مجزرة شارع الرشيد
2024-02-23 10:00:00
<p dir="rtl">لخص بيني غانتس الحليف المجبر للائتلاف الذي يقود حكومة المستعمرة في مواجهة "العدو الفلسطيني"، لخص خطة نتنياهو لقطاع غزة، أنها لا تختلف، بل تتفق مع سياسات وإجراءات المستعمرة في الضفة الفلسطينية، وهذا يعني باختصار شمول كافة أراضي ومواقع وجغرافية فلسطين لإدارة المستعمرة، وإن اختلفت</p> <p dir="rtl">الإجراءات الإدارية بين هذه المنطقة وتلك.</p> <p dir="rtl"> </p> <p dir="rtl">ما الجديد في جريمة قوات المستعمرة ضد الشعب الفلسطيني، بشارع الرشيد في قطاع غزة؟؟ أليست<span class="Apple-converted-space"> </span>إضافة إلى مسلسل المجازر المتواصلة التي قارفها جيش الاحتلال منذ معركة 7 أكتوبر تشرين أول 2023؟؟ وهل تختلف مجزرة شارع الرشيد عن باقي المجازر سواء من حيث النتائج في عدد الشهداء، أو في كيفية الاستهداف؟؟.<span class="Apple-converted-space"> </span></p> <p dir="rtl">هدف المستعمرة بات واضحاً مقصوداً بائناً يستهدف الإنسان العربي الفلسطيني، يستهدف قتله، ترحيله ، تقليص وجوده ، فالصراع الأول هو على الديمغرافيا، على السكان، على البقاء، أو الرحيل .</p> <p dir="rtl">قادة الرأي العام العالمي من رؤساء وقادة وجمهور، من حزبيين وبرلمانيين، ليسوا عرباً، ليسوا مسلمين، بما فيهم<span class="Apple-converted-space"> </span>أصدقاء للمستعمرة، باتوا أكثر حرجاً من أفعال المستعمرة وجرائمها .</p> <p dir="rtl">ها هم جنود من الأمريكيين، يحرقون ملابسهم، إنحيازاً للقضية التي حرق الجندي الأميركي إیرون پوشال، نفسه بسببها، تعاطفاً وتضامناً مع الشعب الفلسطيني، ورفضاً للدعم الأميركي للمستعمرة الإسرائيلية ولجرائمها ضد الفلسطينيين.</p> <p dir="rtl">تصريحات أوروبية وأميركية ولاتينية، تدلل على حجم التفهم إن لم يكن تعبيرا عن التعاطف والانحياز للفلسطينين ضد جرائم المستعمرة وانتهاكاتها لحقوق الإنسان .<span class="Apple-converted-space"> </span></p> <p dir="rtl">جريمة شارع الرشيد، تضاف الى سلسلة الجرائم، لكل منها قصة وحدث وواقعة ووجع تحتاج للتأريخ، تأريخ جرائم الإسرائيليين ضد الفلسطينيين.</p> <p dir="rtl">المستعمرون الإسرائيليون، يرتكبون الجرائم والقتل والتدمير لحياة الفلسطينيين، بهدف تفريغ وطن الفلسطينيين من شعبها وأهلها وتاريخها، كما سبق وفعلوا عام 1948، واصلوا بشكل متقطع، متواصل، تراكمي، يفعلون ذلك الآن، لهدف استكمال الاستيلاء على كل فلسطين، وتصفية شعبها، أو تقليص وجودهم، ما أمكن ذلك.</p> <p dir="rtl">الفلسطينيون من جانبهم، يواصلون: 1- البقاء والصمود، 2- تقديم التضحيات، 3- النضال ومواجهة مخططات المستعمرة المكشوفة العارية بعنصريتها ونازيتها أمامهم، يُواصلون النضال لاستعادة كرامتهم وحريتهم وحقوقهم واستقلالهم، أسوة بكل الشعوب الذين واجهوا احتلالهم، وانتصروا عليه.</p> <p dir="rtl">ليس الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على حدود، على حجم، على خريطة، مناسبة أو غير مناسبة، الصراع الجوهري، هو بقاء فلسطين أو زوالها، بقاء المستعمرة أو هزيمة مشروعها الاحتلالي التوسعي الصهيوني، بدون فلسطين، بدون استحضار كلمات تُليق بالمناسبة.</p> <p dir="rtl">المستعمرة ما زالت متفوقة، لها حلفاء، وفروا لها الغطاءات المتعددة، من الدعم السياسي والعسكري والتسليحي والمالي، والتضليل الإعلامي، وحجة "الحق في الدفاع عن النفس"، وهذا يتراجع أمام وعي الشعوب الأوروبية والأميركية على حقيقتين: 1- حقيقة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، 2- حقيقة المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني.