن كامل ودعمتها قوى غربية متعاقبة، مما يرسم القوس التاريخي البعيد الذي يعمل في سياقه الإطار العسكري-اللاهوتي الراهن.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وليست المقاومة المؤسسية لهذا الإطار دون سابقة: ففي عام 2013، أعلن الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، صراحةً أنه لا يرغب في أن يكون "شريكاً" في ضربة عسكرية ضد إيران يرى أنها غير مبررة استراتيجياً؛ وهو موقف يكاد يكون غائباً تماماً عن القيادتَين العسكرية والسياسية الراهنتَين.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي وقت أحدث، جلس مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل المُعيَّن من قِبَل دونالد ترامب، مع الصحفي تاكر كارلسون ليُسأل عن المقطع التوراتي الذي يَعِد فيه الله ذرية إبراهيم بالأرض "من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات." فلم يُنكر هاكابي ذلك، ولم يتحفّظ. أجاب ببرود مُقلق: "سيكون رائعاً لو أخذوا الجميع."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حتى الآن، آثرت إدارة ترامب الصمت المطبق إزاء هذه التصريحات الفاضحة والخطيرة. لا تفسير، ولا إدانة، ولا عقوبات على القسيس الإنجيلي السابق المتحوّل إلى "دبلوماسي حارق" وكذّاب مَرَضي؛ إذ إنه حرّف كلام الكتاب المقدس عن سابق علم لخدمة الدعاية الصهيونية الإبادية. فالكتاب المقدس لا يتحدث عن "إسرائيل" كما نعرفها اليوم، وأحرى بذلك أن يتحدث عن الحكومة الصهيونية المتطرفة الإبادية الراهنة. ما يقوله الكتاب المقدس بدقة في التكوين 15:18 هو: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهداً قائلاً: لذريتك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأيضاً، إثر الإعلان عن الضربات الأمريكية ضد إيران مطلع عام 2026، أفادت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) بتلقّيها أكثر من مائتي شكوى من منتسبي قوات مسلحة أمريكية من مختلف الأفرع؛ إذ انبثقت هذه الشكاوى من عناصر في مشاة البحرية والقوات الجوية والبحرية وقوة الفضاء، موزَّعين على عشرات المنشآت العسكرية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأشارت بعض التقارير إلى أن إحاطات جاهزية القتال تضمنت قيام قادة بتأطير العمليات الجارية بلغة دينية صريحة، بما فيها إشارات إلى "مشيئةالإلهية" ومقاطع من سفر الرؤيا تصف هرمجدون.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والأهم أن المخاوف لم يُعرب عنها المنتسبون المسلمون فحسب، بل أيضاً عناصر مسيحية ويهودية أكدت أن البلاغة الدينية الصريحة في الإحاطات العملياتية تُهدد الحياد العسكري والتماسك المؤسسي. وبينما تظل هذه الادعاءات موضع جدل، فإنها تجسّد الحساسية البالغة المحيطة بتقاطع الدين مع هياكل القيادة العسكرية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتعليقاً على هذه الشكاوى، كتب القس برايان بيرغوف على صفحته في الفايسبوك : "حين يُحوَّل الإيمان إلى سلاح للحرب، ندرك أننا قد خرجنا عن السكة بعيداً عن يسوع... حين يختطف المتطرفون أمثال بيت هيغسيث هذه التعاليم لتسويغ العنف، فهم يُمثّلون النسخة المسيحية لمن قادوا الطائرات التي اصطدمت بمركز التجارة العالمي... الولايات المتحدة وإسرائيل تهاجمان إيران في شهر رمضان المبارك. وهذا ليس مصادفة. لطالما صوّر المسيحيون الإنجيليون المسلمين المسالمين على أنهم تهديد يجب التصدي له. غير أن هذه المسيحية-الفاشية العنيفة الكارهة للآخر هي التهديد الحقيقي لمستقبل البشرية جمعاء. ينبغي لكل القساوسة المسيحيين وزعماء الأديان ذوي الإرادة الطيبة أن يُدينوا هذه الحرب وأيديولوجيتها. تتوهم هذه الإدارة أنها تُعجّل بعودة يسوع. إنها لا تفعل ذلك. ردّ فعل يسوع الوحيد تجاه كل هذا هو البكاء."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">رابعاً</span><span class="s2">: الرمزية التوراتية في الخطاب السياسي الإسرائيلي</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تصاعد توظيف الرمزية الدينية في الخطاب السياسي الإسرائيلي تصاعداً لافتاً. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استحضر ذاكرة عماليق التوراتية في وصف التهديدات الوجودية التي تواجهها إسرائيل. والمرجع مستقى من السفر الأول لصمويل، حيث يُصوَّر عماليق عدواً لإسرائيل القديمة. وفي التراث التاريخي اليهودي، غدا العماليق لاحقاً نموذجاً رمزياً يُجسّد الساعين إلى هلاك الشعب اليهودي.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يضاف إلى ما لاحظه القس بيرغوف بصواب أن كثيراً من الإسرائيليين يستحضرون صلة وثيقة بين الحرب الجارية على إيران وقصة "بوريم" التقليدية التي تحكي كيف "نجا" اليهود المقيمون في الإمبراطورية الفارسية قبل نحو ألفَين وخمسمائة سنة من "الإبادة". وقد برزت هذه الصلة في تقرير نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" اليمينية مؤخراً:</span></p> <p class="p2" dir="rtl"><span class="s3">"</span><span class="s1">أعادت</span> <span class="s1">الضربة</span> <span class="s1">الأمريكية</span><span class="s3">-</span><span class="s1">الإسرائيلية</span> <span class="s1">المشتركة</span> <span class="s1">على</span> <span class="s1">إيران</span> <span class="s1">إحياء</span> <span class="s1">قصة</span> <span