مسيرات أوكرانية في سماء ليبيا: ورقة جديدة في صراع قديم

2025-08-05 09:50:00

banner

<h2>طرابلس - بينما يعيش المشهد الليبي حالة من الغليان الأمني والسياسي، تكشف تقارير إعلامية ومصادر محلية عن تطور جديد قد يُغيّر موازين القوى في العاصمة طرابلس والمناطق الغربية: دخول الطائرات المسيرة الأوكرانية كأداة في يد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة.</h2> <p>&nbsp;</p> <p>بحسب ما نشره تلفزيون "المسار" مطلع يوليو، فقد تمكنت قوات تابعة لـ"قوة الردع الخاصة" بقيادة عبد الرؤوف كارة من إسقاط ثلاث طائرات استطلاع مسيّرة أوكرانية الصنع، كانت تحلّق فوق قاعدة معيتيقة الجوية. ووفقاً للتقارير، فإن هذه المسيّرات جرى تهريبها إلى ليبيا عبر وسطاء في أذربيجان، في صفقة تضمنت ست طائرات، وصل نصفها إلى الأراضي الليبية في أواخر يونيو.</p> <p>&nbsp;</p> <p>وما يزيد من إثارة الجدل هو ما كُشف لاحقاً من قيام قوات مقربة من الدبيبة بإدخال دفعة جديدة من المسيّرات عبر حدود إحدى دول الجوار الليبي بمساعدة الملحق العسكري الأوكراني في تلك الدولة وبمرافقة خبراء أوكرانيين في التشغيل والصيانة. هذه المعطيات، التي نشرها الناشط السياسي ناصر عمار، تضيف بعداً دولياً للتحرك العسكري الذي ينتهجه الدبيبة، والذي يبدو أنه يسعى من خلاله إلى تعزيز تفوقه الجوي في مواجهة خصومه المحليين، في ظل تصاعد التوترات مع ميليشيات معارضة في الزاوية وطرابلس.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>أوكرانيا في قلب النزاع الليبي؟</h3> <p>&nbsp;</p> <p>تشير بيانات صحيفة "الساعة 24"&nbsp; إلى أن المركز الأوروبي للدراسات الاستراتيجية اعتبر استخدام هذه المسيّرات تطوراً يعكس تصعيدًا خطيرًا في النزاع المسلح بالعاصمة طرابلس. وأكدت الصحيفة أن حكومة الدبيبة، وتحت إشراف مباشر، قامت بشراء طائرات مسيرة أوكرانية لاستخدامها ضد قوة الردع الخاصة. وترجِع الصحيفة المسؤولية المباشرة للمفاوضات إلى اللواء عبد السلام زوبي من الجانب الليبي، وإلى الملحق العسكري الأوكراني من الجانب الأوكراني، وهو ما يتقاطع مع تقارير أخرى تحدثت عن وجود نشاط دبلوماسي وأمني أوكراني غير معلن في عدة دول أفريقية مثل السودان ومالي.</p> <p>حيث أفادت من جهتها تقارير تم تداولها في الإعلام العربي والإفريقي أن أوكرانيا ضالعة في دعم جماعات مسلحة إرهابية وانفصالية في مناطق أخرى من القارة، بما في ذلك مالي ونيجيريا والصومال، حيث أشارت صحيفة "الميادين" نقلاً عن وسائل إعلام محلية في مالي، أن سلطات باماكو اتهمت بعض السفارات الأوكرانية في دول المغرب العربي بتسهيل تهريب الأسلحة والمقاتلين الأوكرانيين إلى شمال مالي، وتسليمهم طائرات مسيرة من طراز "مافيك". ورغم عدم وجود تأكيدات رسمية من كييف، فإن تواتر مثل هذه التقارير والاتهامات يثير تساؤلات حول طبيعة السياسات الخارجية الأوكرانية، ومدى انخراطها في صراعات غير أوروبية.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>صورة حصرية تعيد الملف إلى الواجهة</h3> <p>&nbsp;</p> <p>وفي تطور لافت، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة حصرية تُظهر حطام طائرة مسيّرة يُشتبه بأنها أوكرانية الصنع، تم إسقاطها في مدينة صبراتة خلال تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع داخل المدينة، ضمن عمليات تقودها حكومة عبد الحميد الدبيبة.</p> <p>وبينما أعلن الدبيبة أن الطائرات المستخدمة في الهجوم من طراز "بيرقدار أكانجي" التركية، فإن مصادر مطلعة كشفت أن بعض المسيّرات المستخدمة ليست تركية، بل أوكرانية، حصلت عليها الحكومة عبر صفقة سرية مررها وسطاء عبر الجزائر، بدعم غربي، وفق ما تم تداوله.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>تصعيد أمني... وتدويل محتمل</h3> <p>&nbsp;</p> <p>استخدام الطائرات المسيّرة في النزاع الليبي ليس تطوراً تقنياً فقط، بل يحمل أبعاداً أمنية خطيرة، خصوصاً إذا تحوّلت إلى أداة اغتيالات واستهدافات دقيقة داخل العاصمة. كما أن إدخال أطراف أجنبية &mdash; سواء كانوا خبراء أو جهات مصدّرة &mdash; قد يفتح الباب أمام تدويل جديد للصراع الليبي، في وقت يحاول فيه الليبيون البحث عن الاستقرار وانهاء الأزمات.</p> <p>ووسط غياب الشفافية الرسمية بشأن هذه الصفقات، يبقى المشهد ضبابياً. فهل يسعى الدبيبة بالفعل إلى توظيف المسيرات كأداة لبسط السيطرة في مواجهة خصومه؟ أم أن ما يحدث يعكس توجهاً إقليمياً أوسع لتغيير قواعد اللعبة في ليبيا باستخدام التكنولوجيا العسكرية؟</p> <p>في ظل هذه الأسئلة، يبقى الثابت الوحيد هو أن الساحة الليبية لم تخرج بعد من دائرة التصعيد، وأن دخول المسيّرات الأوكرانية على خط النزاع قد يكون مقدمة لتحولات أعمق، قد لا تتوقف عند حدود طرابلس.</p> <p>الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية: محمد صادق اسماعيل</p>