</p> <p dir="rtl">لكل فعل وخطوة ثمن، وثمن حرية فلسطين باهظ، وجرائم المستعمرة فظيعة، وجريمة شارع الرشيد، هي التقاطع بين المشروعين، بين الثمن والجريمة، بين الحرية والاحتلال.<span class="Apple-converted-space"> </span></p> <p dir="rtl">الفلسطينيون يدفعون ثمن المكسب الاستراتيجي الذي حققوه، أمام تفهم ووعي وإدراك شعوب العالم للظلم الواقع عليهم، وللعنصرية والتطرف وجرائم المستعمرة الإسرائيلية ضدهم، تلك هي الخلاصة التي تحتاج إلى الوقت، لتظهر نتائج الصراع بين الحق والباطل، بين الحرية في مواجهة الاستعمار، بين الفلسطينيين والإسرائيليين.</p> <p dir="rtl">حمادة فراعنة</p>
اليَمِينُ زَرُّوَال.. الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ أَحَداً
2026-03-29 10:37:00
<p><em><span style="color: #e03e2d;"><strong>**بقلم: لعلى بشطولة**</strong></span></em></p> <h2> </h2> <h2> مَاتَ أَمْسِ</h2> <h2>لَيْسَ كَأَيِّ مَوْتٍ.</h2> <h2>مَاتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكَ السُّلْطَةَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ. مَاتَ الَّذِي قَالَ لِأَمْرِيكَا لَا وَعَادَ إِلى بَيْتِهِ. مَاتَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ قَصْرِ المُرَادِيَّةِ بِنَفْسِ مَا دَخَلَ بِهِ: لَا شَيْءَ غَيْرَ شَرَفِهِ.</h2> <h2>مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال. وَانْتَهَى مَعَهُ جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ. لَيْسَ جِيلَ المَوَالِيدِ. بَلْ جِيلُ مَنْ يَعْرِفُونَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: وَاجِبٌ.</h2> <h2> </h2> <p> </p> <h3> في الاسْمِ وَصِيَّةٌ</h3> <p>«زَرُّوَال» —بِلُغَةِ الأَوْرَاسِ الأَمَازِيغِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَمُتْ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ— تَعْنِي: صَاحِبُ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. أَيْ مَنْ يَحْمِلُ في عَيْنَيْهِ لَوْنَ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَطِيرُ، يَبْقَى رَجُلَ الأَرْضِ وَالطِّينِ وَالجِبَالِ.</p> <p> </p> <p>وَ«اليَمِين» —بِالعَرَبِيَّةِ— هُوَ القَسَمُ، وَهُوَ اليَدُ اليُمْنَى الَّتِي يُمَدُّ بِهَا لِلْعَهْدِ، وَهُوَ الجِهَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا البَرَكَةُ.</p> <p> </p> <p>حِينَ سَمَّاهُ وَالِدَاهُ عَامَ 1941 —وَالجَزَائِرُ لَا تَزَالُ تَئِنُّ تَحْتَ الاحْتِلَالِ— لَمْ يَضَعَا لَهُ اسْماً. وَضَعَا لَهُ مَسَاراً.</p> <p> </p> <p>فَكَانَ المَسَارُ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الأَوْرَاسُ لَا يَكْذِبُ</h3> <p>وُلِدَ بِبَاتِنَةَ، فِي قَلْبِ الأَوْرَاسِ. ذَلِكَ الجَبَلُ الأَشَمُّ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَنْحَنِيَ أَمَامَ رُومَا حِينَ قَاوَمَهَا تَاكْفَارِيناسُ دَماً ومَجْداً، وَأَمَامَ الفَاتِحِينَ حِينَ تَصَدَّتْ لَهُمُ الكَاهِنَةُ بِعِزِّ المَرْأَةِ الحُرَّةِ، وَأَمَامَ فَرَنْسَا الكُبْرَى حِينَ انْبَثَقَتِ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِنُوفَمْبِرَ 1954 مِنَ الشَّعَابِ وَالوِدْيَانِ.</p> <p> </p> <p>الأَوْرَاسُ لَيْسَ جُغْرَافِيَا. هُوَ جِينٌ وِرَاثِيٌّ في رُوحِ الجَزَائِرِ.</p> <p> </p> <p>وَمَنْ تَنْبُتُ أَصَابِعُهُ في طِينِهِ، يَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَا تُعَلِّمُهُ المَدَارِسُ وَلَا تَصُوغُهُ الأَكَادِيمِيَّاتُ: الكِبْرِيَاءُ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ، وَالصَّمْتُ الَّذِي يَقُولُ أَكْثَرَ مِنَ الكَلَامِ.