class="s1">بوريم</span> <span class="s1">إحياءً</span> <span class="s1">لم</span> <span class="s1">يشهده</span> <span class="s1">التاريخ</span> <span class="s1">منذ</span> <span class="s1">ألفَين</span> <span class="s1">ومائتَي</span><span class="s1">عام</span><span class="s3">"</span><span class="s1">،</span> <span class="s1">مقارنةً</span> <span class="s1">ترامب</span> <span class="s1">بشكل</span> <span class="s1">لافت</span> <span class="s1">بخشايارشا</span> <span class="s1">العظيم</span> <span class="s1">المذكور</span> <span class="s1">في</span> <span class="s1">القصة،</span> <span class="s1">وخاتمةً</span> <span class="s1">بالقول</span><span class="s3">: "</span><span class="s1">بعون</span> <span class="s1">الله</span> <span class="s1">المتواصل،</span> <span class="s1">سننتصر</span><span class="s1">في</span> <span class="s1">هذه</span> <span class="s1">المعركة</span> <span class="s1">الأحدث</span> <span class="s1">والأكثر</span> <span class="s1">مصيرية،</span> <span class="s1">ونُحقق</span> <span class="s1">لشعبنا</span> <span class="s1">وللعالم</span> <span class="s1">بأسره</span> <span class="s1">وعد</span> <span class="s1">بوريم</span> <span class="s1">النبوي</span><span class="s3">: </span><span class="s1">النور</span> <span class="s1">والبهجة</span> <span class="s1">والأمل</span><span class="s1">والفرح</span><span class="s3">."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويرى المنتقدون أن استدعاء هذه الرمزية في الصراع الحديث ينطوي على مخاطر استيراد رمزية دينية قديمة إلى الحروب المعاصرة. في المقابل، يرى المؤيدون أن الإشارة مجازية وتعكس خطورة التهديدات المُدرَكة لا دعوة إلى عنف ديني حرفي.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بيد أن ثمة وقائع لا يمكن إنكارها بقدر ما هي كاشفة وخطيرة. ففي 12 أغسطس 2025، صرّح نتنياهو بأنه يشعر بـ"تعلق عميق" برؤية "إسرائيل الكبرى"، التي تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة وأجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية، مؤكداً أنه يعتبر نفسه في "مهمة تاريخية وروحية لأجيال من اليهود حلموا بالمجيء إلى هنا وأجيال ستأتي من بعدنا." ولم تُبادر أصوات ذات وزن في المعارضة الإسرائيلية إلى التبرؤ صراحةً من هذه الرؤى التوسعية أو إدانتها، على الرغم مما أثارته من غضب إقليمي واسع ومخاوف جدية حول مبدأ السيادة الوطنية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">واستدعاء نتنياهو للمهمة المقدسة وإسرائيل الكبرى لا يقوم في فراغ. إنه يستمد شرعيته، سياسياً ورمزياً، من البنية اللاهوتية الاستبدالية التي شكّلت الانخراط الإنجيلي الأمريكي في الشرق الأوسط لأكثر من قرن، وهي بنية باتت تستحق الفحص المستقل على شروطها الذاتية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خامساً</span><span class="s2">: البنية اللاهوتية — الصهيونية المسيحية</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يستلزم فهم التأويل الديني للصراعات الشرق أوسطية الحديثة استيعاب الإيديولوجيا المعروفة بـ"الصهيونية المسيحية". يستند هذا التيار استناداً أساسياً إلى اللاهوت التدبيري الذي طوّره في القرن التاسع عشر جون نيلسون داربي. ويُقرأ في هذا الإطار التاريخُ العالمي باعتباره يسير عبر مراحل نبوية تبلغ ذروتها في أحداث آخر الزمان. وفي هذه الرؤية الكونية، كثيراً ما تُفسَّر أحداث كعودة اليهود إلى أرض إسرائيل، وإنشاء دولة إسرائيل عام 1948، والصراعات المتعلقة بها، باعتبارها علامات على اقتراب تحقق النبوءة التوراتية.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والأهم التأكيد على أنه في حين لا يؤيد جميع المسيحيين الصهيونية، فإن غالبية المسيحيين الإنجيليين والبابتيست والخمسينيين ومرتادي الكنائس الكبرى يؤيدونها انطلاقاً من إيمانهم بما يُسمّى "الألفية التدبيرية ما قبل العودة."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويؤكد المدافعون عن الانخراط السياسي للصهيونية المسيحية أن دعمهم لإسرائيل ينبثق من لاهوت العهد والتضامن مع شعب عانى الاضطهاد تاريخياً، لا من دعوة إلى الحرب، وأن الإيمان النبوي لا يُترجَم آلياً إلى سياسة. وهذا الموقف يستحق نقاشاً جاداً ومنصفاً. غير أن الحالات الموثقة التي تفحصها هذه الورقة، من خطبة هاجي أمام لافتة كُتب عليها "الله قادم... عملية الغضب الملحمي" إلى تأييد هاكابي الهادئ للتوسع الإقليمي الأقصى، تُشير إلى أن الخط الفاصل بين القناعة اللاهوتية والعمل السياسي قد مُحي منهجياً من قِبَل شخصيات محورية، لا أنه استُنتج فحسب من قِبَل المنتقدين. فحين تُشكّل الإسكاتولوجيا الإحاطات العسكرية وتُلهم التوقعات النبوية تصريحات السفراء، يغدو الادعاء بأن العقيدة والسياسة تظلان منفصلتَين أمراً عسير التسويغ.