العلامات رأي

من السويس إلى طهران: الحرب على إيران وتصدّع النظام الدولي

2026-03-04 10:44:00

banner

<p>&nbsp;</p> <p><span style="color: #e03e2d;"><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></span></p> <p>&nbsp;</p> <p><em><strong>القوة العسكرية، الجغرافيا الاستراتيجية، وأزمة الشرعية في النظام العالمي</strong></em></p> <p><em><strong>حرب تكشف بنية القوة في العالم</strong></em></p> <h2>نادراً ما تسقط الإمبراطوريات في لحظة واحدة مدوية.فالتاريخ لا يعمل وفق مشاهد درامية مفاجئة، بل وفق تآكلات بطيئة تتكشف عبر سلسلة من الأزمات التي تبدو في بدايتها محدودة أو عابرة.</h2> <p>غالباً ما تبدأ نهاية الإمبراطوريات بحروبٍ تُقدَّم للرأي العام بوصفها ضرورية، أو حتمية، أو دفاعية.</p> <p>لكن هذه الحروب نفسها تتحول لاحقاً إلى لحظات كاشفة لبنية القوة التي قامت عليها تلك الإمبراطوريات.</p> <p>الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 ضد إيران قد تبدو اليوم مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، إقليماً اعتاد العالم أن يراه ساحة أزمات متكررة.</p> <p>غير أن قراءة أعمق تشير إلى احتمال مختلف: أن هذه الحرب ليست مجرد صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.</p> <p>فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإيران أو بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، بل بالبنية الكاملة للنظام العالمي الذي قام طوال ثلاثة عقود على فرضية مركزية واحدة:</p> <p>أن القوة العسكرية والاقتصادية الغربية كافية لضمان استقرار النظام الدولي.</p> <p>لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الدولية لا تسقط حين تفقد قوتها فجأة، بل حين تبدأ شرعيتها في التآكل.</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <h3>الخليج: معادلة الأمن التي كشفت الحرب حدودها</h3> <p>لأكثر من أربعين عاماً قامت منظومة الأمن في الخليج العربي على معادلة بسيطة ظاهرياً لكنها عميقة الأثر في بنية الاقتصاد العالمي:</p> <p>الطاقة مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.</p> <p>وفرت الولايات المتحدة مظلة أمنية واسعة لدول الخليج من خلال شبكة قواعد عسكرية وتحالفات دفاعية، فيما ضمنت هذه الدول استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.</p> <p>وقد شكّل هذا الترتيب أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي.</p> <p>لكن الحرب الحالية كشفت أن هذه المعادلة ليست بالصلابة التي بدت عليها لعقود.</p> <p>فالبنية التحتية التي مثلت رمز الاستقرار الاقتصادي &mdash; القواعد العسكرية، الموانئ النفطية، مراكز الطاقة &mdash; تحولت فجأة إلى نقاط تعرض استراتيجية.</p> <p>لقد أرسلت إيران رسالة جيوسياسية واضحة:</p> <p>الدول التي تستضيف أدوات القوة العسكرية الكبرى لا يمكنها في الوقت نفسه أن تدّعي الحياد في الصراعات الإقليمية.</p> <p>وهكذا تحولت شبكة الازدهار الاقتصادي في الخليج إلى شبكة أهداف محتملة في معادلة الحرب الحديثة.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح</h3> <p>في قلب هذه الأزمة يقف أحد أهم المفاصل الجغرافية في العالم المعاصر: مضيق هرمز.</p> <p>هذا الممر البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه خمسين كيلومتراً يشكل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.</p> <p>يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.</p> <p>وتتجه غالبية هذه التدفقات نحو الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية.</p> <p>في عالم يعتمد على تدفق مستمر للطاقة، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر حاسم في معادلة القوة.