</p> <p> </p> <p> سِتَّةَ عَشَرَ عَاماً وَبُنْدُقِيَّةٌ</p> <p> </p> <p>في عَامِ 1957، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَجَاوَزَ السَّادِسَةَ عَشَرَةَ، الْتَحَقَ بِجَيْشِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ.</p> <p> </p> <p>طِفْلٌ. بُنْدُقِيَّةٌ أَكْبَرُ مِنْ كَتِفَيْهِ. وَجَبَلٌ أَمَامَهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَحْتَجْ أَحَداً لِيَشْرَحَ لَهُ لِمَاذَا. كَانَ كَافِياً أَنْ يَرَى أُمَّهُ تَمْشِي مُطَأْطَأَةَ الرَّأْسِ في بَلَدِهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ في جَوَازِ سَفَرِ أَبِيهِ كَلِمَةً تَقُولُ «فَرَنْسِيٌّ» وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَكْذَبُ مَا كُتِبَ في تَارِيخِ الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ.</p> <p> </p> <p>رَفَاقُهُ في الجِبَالِ سَمَّوْهُ أَسَدَ الأَوْرَاسِ. لَمْ يَرْفُضْ. لَمْ يَقْبَلْ. مَشَى إِلى الأَمَامِ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> مُوسْكُو وَبَارِيس: يَتَعَلَّمُ مِنَ العَدُوِّ وَلَا يَصِيرُهُ</h3> <p>بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ، حِينَ جَلَسَ كَثِيرُونَ يَنَامُونَ عَلَى وِسَادَةِ أَمْجَادِ الثَّوْرَةِ، ذَهَبَ زَرُّوَال إِلى القَاهِرَةِ، ثُمَّ إِلى مُوسْكُو عَامَ 1965، ثُمَّ إِلى مَدْرَسَةِ الحَرْبِ في بَارِيسَ —نَعَمْ، في بَارِيسَ، بَلَدِ المُسْتَعْمِرِ بِالأَمْسِ— لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الحَرْبِ دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الاسْتِعْمَارِ.</p> <p> </p> <p>هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ رَجُلِ دَوْلَةٍ حَقِيقِيٍّ وَمُقَلِّدٍ: الأَوَّلُ يَأْخُذُ الأَدَاةَ وَيَتْرُكُ الرُّوحَ، وَالثَّانِي يَأْخُذُ الرُّوحَ وَيَضِيعُ.</p> <p> </p> <p>عَادَ لِيَبْنِيَ. أَكَادِيمِيَّةُ شَرْشَالَ (1981)، تَمَنْرَاسَتُ (1982)، بَشَارُ (1984)، قَسَنْطِينَةُ (1987). ثُمَّ جِنِيرَالاً عَامَ 1988. ثُمَّ قَائِداً لِلْقُوَّاتِ البَرِّيَّةِ عَامَ 1989.</p> <p> </p> <p>رَجُلٌ يَبْنِي لَبِنَةً لَبِنَةً، لَا يَقْفِزُ، لَا يَتَزَاحَمُ، لَا يَنْتَظِرُ شُكْراً.</p> <p> </p> <p> «لَا أُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»</p> <p> </p> <p>في عَامِ 1990، اخْتَلَفَ مَعَ الرَّئِيسِ الشَّاذْلِي بِنْ جَدِيدَ. لَمْ يُسَاوِمْ. أَرَادُوا أَنْ يُبْعِدُوهُ بِهُدُوءٍ، فَعَيَّنُوهُ سَفِيراً في بُخَارِسْت.</p> <p> </p> <p>قَبِلَ. ذَهَبَ. ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ وَقَالَ الجُمْلَةَ الَّتِي تُكَثِّفُ رُوحَهُ كُلَّهَا:</p> <p> </p> <p>**«لَا أُرِيدُ أَنْ يَدْفَعُوا لِي رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ.»**</p> <p> </p> <p>تَوَقَّفْ. اقْرَأْهَا مَرَّةً أُخْرَى.</p> <p> </p> <p>في زَمَنٍ يَتَقَاتَلُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى مَقَاعِدِ السَّفَارَاتِ وَمَنَافِعِهَا، رَفَضَ هُوَ مَقْعَداً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ فِيهِ شَيْئاً حَقِيقِيّاً. عَادَ إِلى بَيْتِهِ في بَاتِنَةَ. وَأَغْلَقَ الأَبْوَابَ. وَظَنَّ أَنَّ المَسَارَ انْتَهَى.