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي المقابل، اتساقاً مع اللاعنف الذي أرساه يسوع المسيح في الأناجيل، لا تدعم كنائس البروتستانت والكاثوليك الرومان والأرثوذكس الشرقيين وكنائس السلام الصهيونيةَ المسيحية في تأويلاتها التوراتية لآخر الزمان. ومنهم الدكتور تشاك بالدوين، القس الإنجيلي الأمريكي البارز والمرشح الرئاسي لحزب الدستور في انتخابات 2008، الذي كشف في مقابلة أدلى بها عام 2018 أنه بشّر بالصهيونية المسيحية لأكثر من ثلاثين عاماً قبل أن يرفضها، مُفصّلاً رحلته المتدرجة للتخلي عن الرؤية التاريخية المشوّهة التي تستوجبها تلك العقيدة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وعلى المنوال ذاته، ثمة يهود يعارضون الصهيونية، ومن بينهم اليهود الأرثوذكس المتشددون الذين يؤمنون بأن على اليهود انتظار قدوم المسيح المنتظر لقيادتهم إلى أرض إسرائيل. وفي الفكر الحاخامي، المشيح هو الملك الذي سيفدي إسرائيل ويحكمها في ذروة التاريخ البشري وهو الأداة التي ستتأسس بها مملكة الله. والتقليد اليهودي يُقرّ بخمسة أمور على الأقل في شأن المسيح المنتظر: أن يكون من نسل الملك داود، وأن يكتسب السيادة على أرض إسرائيل، وأن يجمع اليهود إليها من أصقاع الأرض، وأن يُعيدهم إلى التطبيق الكامل لشريعة التوراة، ثم يُحقق في الخاتمة السلام للعالم بأسره.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي خضم هذا السباق المحموم نحو خطاب النهاية الكبرى، يحتل جون هاجي، مؤسس كنيسة كورنرستون الكاريزمية في سان أنطونيو ومؤسس "مسيحيون من أجل إسرائيل" (تأسست 7 فبراير 2006)، المرتبة الأولى بلا منازع. وإمبراطوريته الإعلامية تصل إلى ما يُقدَّر بمائة وخمسين مليون أسرة عبر قارات شتى، وهو امتداد يجعل تأطيره اللاهوتي-السياسي مسألة جيوسياسية بالغة الأثر لا شأناً كنسياً داخلياً.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي 14 نوفمبر 2023، خاطب هاجي مسيرةً مؤيدة لإسرائيل في واشنطن العاصمة، مؤكداً: "أنتم قادة إسرائيل، وأنتم وحدكم ينبغي أن تقرروا كيف ستُدار هذه الحرب وكيف ستُختتم. أنتم من يقرر، لا غيركم." وبعد يومين فحسب من أمر ترامب بشنّ "عملية الغضب الملحمي" ضد إيران، ألقى القس خطبته في كنيسة كورنرستون أمام لافتة كتب عليها "الله قادم... عملية الغضب الملحمي"، شاكراً ترامب "الذي سحق بحكمته وشجاعته أعداء صهيون"، ثم مضى في اللازمة المألوفة مؤكداً أن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران سيُشعل سلسلة من الأحداث المُنبأ بها توراتياً، تشمل غزو جيش بقيادة روسية لإسرائيل وهزيمة يسوع للمسيح الدجال في معركة هرمجدون.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">سادساً</span><span class="s2">: حتمية الهيكل الثالث — حين يصبح اللاهوت عمارة</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">إن بناء الهيكل الثالث على جبل الهيكل في القدس، على الموقع الذي يقوم عليه اليوم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ليس فكرة هامشية. بل إنه يقبع في صميم البنية اللاهوتية الإسكاتولوجية التدبيرية التي تسري في كامل هذا البحث.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي إسكاتولوجيا الصهيونية المسيحية، إعادة بناء الهيكل ليست خياراً، بل شرطٌ لا بد منه. والتسلسل صريح في هذا اللاهوت: يجب إعادة بناء الهيكل؛ ثم يُدنّسه المسيح الدجال في ما يُعرف بـ"رجس الخراب" المذكور في دانيال 9:27 ومتى 24:15 والثيسالونيكيين الثانية 2:4؛ وهذا يُطلق الضيقة الكبرى التي تسبق معركة هرمجدون، التي تسبق المجيء الثاني للمسيح.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وبالنسبة لملايين الإنجيليين التدبيريين، فإن دعم الشروط التي تُتيح قيام الهيكل هو إذن فعل وفاء نبوي، لا تفضيل سياسي. وقد تتبّع اللاهوتي برنارد ماكغين نسب شخصية المسيح الدجال المحورية في هذا التسلسل عبر ألفين من سنوات الخيال الإسكاتولوجي المسيحي، مُذكِّراً إيانا بأن ما يُقدَّم على أنه حقيقة توراتية خالدة هو في الواقع إطار تأويلي مُشيَّد تاريخياً، وهو إطار بات يُوظَّف الآن بوصفه سياسة خارجية.</span></p> <h4 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الصلة</span><span class="s2"> الإيرانية</span></h4> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يخضع جبل الهيكل في الوقت الراهن لإشراف الوقف الأردني، والمسجد الأقصى وقبة الصخرة يقومان على ذلك الموقع. وأي بناء لهيكل ثالث يستلزم إزالتهما أو تدميرهما. وإيران هي الضامن العسكري والإيديولوجي الأول للمقاومة في وجه السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل، من خلال دعمها لحماس وحزب الله ومحور المقاومة الأشمل.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هنا يسير المنطق اللاهوتي على النحو التالي: إسقاط القوة الإيرانية يُزيل الدرع العسكرية الرئيسية الحامية للمواقع الإسلامية المقدسة، مما يُقرّب شروط إقامة الهيكل بصورة ملموسة. وسواء جرى التعبير عن هذه الحسابات صراحةً لدى صانعي القرار أم لا، فإنها تعمل بوصفها تقاطعاً بنيوياً بين الحرب على إيران ومشروع الهيكل الثالث.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي مارس 2026، صرّح المعلق تاكر كارلسون علناً بأن "لاعبين محوريين متورطين في هذه الحرب يعتقدون أن ما نشهده سيُبشّر بأحداث تبدأ بتدمير قبة الصخرة وإعادة بناء الهيكل الثالث." والأكثر إزعاجاً أن كارلسون أثار صراحةً سيناريو تدمير مُنظَّم للمجمع يُنسب إلى إيران، ملخِّصاً هذه الاحتمالية بعبارة: "آه، الإيرانيون فعلوها." ومهما كان مصدر هذا الطرح، فإن التصريح العلني به من شخصية رئيسية ذات جمهور واسع يشكّل في حد ذاته حدثاً سياسياً يستوجب التوثيق.