</p> <p>ولهذا السبب ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم عناصر الردع غير المتكافئ في العقيدة العسكرية الإيرانية.</p> <p>فالسيطرة الكاملة على المضيق ليست شرطاً لتعطيل دوره الاستراتيجي.</p> <p>يكفي خلق مستوى من التهديد وعدم الاستقرار لرفع تكاليف التأمين البحري وتعطيل جزء من حركة الملاحة.</p> <p>وفي نظام اقتصادي شديد الحساسية للطاقة، يمكن لاضطراب محدود في هذا الممر أن ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية.</p> <p>وهكذا تتحول الجغرافيا &mdash; التي غالباً ما تبدو ثابتة ومحايدة &mdash; إلى أحد أكثر أدوات القوة فعالية في السياسة الدولية.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>السويس وفيتنام: حين تكشف الحروب حدود القوة</h3> <p>التاريخ يقدم أمثلة واضحة على لحظات كشفت فيها الحروب حدود القوة الإمبراطورية.</p> <p>أزمة السويس عام 1956 بدت في بدايتها محاولة عسكرية محدودة من بريطانيا وفرنسا لاستعادة السيطرة على قناة السويس بعد تأميمها من قبل جمال عبد الناصر.</p> <p>لكن تلك الأزمة انتهت بانسحاب القوتين الاستعماريتين تحت ضغط دولي، معلنة عملياً نهاية مرحلة الهيمنة الإمبراطورية الأوروبية.</p> <p>أما حرب فيتنام فقد شكلت اختباراً مختلفاً للقوة الأمريكية خلال الحرب الباردة.</p> <p>فبالرغم من التفوق العسكري الهائل والقدرات التكنولوجية المتقدمة، لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض حل سياسي مستقر.</p> <p>في الحالتين كان الدرس واضحاً:</p> <p>القوة العسكرية قد تحسم معركة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نظام دولي مستقر.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>عالم يتغير: عودة التعددية القطبية</h3> <p>تأتي الحرب الحالية في لحظة تشهد فيها بنية النظام العالمي تحولات عميقة.</p> <p>فالصين أصبحت أكبر قوة تجارية في العالم وأكبر مستورد للطاقة، بينما أظهرت روسيا قدرة على مقاومة الضغوط الغربية رغم العقوبات الواسعة.</p> <p>وفي الوقت نفسه تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي.</p> <p>هذه التحولات تشير إلى أن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازنات القوة العالمية.</p> <p>لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي.</p> <p>بل أصبح أقرب إلى نظام متعدد المراكز، تتنافس فيه قوى كبرى وإقليمية على إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>الحضارات وشرعية القوة</h3> <p>هنا يبرز البعد الفكري الذي تنبّه إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في تحليله لدورات الحضارات.</p> <p>فالحضارات &mdash; كما يرى بن نبي &mdash; لا تنهار عندما تفقد أدوات القوة المادية، بل عندما تفقد الفكرة التي تمنح تلك القوة معناها.</p> <p>يمكن لنظام دولي أن يحتفظ بترسانة ضخمة من أدوات الهيمنة: الجيوش، والأساطيل، والهيمنة المالية، والنفوذ الإعلامي.</p> <p>لكن إذا بدأت شرعيته الفكرية والأخلاقية في التآكل، فإن قوته تتحول تدريجياً من نظام مقبول إلى هيمنة مفروضة.</p> <p>وعندما يحدث ذلك، يبدأ التصدع الحقيقي في بنية النظام.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>خاتمة: لحظة اختبار للنظام الدولي</h3> <p>نادراً ما يدرك المعاصرون أنهم يعيشون لحظة تحول تاريخي.</p> <p>الأحداث التي تعيد تشكيل العالم لا تعلن عن نفسها بوضوح عندما تبدأ.</p> <p>إنها تظهر أولاً في شكل أزمات تبدو عادية أو مؤقتة.</p> <p>الحرب ضد إيران قد تكون واحدة من تلك اللحظات.</p> <p>فهي لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه.</p> <p>السؤال لم يعد فقط من سينتصر في هذه الحرب.</p> <p>السؤال الحقيقي هو:</p> <p>هل يستطيع النظام الدولي الذي أطلق هذه الحرب أن يستمر في عالم بدأ يفقد الثقة في شرعيته؟</p> <p>&nbsp;</p>