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَنْتَهِ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> يَنَايِرُ 1994: الوَطَنُ يَنَزِفُ وَيَسْتَدْعِيهِ</h3> <p>كَانَتِ الجَزَائِرُ تَحْتَرِقُ. لَيْسَ مَجَازاً. مِئَةُ أَلْفِ شَهِيدٍ —وَهَذَا رَقْمٌ لَا يُدْرَكُ ثِقَلُهُ إِلَّا حِينَ تَتَخَيَّلُ مَدِينَةً بِأَكْمَلِهَا مُحِيَتْ مِنَ الخَرِيطَةِ. آبَاءٌ يَدْفِنُونَ أَبْنَاءَهُمْ. أُمَّهَاتٌ لَا يَعْرِفْنَ أَيَّ يَوْمٍ سَيَكُونُ الأَخِيرَ. وَالدَّوْلَةُ في فَرَاغٍ مُؤَلِمٍ تَحْتَ ثِقَلِ أَزْمَةٍ بَدَأَتْ بِقَرَارِ وَانْتَهَتْ بِدَمٍ.</p> <p> </p> <p>أَرَادُوا رَجُلاً لِلمُرَادِيَّةِ. ذَهَبُوا لِبُوتَفْلِيقَةَ أَوَّلاً. رَفَضَ. فَعَادُوا إِلى الرَّجُلِ الصَّامِتِ في بَاتِنَةَ.</p> <p> </p> <p>وَدَوَّنَ الجِنِيرَالُ خَالِدُ نَزَّارُ في مُذَكِّرَاتِهِ —وَهِيَ وَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ في تَارِيخِنَا السِّيَاسِيِّ المَكْتُوبِ— أَنَّ زَرُّوَال كَانَ «الأَكْثَرَ ارْتِبَاكاً» في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ **«قَبِلَ، بِدَافِعِ الوَاجِبِ، أَنْ يَصِيرَ رَئِيساً لِلدَّوْلَةِ.»**</p> <p> </p> <p>لَيْسَ بِفَرَحٍ. لَيْسَ بِطَمَعٍ. بَلْ: **بِدَافِعِ الوَاجِبِ.**</p> <p> </p> <p>كَأَنَّهُ يَحْمِلُ جَبَلاً لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَحَداً غَيْرَهُ يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.</p> <p> </p> <p>في الثَّلَاثِينَ مِنْ يَنَايِرَ 1994، جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ المُرَادِيَّةِ بِلَا شَهْوَةِ السُّلْطَةِ، وَبِكَامِلِ ثِقَلِهَا فَوْقَ صَدْرِهِ.</p> <p> </p> <p> المَرْأَةُ الَّتِي صَوَّتَتْ وَهِيَ تَرْتَجِفُ</p> <p> </p> <p>«لَا تَخْرُجُوا، سَنَذْبَحُكُمْ.»</p> <p> </p> <p>هَكَذَا قَالَتِ الجَمَاعَاتُ المُسَلَّحَةُ قَبْلَ انْتِخَابَاتِ نُوفَمْبِرَ 1995.</p> <p> </p> <p>وَلَكِنَّ فَاطِمَةَ —أَوْ خَدِيجَةَ، أَوْ زَهْرَةَ، أَوْ أَيَّ اسْمٍ تَشَاءُ لِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَزَائِرِيَّةِ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ أَخَاهَا في العَشْرِيَّةِ— لَبِسَتِ الجِلْبَابَ الأَسْوَدَ صَبَاحَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَوَقَفَتْ أَمَامَ المَرْآةِ لَحْظَةً، وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ دَفَنَ حَبِيباً: «سَأَذْهَبُ.»</p> <p> </p> <p>وَذَهَبَتْ.</p> <p> </p> <p>يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حِينَ وَضَعَتِ الوَرَقَةَ في الصُّنْدُوقِ. لَمْ تَكُنْ تُصَوِّتُ لِرَجُلٍ. كَانَتْ تُصَوِّتُ ضِدَّ الذَّبْحِ. كَانَتْ تُصَوِّتُ لِحَقِّ ابْنِهَا في أَنْ يَرْقُدَ في قَبْرِهِ بِسَلَامٍ، وَلِحَقِّهَا هِيَ في أَنْ تَنَامَ لَيْلَةً وَاحِدَةً دُونَ خَوْفٍ.</p> <p> </p> <p>وَكَانَتْ مِنَ الـ 74,24% الَّذِينَ خَرَجُوا ذَلِكَ اليَوْمَ رَغْمَ التَّهْدِيدِ. وَهَذَا الرَّقْمُ —أَعْلَى نِسْبَةِ مُشَارَكَةٍ في تَارِيخِ الجَزَائِرِ المُسْتَقِلَّةِ— لَيْسَ إِحْصَاءً. هُوَ أَنِينٌ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ خَرَجَ لِيَقُولَ: نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ.</p> <p> </p> <p>فَازَ زَرُّوَال بِـ 61,34% مِنَ الأَصْوَاتِ. لَكِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ كَانَ لِفَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَزَهْرَةَ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الرَّحْمَةُ: الكَلِمَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا بِعِنَايَةٍ</h3> <p>حِينَ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ المُسَلَّحِينَ التَّائِبِينَ إِلى مُجْتَمَعَاتِهِمْ، لَمْ يُسَمِّ سِيَاسَتَهُ «العَفْوَ» القَانُونِيَّ الجَافَّ وَلَا «إِعَادَةَ الإِدْمَاجِ» البِيرُوقْرَاطِيَّةَ الَّتِي يُحِبُّهَا التُّقَنُوقْرَاطُ. سَمَّاهَا: **الرَّحْمَةُ.**</p> <p> </p> <p>وَفِي هَذَا الاخْتِيَارِ اللُّغَوِيِّ وَحْدَهُ تَنَامُ فَلْسَفَةُ رَجُلٍ بِأَكْمَلِهَا.</p> <p> </p> <p>الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ ضَعْفاً. هِيَ قُوَّةُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْبَ الَّذِي فَقَدَ مِئَةَ أَلْفِ ابْنٍ لَا يَحْتَاجُ مَزِيداً مِنَ الدَّمِ. يَحْتَاجُ إِلى أَنْ يَتَنَفَّسَ. وَآلَافُ المُسَلَّحِينَ أَلْقَوا أَسْلِحَتَهُمْ وَعَادُوا. وَالهُدْنَةُ مَعَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ لِلْإِنْقَاذِ أَرْسَتْ أُسُسَ مِيثَاقِ الوَئَامِ المَدَنِيِّ الَّذِي أَنْقَذَ مَا تَبَقَّى مِنَ البِلَادِ.</p> <p> </p> <p>الحُرُوبُ لَا تَنْتَهِي دَائِماً بِرَصَاصَةٍ أَخِيرَةٍ. أَحْيَاناً تَنْتَهِي بِكَلِمَةٍ.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3> أَمْرِيكَا تَطْرُقُ بَابَهُ</h3> <p>في دِيسَمْبِرَ 1997، جَلَسَ السَّفِيرُ الأَمْرِيكِيُّ كَامِيرُون هِيُومْ أَمَامَهُ أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً. حَاوَلَ بِكُلِّ دِبْلُومَاسِيَّةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ العُظْمَى أَنْ يُقْنِعَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ.</p> <p> </p> <p>وَحِينَ انْتَهَى اللِّقَاءُ، كَانَ زَرُّوَالُ زَرُّوَالاً. لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الاجْتِمَاعِ بِسَفِيرِ أَقْوَى دَوْلَةٍ في العَالَمِ إِلَّا فِنْجَانُ بُنٍّ أَضَافَهُ النَّادِلُ.</p> <p> </p> <p>في تَارِيخِ الجَزَائِرِ، كَثِيرُونَ مَنِ انْحَنَوا أَمَامَ أَمْرِيكَا. وَكَثِيرُونَ مَنِ ادَّعَوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْحَنُوا. أَمَّا زَرُّوَالُ فَكَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّالِثِ النَّادِرِ: مَنْ لَا يَفْكِرُ في الأَمْرِ أَصْلاً.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> لَيْلَةُ وِنْدْهُوكَ</h3> <p>سِبْتَمْبِرَ 1998. وِنْدْهُوكَ، النَّامِيبُ. ضَيْفاً عِنْدَ الرَّئِيسِ سَامْ نُوجُومَا.</p> <p> </p> <p>فِي حَدِيقَةِ الإِقَامَةِ الرَّسْمِيَّةِ، وَحِيداً تَحْتَ سَمَاءِ أَفْرِيقِيَا المَفْتُوحَةِ، رَاحَ يَمْشِي. سِيجَارَةٌ بَعْدَ سِيجَارَةٍ. اللَّيْلُ يَمْضِي. لَا أَحَدَ.</p> <p> </p> <p>لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَا الَّذِي كَانَ يَدُورُ في رَأْسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. لَكِنَّنَا نَعْرِفُ النَّتِيجَةَ.</p> <p> </p> <p>فَجْراً، في الطَّائِرَةِ الرِّئَاسِيَّةِ عَائِدَةً إِلى الجَزَائِرِ، جَمَعَ مُرَافِقِيهِ. كَانَ هَادِئاً. كَانَ جَادّاً. وَقَالَ بِالكَلِمَاتِ الَّتِي يَرْوِيهَا مَنْ سَمِعُوهَا بِحُرُوفِهَا حَتَّى هَذِهِ السَّاعَةِ:</p> <p> </p> <p>**«تَعْلَمُونَ أَنِّي أَرَدْتُ الرَّحِيلَ مُنْذُ عَامٍ. الوَقْتُ قَدْ جَاءَ. يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَ المَكَانَ لِغَيْرِنَا. سَأَرْحَلُ.»