</span></p> <h4 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحضور</span><span class="s2"> المؤسسي الموثق</span></h4> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذا ليس تكهناً لاهوتياً فحسب، وليس ظاهرة وُلدت من رحم الأزمة الراهنة. فمنذ عام 2000، وثّق الصحفي والمؤرخ غيرشوم غورينبرغ في كتابه "نهاية الأيام" التقارب بين الإسكاتولوجيا التدبيرية الأمريكية وحركة إعادة بناء الهيكل اليهودي والفتيل الجيوسياسي الذي يمثله جبل الهيكل، وذلك قبل أن يتحول إلى حالة طوارئ استراتيجية نشطة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وما رصده غورينبرغ بوصفه تصادماً كامناً بات اليوم تصادماً فاعلاً. فمعهد الهيكل في القدس يُعدّ منذ عقود الأدوات الطقسية والأثواب الكهنوتية والمخططات المعمارية للهيكل الثالث. والزيارات اليهودية لجبل الهيكل بلغت أرقاماً قياسية. وأدلى عدد من الشخصيات القريبة من الإدارة الأمريكية الراهنة، ومنهم رئيس مجلس النواب مايك جونسون، بتصريحات علنية حول المصير النبوي لإسرائيل. وأرسلت أطراف من ائتلاف نتنياهو، ولا سيما إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، إشارات تُلمّح إلى التحرك نحو فرض السيادة الإسرائيلية على الموقع.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والجدير بالإشارة أن الرغبة في إعادة بناء الهيكل ليست موقفاً جامعاً داخل اليهودية. فقد أعادت الحياة الدينية اليهودية تنظيم نفسها حول الصلاة ودراسة التوراة والممارسة في المعبد بعد تدمير الهيكل الثاني عام 70 للميلاد، وتسير دون هيكل مادي منذ ما يقارب ألفَي عام. وتمثل حركة إعادة بناء الهيكل تياراً لاهوتياً بعينه لا توافقاً.</span></p> <h4 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">البُعد</span><span class="s2"> الإسلامي</span></h4> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بالنسبة للعالم الإسلامي، المسجد الأقصى هو ثالث أقدس موقع في الإسلام. وأي تهديد له، حقيقياً كان أم متصوَّراً، يحمل قوة تعبئة تتجاوز الحدود الوطنية والعرقية والطائفية. وقد وضعت إيران نفسها باستمرار بوصفها الحارسة للأقصى، مما يُفسّر جزئياً الصدى الاستثنائي لخطابها في أوساط السنة والشيعة على حد سواء. وقد وثّق المؤرخ أسامة مقدسي أن التعايش بين الطوائف كان هو القاعدة التاريخية في بلاد الشام، مما يجعل الدمار الذي تُلحقه الأجندات الإسكاتولوجية المُستوردة شذوذاً تاريخياً صارخاً.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد تجلّت حقيقة أن التهديد للأقصى بات يتردد صداه عابراً للانقسام السني-الشيعي بجلاء في نوفمبر 2023، حين أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي: "الأقصى ليس قضية فلسطينية وحسب. إنه قضية كل المسلمين، قضية الإنسانية جمعاء."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا يعني أن بُعد الهيكل الثالث ليس هامشاً لاهوتياً. إنه أحد أعمق خطوط الصدع في المواجهة بأسرها، وهو بُعد يكاد يكون غائباً كلياً عن التغطية الغربية السائدة للصراع مع إيران.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">سابعاً</span><span class="s2">: فارس في النبوءة</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كثيراً ما يتبنى الخطاب السياسي المتعلق بإيران لغةً أخلاقية ذات صدى ديني واضح. فالسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام وصف الحكومة الإيرانية بالشر، مُؤطِّراً المواجهة مع طهران بوصفها صراعاً بين العدل والطغيان. وعلى الرغم من أن هذا النوع من اللغة شائع في الخطاب السياسي، فإنه يتردد صداه بقوة مع السرديات الدينية التي تُصوّر الصراعات معارك بين الخير والشر.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأكثر من ذلك، كثيراً ما تستند تفسيرات لحظة القيامة إلى مقاطع من سفر حزقيال التي تصف تحالفاً من الأمم بقيادة "جوج" يهاجم إسرائيل في الأيام الأخيرة. وفي التفسير الإنجيلي الحديث، كثيراً ما يُقرَن الاسم القديم "فارس" الوارد في النص بإيران الحديثة. وبينما يرفض كثير من علماء الكتاب المقدس التطبيقات الجيوسياسية المباشرة لهذه النصوص، تظل مثل هذه التفسيرات نافذة الأثر في شبكات الإعلام الديني المعينة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والأرجح أن رضا أصلان حين كتب كتابه الذي سرعان ما غدا نجاحاً عالمياً لم يتخيل أن بلده الأصلي إيران، لا الأصولية الإسلامية على شاكلة القاعدة وداعش، قد تكون الشرارة التي تُشعل الشرق الأوسط في إطار "حرب كونية" تُفجّرها واشنطن وتل أبيب. فكتابه دراسة معمقة في الإيديولوجيا التي تُغذّي المتطرفين في العالم الإسلامي واستكشاف للعنف الديني في اليهودية والمسيحية والإسلام. وكان الخاطفون الذين هاجموا الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، كما كتب، يعتقدون أنهم يخوضون حرباً كونية. وأكد أن الولايات المتحدة بإضفائها على "الحرب على الإرهاب" البلاغة الاستقطابية الدينية ذاتها تخوض هي الأخرى حرباً كونية لا يمكن الفوز بها. ويرى أصلان أننا يجب أن نُجرّد الصراعات من مضامينها الدينية ونعالج الشكاوى الأرضية التي تكمن دائماً وراء الدافع الكوني.