العلامات رأي

من الجزائر 1830 إلى غزة وميناب: أزمة أخلاقية في النظام الدولي

2026-03-02 12:08:00

banner

<p><span style="color: #e03e2d;"><em><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></em></span></p> <p>&nbsp;</p> <h2>&gt; &laquo;إنّ المُستعمَر حين يكتب التاريخ، يكتبه باعتباره قصة شعبٍ سُرقت منه الحقيقة منهجيًا.&raquo; &mdash; فرانتز فانون</h2> <h3>أبسط اختبار</h3> <p>هناك اختبار بسيط لصدق أي نظام دولي:</p> <p>أن يُطبَّق المعيار الأخلاقي والقانوني نفسه على الفعل نفسه، بغضّ النظر عمّن ارتكبه.</p> <p>لو سقط صاروخ على مدرسة في واشنطن أو باريس أو لندن، وقتل طفلًا واحدًا، لكانت الكلمة فورية: إرهاب.</p> <p>لاجتمعت المجالس، وارتفعت الإدانات، وانعقدت جلسات الطوارئ.</p> <p>لكن حين تُقصف المدارس في أماكن أخرى، يتغيّر المعجم.</p> <p>"أضرار جانبية."</p> <p>"تعقيد عملياتي."</p> <p>"خلل استخباراتي."</p> <p>القانون لا يتغيّر.</p> <p>الطفل لا يتغيّر.</p> <p>الذي يتغيّر هو العَلَم.</p> <p>وهنا تظهر الهرمية.</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <h3>حين تتكيّف اللغة مع القوة</h3> <p>منذ أكتوبر 2023، تعرّضت غزة لإحدى أعنف حملات القصف في العصر الحديث. وثّقت وكالات الأمم المتحدة تدميرًا متكررًا للبنية المدنية، بما في ذلك مدارس كانت تؤوي نازحين. حذّرت اليونيسف من الأذى غير المتناسب الذي لحق بالأطفال، وأثارت منظمات حقوقية كبرى مخاوف جدية بشأن احترام مبادئ التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني.</p> <p>استهداف المدنيين &mdash; من أي طرف كان &mdash; جريمة.</p> <p>هذا مبدأ لا يقبل الانتقائية.</p> <p>حقّ الدفاع عن النفس معترف به، لكنه لا يُعلّق مبادئ التمييز أو التناسب أو الاحتياط المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف.</p> <p>في 28 فبراير 2026، استُهدفت مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب بإيران خلال عمليات عسكرية أمريكية إسرائيلية. تم التحقق من مشاهد الدمار عبر وسائل إعلام دولية. ووفق السلطات الإيرانية، قُتل ما لا يقل عن 148 شخصًا، غالبيتهم من الأطفال. وأدانت اليونسكو الهجوم بوصفه انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.</p> <p>قيل إنّ التحقيق جارٍ.</p> <p>قيل إنّ التقارير قيد التحقق.</p> <p>وقيل إنّ العملية تمثل "لحظة وضوح أخلاقي".</p> <p>وضوح أخلاقي فوق أنقاض مدرسة.</p> <p>التطبيع هو بداية التآكل.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>منهج الجزائر</h3> <p>الجزائر تعرف هذا النمط جيدًا.</p> <p>عام 1830 سُمّي الغزو "رسالة حضارية".</p> <p>سُمّيت المجازر "تهدئة".</p> <p>وخلال ثورة التحرير وُصِف المقاوم بالإرهابي.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>اللغة كانت أول احتلال.</h3> <p>تحدث مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار، لا بوصفها احتلالًا عسكريًا فقط، بل بوصفها تبنّيًا داخليًا لتعريفات المستعمِر ومعاييره.</p> <p>وقبل قرون، لاحظ ابن خلدون أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، حتى في رؤيته للعالم وأحكامه.</p> <p>من يعرّف الإرهاب؟</p> <p>من يحدّد الدفاع المشروع؟</p> <p>من يضع حدود التناسب؟</p> <p>حين تُصنَّف الأفعال ذاتها تصنيفات مختلفة بحسب موقع الفاعل الجيوسياسي، تسقط الكونية وتظهر الهرمية.</p> <p>أوضح محمد حربي أن هذا التحليل ليس حنينًا قوميًّا، بل قراءة بنيوية لآليات السلطة.