**</p> <p> </p> <p>في الحَادِي عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبِرَ 1998، أَعْلَنَ انْتِخَابَاتٍ رِئَاسِيَّةً مُسَبَّقَةً وَتَنَازَلَهُ عَنِ السُّلْطَةِ.</p> <p> </p> <p>في تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، قَلَّمَا قَالَ زَعِيمٌ طَوْعاً وَاخْتِيَاراً: **«سَأَرْحَلُ.»** قَالَهَا وَاشِنْطُونُ حِينَ رَفَضَ الوِلَايَةَ الثَّالِثَةَ فَأَسَّسَ الجُمْهُورِيَّةَ. وَقَالَهَا زَرُّوَالُ فَوْقَ أَفْرِيقِيَا في طَائِرَةٍ لَا شُهُودَ فِيهَا غَيْرُ مُعَاوِنِيهِ.</p> <p> </p> <p>الأَوَّلُ نَحَتَ تَمْثَالاً مِنَ الذَّهَبِ. وَالثَّانِي لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى صُورَةً.</p> <p> </p> <p> سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنَ الذَّهَبِ الصَّامِتِ</p> <p> </p> <p>مَضَتْ سَنَةٌ. مَضَتْ عَشْرٌ. مَضَتْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَكْتُبْ مُذَكِّرَاتٍ. لَمْ يَمْنَحْ مُقَابَلَةً. لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى شَيْءٍ. لَمْ يُؤَسِّسْ حِزْباً. لَمْ يَظْهَرْ. لَمْ يَشْكُ. لَمْ يَتَذَمَّرْ. بَيْتُهُ في بَاتِنَةَ كَمَا هُوَ. وَنَافِذَتُهُ تُطِلُّ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الَّذِي وَلَدَهُ. وَيَكْفِيهِ.</p> <p> </p> <p>في 2009، حِينَ طُولِبَ بِالتَّرَشُّحِ، قَالَ: «لَنْ أُرَشِّحَ نَفْسِي.» وَأَضَافَ —وَهَذِهِ الإِضَافَةُ وَحْدَهَا تُعَرِّفُهُ: «لَيْسَ في مَصْلَحَةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وِلَايَةٌ ثَالِثَةٌ لِأَيِّ رَئِيسٍ.» قَالَهَا بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ وَلَمْ يَخَفْ.</p> <p> </p> <p>في 2019، حِينَ قَامَ الحُرَاكُ وَحَمَلَ الشَّعْبُ لَافِتَاتِهِ في الشَّوَارِعِ، جَاءَهُ أَقْوَى رَجُلٍ في الظِّلِّ الجَزَائِرِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ قِيَادَةَ المَرْحَلَةِ. كَانَ جَوَابُهُ مَا يَجِبُ دَائِماً: **«يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ الجِيلُ الجَدِيدُ مَكَانَهُ.»**</p> <p> </p> <p>لَيْسَ تَوَاضُعاً. بَلْ حِكْمَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الزَّعَامَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ تَتْرُكَ مَكَانَكَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3> مَا قَالَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وَلَمْ يَقُلْهُ</h3> <p>كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَتِهِ الخَالِدَةِ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ وَلَا تَدُومُ إِلَّا بِالعَصَبِيَّةِ —تِلْكَ الرُّوحُ الجَمَاعِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَضَعُ مَصْلَحَةَ الجَمَاعَةِ فَوْقَ مَصْلَحَتِهِ. وَكَتَبَ أَيْضاً أَنَّ العَصَبِيَّةَ حِينَ تَنْهَارُ، يَنْهَارُ مَعَهَا كُلُّ شَيْءٍ.</p> <p> </p> <p>زَرُّوَالُ كَانَ تَجَسُّدَ العَصَبِيَّةِ في إِنْسَانٍ وَاحِدٍ. لَمْ يَقْرَأِ المُقَدِّمَةَ لِيَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ. وُلِدَ يَحْمِلُهُ في دَمِهِ وَطِينِ الأَوْرَاسِ.</p> <p> </p> <p>لَوْ عَاشَ ابْنُ خَلْدُونَ حَتَّى يَرَى هَذَا الرَّجُلَ يَقُولُ «سَأَرْحَلُ» في طَائِرَةٍ فَوْقَ أَفْرِيقِيَا، لَأَضَافَ إِلى المُقَدِّمَةِ فَصْلاً سَمَّاهُ: **«حِينَ تَتَجَسَّدُ الفَضِيلَةُ في إِنْسَانٍ.»