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والحقيقة، كما أضاف، أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر "كانت دعوة إلى حرب كانت قائمة أصلاً؛ حرب كونية تدور في ذهن الجهادي بين قوى الخير والشر منذ الأزل. وكانت دعوة قبلها كثير من الأمريكيين عن طيب خاطر." كيف تفوز في حرب كونية؟ بالامتناع عن خوضها، يختتم أصلان.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ودعماً لهذه الحجة، يستشهد بتصريحات الجنرال ويليام ج. بوييكن، نائب وكيل وزارة الدفاع سابقاً للاستخبارات، الذي كُلّف بتتبع أسامة بن لادن. وكان بوييكن يخاطب جماعة في كنيسة الراعي الصالح بساندي، أوريغون، في يونيو 2003 قائلاً: "لكن من هو عدونا؟ إنه ليس أسامة بن لادن. عدونا عدو روحي لأننا أمة من المؤمنين... والعدو الذي هاجم بلادنا عدو روحي. اسمه الشيطان. أنا محارب، ولن أتوقف أن أكون محارباً. وما جئت أفعله اليوم هو أن أجنّدكم محاربين في سبيل ملكوت الله."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وكان بوسع أصلان أن يستند كذلك إلى القصة التي كشفتها عام 2007 مجلة "Allez Savoir" الصادرة عن جامعة لوزان. ففي عام 2003، تلقّى البروفيسور توماس رومر، أستاذ اللاهوت في جامعة لوزان، اتصالاً هاتفياً من قصر الإليزيه. كان مستشارو الرئيس جاك شيراك يرغبون في معرفة المزيد عن جوج وماجوج، الاسمَين الغامضَين اللذَين استحضرهما جورج دبليو بوش في سعيه لإقناع فرنسا بالانضمام إلى الحرب على العراق. ففي الأسابيع التي سبقت التدخل، أبلغ بوش شيراك بأن "جوج وماجوج يعملان في الشرق الأوسط وأن النبوءات التوراتية تتحقق." وبعد مغادرة الإليزيه، أكد شيراك نفسه الحادثة للصحفي جان-كلود موريس، راوياً أن بوش ناشده إيمانهما المسيحي المشترك وأعلن أن هذه المواجهة جزء من مهمة مُقدَّرة إلهياً، وهو ما وصفه شيراك بعدم تصديق مكشوف لكيف يمكن لزعيم عالمي أن يحمل معتقدات بالغة السطحية والتعصب.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي حرب كهذه، مُؤطَّرة بهذه الصورة من قبل بعض القادة المؤثرين وأيديولوجييهم، يشرح أصلان أن "العدو ليس جيشاً ولا دولة، بل الشيطان بعينه. والمعركة تتعلق بالحضارة. هويتنا على المحك. لا نستطيع التفاوض. لا نستطيع الاستسلام. لا يمكننا الخسارة. ولا يمكننا الفوز." والنتيجة المنطقية التي يستنتجها هي أن الأرض على الأرجح قد مُهّدت لـ"عصر مرعب جديد من الحروب الدينية."</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خاتمة</span><span class="s2">: في مواجهة الحرب الكونية</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حين تُعتقد الحروب مُقدَّرةً إلهياً، تُصبح الدبلوماسية استرضاءً والتسوية خيانة. غير أن التقاليد الدينية الكبرى ذاتها تحمل تحذيرات صريحة من تحويل الإيمان إلى سلاح. إذ يُذكّر القرآن الكريم الإنسانية جمعاء: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13). وتُذكّرنا الآية بأن التنوع بين الحضارات أُريد به التعارف والتفاهم، لا الصراع المقدس.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ولحظات القطيعة مع هذا المنطق موجودة في السجل التاريخي. ففي يونيو 2009، خاطب الرئيس باراك أوباما العالم الإسلامي من جامعة القاهرة قائلاً: "جئت إلى هنا لأسعى إلى بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين في أنحاء العالم." وكان الخطاب ناقصاً، والسياسات التي أعقبته دون مستوى وعوده بكثير. بيد أنه أثبت أن انخراط الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي لا يستلزم أن يُصفَّى عبر الإسكاتولوجيا الأبوكاليبسية. وإسقاط ذلك الإطار الخطابي وتعويضه بخطاب الحرب اللاهوتية الموثق في هذه الورقة هو خيار سياسي، لا حتمية لا مفر منها.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود النبوءات. الخطر ينبثق حين تبدأ السلطة السياسية في الاعتقاد بأنها مُلزَمة بتحقيقها. وكما كتبنا في مقال عام 2017، وما زلنا نُؤكد خلاصته بقوة اليوم:</span></p> <p class="p2" dir="rtl"><span class="s3">"</span><span class="s1">لا</span> <span class="s1">بد</span> <span class="s1">من</span> <span class="s1">الإقرار</span> <span class="s1">بأن</span> <span class="s1">خطاب</span> <span class="s1">صراع</span> <span class="s1">الحضارات،</span> <span class="s1">المُردَّد</span> <span class="s1">باستمرار</span> <span class="s1">وإصرار</span> <span class="s1">من</span> <span class="s1">قِبَل</span> <span class="s1">بعضهم</span> <span class="s1">منذ</span> <span class="s1">نهاية</span> <span class="s1">الحرب</span> <span class="s1">الباردة،</span> <span class="s1">يبدو</span><span class="s1">أنه</span> <span class="s1">أنجز</span> <span class="s1">المهمة</span> <span class="s1">المُسندة</span> <span class="s1">إليه،</span> <span class="s1">في</span> <span class="s1">المقام</span> <span class="s1">الأول</span> <span class="s1">من</span> <span class="s1">قِبَل</span> <span class="s1">أولئك</span> <span class="s1">المستفيدين</span> <span class="s1">من</span> <span class="s1">استمرار</span> <span class="s1">الصراعات</span> <span