ليبيا: هل يُهدد تحالف حفتر – تركيا السلام الإقليمي؟

2025-07-20 09:21:00

banner

<h2><strong>بينما يتراجع الملف الّيبي إلى خلفية الصورة في الأولويات الجيوسياسية العالمية، يتبلور تحالف غير متوقّع بين المشير خليفة حفتر، قائد المنطقة الشرقية، وتركيا. هل هو تحالف خطير؟ الأمر يتوقّف على زاوية النظر.</strong></h2> <p>&nbsp;</p> <p>ولّت الأيام التي كانت تتدخل فيها تركيا في ليبيا للدفاع عن طرابلس ضدّ الهجمات المتكررة التي شنّها المشير حفتر وجيشه الوطني الليبي. من اتفاقيات استخباراتية، إلى آلاف الطائرات المسيّرة الحديثة، وصولًا إلى نشر المرتزقة سوريين والجنود الأتراك بين مصراتة وسرت: لم تبخل أنقرة بأيّ شيء للحفاظ على حالة الجمود (التوازن؟) في ليبيا.</p> <p>صحيح أن تركيا كسبت بالمقابل منفذًا مميّزًا إلى السوق الليبية. من المواد الأساسية إلى الأسلحة الخفيفة لميليشيات طرابلس، وحتى الاتفاقيات المثيرة للجدل بشأن الحدود البحرية، استفاد رجب طيب أردوغان كثيرًا من هشاشة حكومة طرابلس لفرض التجارة التركية داخل ليبيا. والأهم من ذلك، أنّ الزعيم التركي نجح في زرع أجندته الايديولوجيّة المبهمة في ليبيا: إسلامي&ndash;إخواني، مؤيد لقطر، حليف للولايات المتحدة، داعم لفلسطين، ولكنه لا يمانع التعامل مع الكيان الصهيوني&hellip; يبدو في النهاية أن الإيديولوجيا تنحني دائمًا أمام المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.</p> <p>في الواقع، تسير تركيا منذ فترة في الاتجاه المعاكس في الملف الليبي. مصالحها بدأت تتقاطع تدريجيًا مع مصالح أعداء الأمس &ndash; أي معسكر حفتر وحلفائه الإقليميين. البداية كانت في عام 2024، عندما أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن قرب تطبيع العلاقات مع "الجيش الوطني الليبي" لحفتر. وبعدها بفترة قصيرة، وقّع بلقاسم، نجل خليفة حفتر، عشرات العقود مع شركات تركية في إطار "صندوق إعادة إعمار ليبيا". وفي نهاية نفس العام، التقى صدام حفتر بوزير الداخلية الليبي (من الغرب) عماد الطرابلسي في إسطنبول. ثم، في مطلع 2025، استقبل رئيس أركان الجيش التركي، سلجوق بيرقدار أوغلو، وفودًا من الشرق والغرب الليبي، الواحدة تلو الأخرى.</p> <p>من المؤكد إذًا أن تركيا "تلعب على الحبلين" في ليبيا، مستفيدة من اللامبالاة الأوروبية. ومع ذلك، لم يحصل أيّ تقارب حقيقي بين طرابلس وبنغازي برعاية تركية. فباستثناء تعزيز حضورها لدى جميع الأطراف الليبية، ماذا تفعل تركيا حقًا في ليبيا؟</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong><u>التوتّر مع اليونان: الغاز، الهجرة، ومناورات تركيا الغامضة</u></strong></p> <p>&nbsp;</p> <p>في جنوب جزيرة كريت اليونانية، تتنافس شركتا إكسون موبيل وشيفرون الأمريكيتان على حقوق التنقيب عن الغاز. وتمتدّ الحقول المستهدفة حتى المياه الليبية، متقاطعة مع المناطق البحرية المتنازع عليها بين تركيا واليونان. إنها المنطقة الاقتصادية الخالصةالتي أُنشئت بموجب الاتفاق الموقّع بين طرابلس والسلطات التركية عام 2019.</p> <p>لطالما رفضت اليونان هذا الترتيب بحجّة أن حكومة فايز السراج، عند توقيع الاتفاق البحري، لم تكن حكومة شرعية. لكن اليوم، ومع الاعتراف الدولي بحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والحياد الضمني من بنغازي، يتهاوى الادعاء اليوناني. فعليًا، لم يتبقّ سوى موافقة حفتر حتى تدعم ليبيا بأكملها الطموحات التركية في شرق المتوسط.</p> <p>وبذلك، تجد السلطات اليونانية نفسها في موقف حرج. فهي ترفض السماح لشركة شيفرون بالتنقيب قبالة سواحل كريت طالما لم يُحسم ملف المنطقة الاقتصادية الخالصة. ولكن شركة شيفرون، التي كانت سابقًا طرفًا في الوساطة بين مؤسسة النفط الوطنية (التابعة لحكومة الوحدة) وشركةArkenoOil(المملوكة لعائلة حفتر)، لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.</p> <p>منذ مارس، بدأ آلاف المهاجرين القادمين من ليبيا بالوصول إلى السواحل اليونانية، و سواحل كريت بالتحديد. ففي نهاية الأسبوع الماضي وحدها، تم اعتراض أكثر من 2000 مهاجر في الجزيرة. وتأتي هذه الضغوط المفاجئة في وقت كانت فيه اليونان تحاول التوصّل إلى اتفاق أمني مع ليبيا حول مسألة الهجرة، من دون أن تفترض وجود صلة مباشرة بصفقة الغاز المعطّلة مع شيفرون.</p> <p>الحدث الأكثر رمزية وقع في 8جويلية: وفد يقوده مفوّض الهجرة للاتحاد الاوروبي، ماغنوس برونر، ووزير الخارجية اليوناني، يورغوس غيرابيتريتيس، تم منعه من مغادرة مطار بنغازي. كانوا ينوون لقاء خليفة حفتر، لكنه تجاهلهم وطردهم بشكل علني. وهو مؤشر لا يمكن تجاهله: إنه يعكس التحولات الجديدة في علاقة الجيش الوطني الليبي مع تركيا والاتحاد الأوروبي. والأهم، أن إهانة الوفد الأوروبي تؤكّد أن ملف الهجرة لا يزال أداة ضغط جيوسياسية فعالة.