**</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الجَبَلُ يَعُودُ إِلى الجَبَلِ</h3> <p>مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال الثَّامِنَ وَالعِشْرِينَ مِنْ مَارِسَ 2026 في مُسْتَشْفَى الجَيْشِ بِالجَزَائِرِ العَاصِمَةِ، عَنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ عَاماً. الجَيْشُ الَّذِي كَانَ هُوَ نَفْسُهُ حَجَرَهُ الأَصِيلَ.</p> <p> </p> <p>كَانَتْ حَيَاتُهُ تَتَّسِعُ لِكُلِّ مَا يَجِبُ أَنْ تَتَّسِعَ لَهُ حَيَاةُ إِنْسَانٍ: طُفُولَةٌ تَحْتَ الاحْتِلَالِ، وَشَبَابٌ في الثَّوْرَةِ، وَنُضُجٌ في البِنَاءِ، وَجِهَادٌ في سِنِيِّ الجَحِيمِ، وَشَيْخُوخَةٌ في الصَّمْتِ الكَرِيمِ.</p> <p> </p> <p>أَمَّا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاتُهُ قَطُّ: النِّفَاقُ. الطَّمَعُ. الاسْتِئْثَارُ. تَرْكُ البِلَادِ أَفْضَلَ حَالاً مِنْهُ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الجَزَائِرُ تَبْكِي لِأَنَّهَا تَعْرِفُ</h3> <p>تَبْكِي الجَزَائِرُ الْيَوْمَ. وَدُمُوعُهَا حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ في قَرَارَةِ نَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تُوَدِّعُ رَجُلاً فَقَطْ. تُوَدِّعُ مِرْآةً كَانَتْ تَرَى فِيهَا مَا تَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَهُ.</p> <p> </p> <p>وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ —لَحْظَةَ الوَدَاعِ— يَتَسَاءَلُ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ هَذَا الوَطَنَ يَوْماً: لِمَاذَا نَبْكِي عَلَى رَجُلٍ عَاشَ صَامِتاً وَرَحَلَ صَامِتاً؟</p> <p> </p> <p>لِأَنَّ الصَّمْتَ الكَرِيمَ —في بِلَادٍ كَالجَزَائِرِ وَفي زَمَنٍ كَهَذَا— أَعْلَى دَرَجَاتِ الفَصَاحَةِ. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَا يُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ —في عَالَمٍ يَتَزَاحَمُ فِيهِ الجَمِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ— هَذَا الرَّجُلُ لَا يُعَادُ.</p> <p> </p> <p>وَدَاعاً يَا صَاحِبَ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. وَدَاعاً يَا مَنِ اسْمُكَ كَانَ قَسَماً وَحَيَاتُكَ كَانَتِ الوَفَاءَ بِهِ حَتَّى النَّفَسِ الأَخِيرِ.</p> <p> </p> <p>وَدَاعاً يَا اليَمِينُ. يَا آخِرَ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكُوا السُّلْطَةَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ شَرَفِهِمْ.</p> <p> </p> <p>**رَحِمَكَ اللهُ وَأَسْكَنَكَ جَنَّةً تَلِيقُ بِمَنْ لَمْ يَرْضَ يَوْماً بِمَا دُونَ الكَرَامَةِ.**</p> <p> </p> <p>*إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ</p>
22 مارس..من رصاصة "الأب مصطفى بن بولعيد" إلى أمانة "الابن عبد الوهاب"
2026-03-23 12:37:00
<p><span style="color: #e03e2d;"><em><strong>في 22 مارس، لا يعود الزمن إلى الوراء… بل يعود الوعي إلى الواجهة."</strong></em></span></p> <p> </p> <h2>بين رصاصة الأوراس التي أطلقها الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد لانتزاع الحرية، وبين أمانة الوعي التي حملها نجله البكر الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد للحفاظ على الوطن، تتجلى حكاية الجزائر في أسمى صور الاستمرارية… وفي أقسى صور التناقض.</h2> <p> </p> <p>من نورانية الانتماء الصادق الذي يصنع الأوطان، إلى سوداوية فكرٍ ظلامي لا يرى في الوطن إلا هدفًا للانتقام، تتحدد معركة أخرى لا تقل خطورة: معركة الوعي.