class="s1">والمتحكمين</span> <span class="s1">في</span><span class="s1">خيوطها</span><span class="s3">. </span><span class="s1">وقد</span> <span class="s1">أفرز</span> <span class="s1">هذا</span> <span class="s1">الخطاب</span> <span class="s1">صداماً</span> <span class="s1">خطيراً</span> <span class="s1">بين</span> <span class="s1">الأصوليات</span> <span class="s1">يُحدّث</span> <span class="s1">مفاهيم</span> <span class="s1">انتقام</span> <span class="s1">الله</span> <span class="s1">والحروب</span> <span class="s1">الصليبية</span> <span class="s1">والجهاد</span><span class="s1">ويُضيف</span> <span class="s1">إليها</span> <span class="s1">مفاهيم</span> <span class="s1">جديدة</span> <span class="s1">كالإسلامو</span><span class="s3">-</span><span class="s1">فاشية</span><span class="s3">. </span><span class="s1">وفي</span> <span class="s1">خضم</span> <span class="s1">الاضطراب</span> <span class="s1">الدولي</span> <span class="s1">المتصاعد،</span> <span class="s1">لا</span> <span class="s1">ينبغي</span> <span class="s1">لأحد</span> <span class="s1">إغفال</span> <span class="s1">أن</span> <span class="s1">أكبر</span><span class="s1">خطر</span> <span class="s1">يكمن</span> <span class="s1">في</span> <span class="s1">أنه</span> <span class="s1">منذ</span> <span class="s1">نهاية</span> <span class="s1">الحرب</span> <span class="s1">العالمية</span> <span class="s1">الثانية</span> <span class="s1">دخل</span> <span class="s1">العالم</span> <span class="s1">عصر</span> <span class="s1">السلاح</span> <span class="s1">الأسمى،</span> <span class="s1">القنبلة</span> <span class="s1">الذرية</span> <span class="s1">وسائر</span> <span class="s1">أسلحة</span><span class="s1">الدمار</span> <span class="s1">الشامل،</span> <span class="s1">وأن</span> <span class="s1">المتطرفين</span> <span class="s1">في</span> <span class="s1">كل</span> <span class="s1">جانب</span> <span class="s1">يُروّجون</span> <span class="s1">بحماس</span> <span class="s1">لحرب</span> <span class="s1">كونية</span> <span class="s1">من</span> <span class="s1">أجل</span> <span class="s1">انتصار</span> <span class="s1">الخير</span> <span class="s1">على</span> <span class="s1">الشر</span><span class="s3">. </span><span class="s1">أليس</span><span class="s1">جنوناً</span> <span class="s1">الاعتقاد</span> <span class="s1">بأن</span> <span class="s1">عالمنا</span> <span class="s1">المتحضر</span> <span class="s1">عاجز</span> <span class="s1">عن</span> <span class="s1">إيجاد</span> <span class="s1">مسار</span> <span class="s1">غير</span> <span class="s1">ذاك</span> <span class="s1">المؤدي</span> <span class="s1">نحو</span> <span class="s1">التدمير</span> <span class="s1">المتبادل</span> <span class="s1">الشامل؟</span><span class="s3">"</span></p> <p class="p1"><span class="s1"> </span></p>
العالم بعد غدٍ..حرب إيران وأزمة الوهم الاستراتيجي
2026-03-11 10:07:00
<p><span style="color: #2dc26b;"><em><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></em></span></p> <h2>الحروب لا تغيّر الخرائط فقط. إنها تغيّر أيضاً الأفكار التي بُنيت عليها تلك الخرائط، والأوهام التي جعلت بناءها ممكناً.</h2> <p>عندما اندلعت الحرب على إيران، قُدّمت للرأي العام العالمي باعتبارها عملية عسكرية ضرورية لإعادة فرض الردع في الشرق الأوسط. قيل إنها حرب محدودة، محسوبة النتائج، تهدف إلى تصحيح ميزان القوى وإعادة الاستقرار إلى منطقة طالما وُصفت بأنها الأكثر اضطراباً في العالم.</p> <p>غير أن التاريخ علّمنا — مراراً وبثمن باهظ — أن الحروب الكبرى نادراً ما تكون مجرد عمليات عسكرية. فهي لحظات كاشفة تُظهر ما كان مخفياً، وتكشف حدود القوة، وتدفع الأنظمة إلى مواجهة تناقضاتها العميقة.</p> <p>ولهذا فإن الحرب على إيران — أياً كانت نتائجها الميدانية — تطرح سؤالاً أعمق من أسئلة الخرائط والحدود: هل نحن أمام نهاية نظام دولي؟ وهل ما يجري في الشرق الأوسط اليوم هو مقدمة لعالم ما بعد غدٍ؟</p> <p> </p> <h3>أولاً: وهم السيطرة — حين تكذب القوة على نفسها</h3> <p>لعقود طويلة، قامت الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط على افتراض بسيط في صياغته، عميق في نتائجه: أن التفوق العسكري كفيل بالتحكم في مسار الأحداث. كانت الفكرة واضحة: يمكن استخدام القوة لإعادة ضبط التوازنات، واحتواء الخصوم، ومنع الحروب الكبرى.</p> <p>غير أن التاريخ الحديث كشف مراراً حدود هذا التصور. ففي العراق عام 2003، انهار النظام خلال أسابيع، لكن النظام الإقليمي كله دخل مرحلة طويلة من الفوضى الاستراتيجية. وفي أفغانستان، امتلكت أقوى قوة عسكرية في العالم القدرة على إسقاط نظام، لكنها لم تستطع فرض نظام مستقر مكانه، فانسحبت بعد عشرين سنة تاركةً الأرض كما وجدتها، أو أشد اضطراباً.</p> <p>أما في حالة إيران، فالمعادلة أكثر تعقيداً.