</p> <p>بالنسبة لتركيا، فإن المكاسب الممكنة من التحالف مع حفتر هائلة. إذ إن أنقرة قد تتمكن من فتح أسواق جديدة لمصنّعي الأسلحة الاتراك، وتوسيع نفوذها على الأراضي الليبية، من موانئ طرابلس إلى قواعد سرت وبنغازي. كما سيسمح لها ذلك بتأمين وجودها في جنوب المتوسط، الذي تراجع مع سقوط الأنظمة الإخوانيّة في مصر وتونس، بالإضافة إلى تعزيز موقعها في المفاوضات حول تدفّق الطاقة نحو أوروبا.</p> <p>وقبل كل شيء، فإن هذا التموقع سيجعل من تركيا طرفًا لا غنى عنه في أي اتفاق ليبي داخلي أو في العلاقة بين ليبيا وأوروبا. فهي ستصبح بوابة إلزامية، سواء في مسار الانتقال السياسي الليبي، أو في إدارة ملف الهجرة. ويأتي تقارب حفتر مع تركيا في وقت تعجز فيه أوروبا عن تقديم بديل فعّال في ليبيا، بعد أن أضعفتها انقساماتها بشأن أوكرانيا، وانحيازها لمحور واشنطن&ndash;تل أبيب، وخروجها المُذلّ من جميع الملفات الإفريقية. ولا بد هنا من التذكير بدور فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في تفاقم الأزمة الليبية.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong><u>إهتزاز التوازنات في ليبيا... والجزائر وروسيا تتموضعان</u></strong></p> <p>&nbsp;</p> <p>لم يصدر عن روسيا أيّ ردّ فعل علني بخصوص التقارب بين حفتر وتركيا، لكن كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ موسكو كانت مؤيّدة لهذا التقارب. فانسحاب مجموعة فاغنر من مالي، وإعادة نشر المستشارين العسكريين الروس في ليبيا، يوحيان بأنّ عملية إعادة التموقع جارية بالفعل. وفوق ذلك، من الصعب تصوّر أن يتحالف حفتر علنًا مع تركيا دون إبلاغ داعميه الروس.</p> <p>وفي المقابل، قد تحافظ روسيا على مواقعها في الحقول النفطية بشرق ليبيا، بل وقد تضمن إنشاء قاعدة بحرية دائمة في طبرق. فوفقًا لتقرير صادر عن مجمع التفكير The Soufan Center، فإنّ السفن الروسية كثّفت زياراتها لميناء طبرق العسكري الخاضع لسيطرة حفتر. ووفقًا لوكالةAgenzia Nova، تسعى موسكو إلى إنشاء قاعدة عسكرية في سبها، بدعم من حفتر، تُمكّنها من الحفاظ على توازن استراتيجي مقابل أنقرة، وأيضًا من نشر صواريخها على بُعد أقلّ من 1000 كلم من أوروبا.</p> <p>الأكثر إرباكًا هو ما يحدث في السودان: فحفتر يدعم "قوات الدعم السريع" في هجومها على الجيش السوداني منذ أشهر، وهذه القوات بدورها على صلة مباشرة بمجموعة فاغنر الروسيّة. ممّا يعني أن التحالف الموضوعي بين بنغازي وموسكو ليس غامضًا كما يبدو، ولا يتعارض &ndash; في الظاهر على الأقل &ndash; مع مصالح تركيا وطموحاتها.</p> <p>ومع ذلك، فإن كانت الحركية التركية في ليبيا تتفادى الاحتكاك المباشر مع روسيا، فإنّ الأمر يختلف مع الجزائر، الحليف الأول لموسكو في منطقة المغرب العربي. فالجزائر، التي تعلن حيادها الرسمي في الخلافات الداخلية الليبية، لا تنظر بعين الرضا إلى الوجود التركي على حدودها الشرقية، خاصة إذا ترافق مع عودة محور حفتر &ndash; مصر.</p> <p>لكن نفوذ بنغازي يتجاوز حدود ليبيا. ففي ماي الماضي، استُقبل صدام حفتر في النيجر &ndash; بحفاوة كبيرة &ndash; وذلك بعد أيام قليلة من توقيعه اتفاقيات دفاعية في أنقرة. وفي نفس الفترة، قامت بعثة تركية بتفقّد منطقتي غدامس وغات الحدوديتين مع الجزائر، بهدف إنشاء قاعدة جوية دائمة في غرب ليبيا.</p> <p>هذه التطوّرات قد تُربك مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء نيجيريا &ndash; الجزائر (NIGAL)، الذي كان يعوّل على شراكة &ndash; متعثّرة &ndash; مع شركة الغاز الروسية "غازبروم"، وعلى علاقات دبلوماسية وثيقة في النيجر وغرب ليبيا. ومن الواضح أنّ صمت الجزائر الحالي يهدف إلى الحفاظ على حسن علاقاتها مع روسيا، وتجنّب مواجهة مباشرة وغير مدروسة مع تركيا. فحدود ليبيا تمثّل أصلاً تحديًا أمنيًا واقتصاديًا محوريًا للجزائر.وفوق كل ذلك، لا شيء يضمن أن تركيا تعمل فعلاً من أجل توحيد بنغازي وطرابلس. وهذه الاخيرةتُعدّ "خطًا أحمر" للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ثم إنّ الجزائر لن تقبل أبدًا بإعادة توجيه المحور الغازي الافريقي نحو شرق المتوسط، لصالح تركيا التي تتجاوز عادة في طموحاتها قدراتها الواقعية، وحدودها أحيانا.</p> <p>وعليه، فإنّ الديناميكية التركية في ليبيا لا يمكن إلا أن تثير القلق. والخاسر الأكبر سيكون &ndash; من دون شك &ndash; أوروبا، التي سترى نفوذها الدبلوماسي ينهار نهائيًا في ليبيا لصالح أطراف لا تتقاطع مصالحهم الإستراتيجية بعيدة المدى مع مصالح القارة العجوز. شيء واحد مؤكّد: إنّ ليبيا ما بعد القذافي ما زالت تتشكّل، وكما هو الحال في أغلب الأحيان، فإنّ ملامح المرحلة القادمة يرسمها الصمت الإقليمي و تخطّها الحسابات الأجنبية.</p> <p>&nbsp;</p> <div> <p>بقلم: نزار الجليدي&nbsp; كاتب و محلل سياسي</p> </div> <div class="d-lg-flex">&nbsp;</div>