</p> <p>الجزائر لا تستحضر تاريخها لتستدرّ العاطفة، بل لتقدّم منهجًا في الفهم.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>سياسة الحداد</h3> <p>يرى أشيل مبيمبي أن السيادة لا تعني فقط حق القتل، بل حق تحديد من يُحزن عليه ومن يُختزل في رقم.</p> <p>حين يموت طفل في عاصمة غربية، يصبح اسمه حدثًا، وصورته رمزًا، وذكراه طقسًا جماعيًا.</p> <p>حين يموت أطفال في غزة أو ميناب، يتحولون إلى أرقام في بيان عسكري.</p> <p>هذه ليست مصادفة، بل بنية قائمة.</p> <p>بيّن محمود ممداني كيف تُلصق صفة الإرهاب أو المقاومة وفق خطوط التحالف، لا وفق طبيعة الفعل ذاته.</p> <p>وكشف إيميه سيزير أن الخطاب الإنساني الغربي حمل في داخله استثناءً بنيويًا منذ نشأته.</p> <p>ومع ذلك، يبقى المبدأ ثابتًا:</p> <p>قتل المدنيين جريمة، مهما كان الفاعل ومهما كان الشعار.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>القانون والسلطة</h3> <p>اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي ليست شعارات، بل نصوص ملزمة.</p> <p>أوضح أنتوني أنغي أن القانون الدولي الحديث نشأ في سياق استعماري منحاز.</p> <p>وأشار محمد بجاوي إلى أن القانون يعكس ميزان القوى لحظة صياغته.</p> <p>وبيّن ب. س. تشيمني أن الانتقائية ليست خللًا عرضيًا، بل سمة بنيوية في النظام الدولي.</p> <p>الكونية لا تُعلن بالبيانات.</p> <p>الكونية تُختبر في التطبيق.</p> <p>إذا طُبّق القانون على الخصوم وأُعفي الحلفاء، تحوّل إلى أداة.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>ثمن الازدواجية</h3> <p>تطبيق القانون الإنساني ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل مسألة استقرار عالمي.</p> <p>حين تتبدّل المعايير بحسب الحليف والخصم، تتآكل الشرعية.</p> <p>القوة قد تفرض الامتثال، لكنها لا تصنع قناعة دائمة.</p> <p>أوضح بارثا تشاتيرجي أن هناك شعوبًا تُدرج نظريًا ضمن الكونية، لكنها تُستبعد عمليًا من حمايتها.</p> <p>الأنظمة لا تنهار دائمًا بانفجار.</p> <p>أحيانًا تنهار حين يسحب الناس ثقتهم.</p> <p>ذكّرنا نغوجي واثيونغو بأن من يملك تعريف الجريمة والفضيلة، يملك تعريف الوجود السياسي نفسه.</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <h3>معيار واحد&hellip; أو لا شيء</h3> <p>غزة وميناب حالتان مختلفتان في السياق، ولكل منهما تحقيقها ومسؤوليتها.</p> <p>لكن السؤال واحد:</p> <p>هل يُطبَّق القانون على الفعل، أم على الفاعل؟</p> <p>إن كان على الفعل، فالمدرسة مدرسة،</p> <p>والطفل طفل،</p> <p>والتحليل القانوني لا يتبدّل بتبدّل الراية.</p> <p>وإن كان على الفاعل، فلنعترف أن الكونية مجرد ادّعاء.</p> <p>المعايير موجودة.</p> <p>لا تحتاج إلى اختراع.</p> <p>تحتاج إلى شجاعة في التطبيق.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>تذكير أخلاقي</h3> <p>الإسلام دين واحد في جوهره، مهما اختلفت الاجتهادات وتعددت التأويلات.</p> <p>والأصل فيه واضح في حرمة الدم البريء:</p> <p>﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.</p> <p>الميزان واحد.</p> <p>والحرمة واحدة.</p> <p>والعدل لا يتجزأ.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>الانتقائية ليست اجتهادًا فقهيًا.</h3> <p>هي انحراف أخلاقي.</p> <p>وفي ميزان الحق،</p> <p>لا تُوزن الرايات،</p> <p>بل تُوزن الأرواح.</p> <p>والحرج السياسي ليس عذرًا.</p> <p>إنه &mdash; في لغة القانون &mdash; أمر غير ذي صلة.</p>

العلامات رأي