</p> <p>إيران ليست دولة هشة مثل أفغانستان، ولا دولة تعبت من حصارها مثل العراق. إنها دولة عريقة بذاكرة حضارية تمتد على مدى آلاف السنين، ولديها بنية ردع متعددة المستويات: منظومات صواريخ دقيقة تطال عمق الخليج وإسرائيل وأجزاء من أوروبا، وشبكة من الوكلاء الإقليميين توفر لها عمقاً استراتيجياً من بيروت إلى صنعاء، فضلاً عن شعب اعتاد على الضغط ولم تُفلح العقوبات الاقتصادية على مدى عقود في كسر إرادته.</p> <p>وقد كتب المفكر الواقعي الأمريكي هانز مورغنثاو في كتابه الكلاسيكي</p> <p>«السياسة بين الأمم» أن القوة وحدها لا تكفي لصنع النظام؛ فالنظام يحتاج إلى شرعية، والشرعية لا تُفرض بالقوة بل تُكتسب بالتوافق.</p> <p>وهذا بالضبط ما يغيب عن الوهم الاستراتيجي الغربي في الشرق الأوسط: التصور بأن كل مشكلة قابلة للحل العسكري، وأن الأمن يُبنى بالضربات لا بالسياسة.</p> <p> </p> <h3>ثانياً: دروس التاريخ — من السويس إلى طهران</h3> <p>ليست هذه المرة الأولى التي تكشف فيها حرب في الشرق الأوسط حدود القوة. والتاريخ يقدم لنا ثلاث لحظات مفصلية تُضيء المشهد الراهن.</p> <p>اللحظة الأولى: أزمة السويس 1956.</p> <p>عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، ردّت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعملية عسكرية مشتركة. حققت الجيوش تدخلاً سريعاً وسيطرت على القناة، لكن الضغط الدولي — وتحديداً الضغط الأمريكي والسوفيتي معاً — أجبرها على الانسحاب. وانتهت الأزمة بانتصار دبلوماسي للقاهرة رغم هزيمتها العسكرية النسبية. الدرس كان واضحاً: التفوق العسكري لا يُترجم آلياً إلى سيطرة سياسية.</p> <p>اللحظة الثانية: حرب الأيام الستة 1967.</p> <p>جاءت هذه الحرب لتشكّل لحظة مفصلية أخرى، أشد إيلاماً وأعمق أثراً. فخلال ستة أيام، انهارت الجبهات العربية أمام الجيش الإسرائيلي في واحدة من أسرع وأعمق الهزائم العسكرية في تاريخ المنطقة الحديث.</p> <p>غير أن ما يستحق التأمل اليوم ليس الهزيمة العسكرية فحسب، بل الروح التي استجابت بها الأمة لهذه الهزيمة. فقد شاركت الجزائر — التي لم يمضِ على استقلالها سوى خمس سنوات، وكانت لا تزال تلملم جراح مئة وثلاثة وثلاثين عاماً من الاستعمار — في دعم الجبهة العربية. أرسلت طائرات ووحدات عسكرية رمزية، وفتحت أجواءها وموانئها، وقدمت دعماً سياسياً ومادياً في إطار تضامن عربي نابع من قناعة وليس من مصلحة حسابية.</p> <p>كان ذلك تعبيراً عن روح مرحلة كاملة من التاريخ العربي، حين كانت الجزائر ترى في الدفاع عن القضايا العربية امتداداً طبيعياً لمعركتها الخاصة ضد الاستعمار. وكان الرئيس هواري بومدين يؤمن بأن تحرر الجزائر ناقص ما لم يكتمل بتحرر المنطقة.</p> <p>اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، تبدو خريطة التضامن مختلفة تماماً. تتحرك الدول وفق حسابات المصلحة الضيقة، وتغيب لغة الانتماء المشترك، وتبرز تحالفات جديدة لا تجمعها قيم بل مصالح عابرة. وهذا التحول في بنية التضامن هو نفسه جزء من «أزمة الوهم الاستراتيجي».</p> <p>اللحظة الثالثة: حرب لبنان 2006.</p> <p>لم تنتهِ بانتصار عسكري واضح. وقد وصف وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك أمير بيريتس ما جرى بالقول إن الحرب لم تُنجز أهدافها الكاملة. كان ذلك أول اعتراف رسمي بأن منظومة غير نظامية — حزب الله — استطاعت مقاومة جيش نظامي من أكثر الجيوش تسليحاً وتدريباً في المنطقة. وقد فتح ذلك الباب أمام قراءة جديدة لمعادلات الردع والقوة.</p> <p> </p> <h3>ثالثاً: أزمة الوهم الاستراتيجي — حين تنكسر المعادلات</h3> <p>إن ما تكشفه الحرب على إيران ليس مجرد صراع عسكري جديد في منطقة مضطربة. إنه ما يمكن تسميته: أزمة الوهم الاستراتيجي. أي الاعتقاد المتجذر بأن القوة العسكرية قادرة وحدها على التحكم في مصير منطقة بالغة التعقيد كالشرق الأوسط، وأن الإرادة السياسية يمكن فرضها بالضربات الجوية.</p> <p>وهذا الوهم له ثلاثة أبعاد متشابكة:</p> <p>البُعد الأول: الوهم التكنولوجي.</p> <p>لقد قلّصت التكنولوجيا العسكرية الجديدة — من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة الرخيصة، مروراً بالحرب الإلكترونية — الفجوة بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين. الطائرة المسيّرة التي تكلف بضعة آلاف من الدولارات قادرة على ضرب منشأة نفطية تساوي مليارات. والصاروخ البالستي المتوسط المدى بات في متناول جهات لم تكن قبل عقدين تملك حتى مدفعية متطورة. في مثل هذا العالم، لم يعد التفوق العسكري يعني السيطرة الكاملة.</p> <p>البُعد الثاني: الوهم الجغرافي.</p> <p>الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى في حدودها. حرب اليمن أشعلت الخليج. حرب سوريا أعادت تشكيل المشهد من البحر المتوسط إلى العراق. الحرب على إيران — أياً كانت حدتها — لن تبقى حرباً ثنائية. إنها ستمتد إلى الخليج ولبنان وسوريا والعراق، وربما تصل موجاتها إلى باب المندب وبحر العرب. الجغرافيا في هذا الجزء من العالم لا تسمح بالحروب المعقمة.</p> <p>البُعد الثالث: الوهم الزمني.</p> <p>الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي بالتوقيع على صك الاستسلام. إنها تتحول إلى حروب استنزاف ممتدة، تتراكم فيها التكاليف وتتآكل فيها الإرادات. أفغانستان نموذج، ولكن إيران ستكون أشد تعقيداً، لأن إيران دولة — بمؤسسات وعقيدة وشعب وذاكرة — لا مجرد تنظيم يمكن قطع رأسه.