</p> <p> </p> <p>اليوم، لا نستحضر مجرد تاريخ، بل نستدعي مسؤولية جيل أدرك أن بناء الدولة لا يقل مسؤولية عن تحريرها، وأن الأوطان التي عُمّدت بالدم لا تُصان إلا بقلوب تجمع لا تُفرّق، وعقول تبني لا تهدم.</p> <p> </p> <h3>"بن بولعيد".. السلالة التي لا تكسرها الرصاصات...</h3> <p>ثمة تواريخ في أجندة الأمم لا تُطوى بمرور السنين، بل تزداد ثقلًا كلما اشتدت التحديات. و22 مارس ليس مجرد ذكرى، بل وقفة تأمل أمام مسارين اختصرا حكاية الجزائر: مسار الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد، ومسار نجله الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد. إنها حكاية انتقال الفكرة من جيل الثورة إلى جيل الدولة، ومن ضريبة الدم إلى أمانة الوعي.</p> <p> </p> <p> مصطفى بن بولعيد، رجلٌ لم يكتب التاريخ بالحبر، بل حفره في وجدان الجبال ببارود التحرير. في زمنه، لم تكن الجزائر واقعًا ملموسًا، بل كانت "حقًا مستلبًا" يتطلب تضحية استثنائية. رسم الشهيد معالم الطريق بدمه، مؤصلاً لقاعدة أن الأوطان لا تُهدى، بل تُنتزع من براثن المستحيل. استشهاده كان لحظة تأسيس لمشروع أكبر من الأشخاص، وأبقى معاني التضحية حيّة في تاريخ الجزائر.</p> <p> </p> <p>أما الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد، فقد ورث ما هو أشقّ من الرمزية؛ ورث ثقل الأمانة في مساره، لم يعد السؤال: "كيف نحرر الأرض؟" بل "كيف نحافظ على الرسالة؟"</p> <p> </p> <p>لقد أدرك مبكرًا أنّ بناء الدولة لا يقل مسؤولية عن هدم الاستعمار، وأنّ وحدة الصف ليست خيارًا بل ضرورة. لم يكن المرحوم "عبد الوهاب" مجرد "ابن لشهيد"، بل مشروعًا وطنيًّا قائمًا على الوعي والإخلاص، والقدرة على لمّ الشمل والجمع لا التفريق. الأوطان التي صُنعت بالتضحيات، لا تُحفظ إلا بقيم توازي تلك التضحيات.</p> <p> </p> <p>غير أنّ أخطر ما واجهته الجزائر لم يكن فقط عدوًا ظاهرًا، بل فكرًا ظلاميًا غادرًا، لا عنوان له إلا الغدر والانتقام، حتى ممن ضحّوا من أجل الوطن. لم يشفع للدكتور عبد الوهاب بن بولعيد أنّه ابن أحد أعمدة الثورة، ولا ما كان يحمله ولم تكن مكانته حاجزًا أمام يد الغدر التي استجابت لنداء الظلام.</p> <p> </p> <p>ما يجمع بين استشهاد الأب واغتيال الابن، في نفس اليوم، ليس مجرد تراجيديا عائلية، بل درس بليغ في الاستمرارية. قوة الذاكرة تكمن في فهم ما نتذكره؛ فقد جسّد الدكتور عبد الوهاب فكرة أنّ الأمانة تنتقل من جيل إلى جيل، وأنّ اغتيال الجسد لا ينهي الفكرة.</p> <p> </p> <p>في هذا اليوم، ندرك أن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات المنمقة، بل بالقدرة على تحويل الذاكرة إلى سلوك، والتاريخ إلى وعي، والتضحيات إلى التزام عملي يحصّن الوطن من كل ما قد يهدد تماسكه.</p> <p> </p> <p>تعزيز اللحمة الوطنية فوق كل اعتبار</p> <p>تغليب لغة العقل والوعي على لغة الفرقة والارتجال</p> <p>حماية الوطن من كل فكر هدام، أياً كان مصدره</p> <p>الحفاظ على وحدة الوطن واستكمال مسيرة البناء بنفس الصدق الذي صُنعت به الثورة</p> <p> </p> <p>رحم الله الشهيد مصطفى بن بولعيد، ورحم الله ابنه الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد… وستبقى ذكراهما منارة تهدي الأجيال إلى طريق السيادة والوعي.</p> <p> </p> <p>رصاصة مصطفى أهدتنا الوطن… وأمانة عبد الوهاب علمتنا كيف نصونه.</p> <p> </p> <p>في 22 مارس، لا نبكي غياب الجسد… بل نُعلن ولادة الوعي.</p> <p> </p> <p>الجزائر التي صُنعت بالتضحيات، لا تُحفظ إلا بالوعي والوفاء.</p> <p> </p> <p>المجد والخلود لشهداء الجزائر</p> <p> </p> <p> </p> <p><em><strong>بقلم: حفيدة الشهيد وابنة المرحوم عبد الوهاب</strong></em></p>