</p> <p>وقد لاحظ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في ملاحظة ظلت صالحة عبر الزمن:</p> <p>«الحضارات لا تسقط عندما يشتد ضغط الأعداء الخارجيين، بل عندما تفشل نخبها في قراءة التحولات التي تعيد رسم قواعد اللعبة. الخطر الحقيقي هو الجمود الإدراكي، وهم السيطرة الذي يُعمي عن الواقع المتحول.»</p> <p>وهذا الدرس لا ينطبق فقط على الحضارات، بل على الأنظمة الدولية والاستراتيجيات الكبرى أيضاً.</p> <p> </p> <h3>رابعاً: يقظة المنطقة — نحو استراتيجية السيادة</h3> <p>لكن الحرب كشفت أيضاً تحولاً آخر، أقل ضجيجاً لكنه أعمق دلالة.</p> <p>فبعد عقود طويلة كانت فيها قضايا الشرق الأوسط تُدار في واشنطن وموسكو ولندن وباريس، بدأت دول المنطقة نفسها تسعى إلى صياغة سياسات أكثر استقلالاً. والأمثلة لا تُعدّ:</p> <p>فالمملكة العربية السعودية التي ظلت عقوداً في كنف الحماية الأمريكية المطلقة، باتت تتحدث اليوم مع بكين وموسكو وتتفاوض على أمنها الاقتصادي بمعزل عن أجندة واشنطن. وتركيا العضو في حلف الناتو تشتري صواريخ س-400 الروسية وتبني سياسة خارجية تقوم على الغموض الاستراتيجي المحسوب. وحتى الإمارات التي كانت تُعدّ نموذجاً للحليف الوفي، باتت تُبيّض علاقاتها مع الصين دون أن تطلب إذناً.</p> <p>هذه ليست مجرد تحولات دبلوماسية تكتيكية. إنها علامات على يقظة استراتيجية عميقة: إدراك متزايد بأن الاعتماد على راعٍ خارجي وحيد يجعل الدولة رهينة لحسابات ذلك الراعي وتقلباته.</p> <p>وقد سرّعت الحرب على إيران هذه اليقظة. فكثير من دول المنطقة أدركت أن الصراع بين القوى الكبرى يمكن أن يتحول بسرعة إلى حريق يُخاض فوق أراضيها، وأن ضمانات الأمن الخارجية تتلاشى لحظة تعارضت مع المصالح الكبرى. في مثل هذا السياق، يصبح البحث عن الاستقلال الاستراتيجي ليس رفاهية سياسية، بل مسألة بقاء.</p> <p>والجزائر — بموقعها الجيوسياسي الفريد وتاريخها في عدم الانحياز — لديها ما تقوله في هذا السياق. فقد اختارت منذ استقلالها مساراً مختلفاً: الانحياز لمبادئ لا لمحاور، والبناء على ثوابت السيادة لا على حسابات الزبائنية. وهذا الموروث الاستراتيجي، الذي كثيراً ما يُوصف خطأً بالحياد، هو في الحقيقة خيار سيادي نابع من تجربة تاريخية عميقة.</p> <p> </p> <h3>خامساً: العالم بعد غدٍ — ملامح نظام قادم</h3> <p>ربما ستختفي هذه الحرب تدريجياً من عناوين الأخبار. ستعود البيانات الدبلوماسية، وستُعقد اتفاقيات وقف إطلاق النار، وسيُقال إن الردع قد عاد إلى المنطقة. لكن التاريخ لا ينسى اللحظات التي تنهار فيها الأوهام.</p> <p>فما الذي تتركه هذه الحرب خلفها؟</p> <p>تتركه أولاً: نظام دولي في طور إعادة التشكّل. النظام أحادي القطب الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي كان يقوم على قناعة بأن الهيمنة الأمريكية ستضمن الاستقرار. غير أن حروب العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، ثم الصعود الصيني، جميعها مجتمعة أفضت إلى تحوّل نحو نظام تعددي المراكز، تتنافس فيه قوى متعددة دون أن تتوافق على قواعد مشتركة للعبة.</p> <p>تتركه ثانياً: شرق أوسط يبحث عن معادلة جديدة. المنطقة التي عرفها العالم لعقود — تحكمها محاور ثابتة وتديرها هواجس الرعاة الخارجيين — بدأت تتغير بنيوياً. العلاقة السعودية-الإيرانية في طور إعادة التعريف. تركيا في طور إعادة رسم دورها الإقليمي. ودول الخليج تبحث بشكل متزايد عن ضمانات أمنها خارج الحليف الأمريكي الأوحد.</p> <p>تتركه ثالثاً: أزمة القانون الدولي. الحرب على إيران — أياً كانت مبرراتها المُعلنة — تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام ميثاق الأمم المتحدة، وحول ازدواجية المعايير التي باتت تُقوّض مصداقية المنظومة الدولية بأسرها. فإذا كان القانون الدولي لا يُطبَّق بالتساوي، فهو لم يعد قانوناً بل غطاءً للقوة.</p> <p>وفي مثل هذا العالم، يصبح الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون أكثر راهنية حين كتب:</p> <p>«السياسة الدولية هي دائماً سياسة القوة، لكن القوة دون مشروعية مصيرها الأفول. الدول التي تبني هيمنتها على القوة وحدها تبني على الرمال؛ والدول التي تبنيها على القانون والتوافق تبني على صخر.»</p> <p>وهذا الدرس هو الأهم في العالم بعد غدٍ.</p> <p> </p> <h3>خاتمة: حين يُواجه التاريخ أوهامه</h3> <p>الأهمية الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في المعارك التي خيضت خلالها، ولا في خسائر الطرفين، ولا حتى في خرائط ما بعد وقف إطلاق النار.</p> <p>إنها تكمن في الحقيقة التي كشفتها:</p> <p>أن القوة المجردة من الشرعية مآلها الأفول.</p> <p>وأن الأنظمة التي تقوم على الوهم الاستراتيجي تحمل في بنيتها بذور أزمتها.</p> <p>وأن الشرق الأوسط الذي عرفه العالم لعقود طويلة بدأ يتغير — ببطء أحياناً، وبسرعة مفاجئة أحياناً أخرى.</p> <p>وأن النظام الدولي الذي بدا ثابتاً بعد الحرب الباردة لم يعد كما كان.</p> <p> </p> <p>الحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط فقط.</p> <p>بل تغيّر الطريقة التي يرى بها العالم نفسه.</p> <p>وتغيّر الأوهام التي جعلت تلك الخرائط ممكنة.</p> <p> </p> <p>ولعل أصعب ما تفرضه لحظات التاريخ الكبرى على صانعيها هو أن يواجهوا — أخيراً — الفجوة بين ما أرادوا وما صنعوا.</p>