العلامات رأي

لماذا ما زالت ايران تقاتل..ولماذا قد تكون واشنطن قد اخطأت في التقدير

2026-03-05 23:01:00

banner

<p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهم النصر السريع</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">غالباً ما تبدأ الحروب بثقة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن الإمبراطوريات تسمي هذه الثقة يقيناً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <h2 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسّقة ضد إيران، تبدو وكأنها قامت تحديداً على هذا اليقين.</span></h2> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فقد صُمِّمت المرحلة الأولى لتكون حاسمة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وخلال ساعات قليلة:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">استُهدفت منشآت عسكرية رئيسية في مختلف أنحاء البلاد؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ونُفِّذت ضربات واسعة ضد بنى تحتية استراتيجية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في واشنطن وتل أبيب، اعتقد كثيرون أن ضربة "قطع الرأس" هذه قد تؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن بعد أيام قليلة فقط، لا تزال الدولة الإيرانية تعمل.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قيادتها العسكرية ما تزال قائمة، وقواتها الصاروخية ما تزال قادرة على تنفيذ ضربات ردّية في أنحاء المنطقة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذا الواقع وحده يشير إلى أن الصراع الجاري قد لا يسير وفق الجدول الزمني الذي تخيّله مهندسو الحرب.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل قد يتطور إلى شيء أكثر تعقيداً بكثير.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حرب لا يحددها عامل السرعة&hellip; بل عامل الزمن.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الخطأ الاستراتيجي في تقدير السرعة</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يكشف التاريخ العسكري الحديث عن خطأ متكرر لدى القوى الكبرى: الخلط بين التفوق العسكري والسرعة السياسية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد تكرر هذا النمط مراراً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">دخلت الولايات المتحدة:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حرب فيتنام وهي تعتقد أن القوة العسكرية الساحقة ستؤدي سريعاً إلى استقرار جنوب شرق آسيا؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وغزت العراق عام 2003 متوقعة أن يؤدي سقوط النظام إلى إعادة تشكيل المنطقة بسرعة؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتدخلت في أفغانستان على أساس أن عملية محدودة قد تقضي نهائياً على شبكات التمرد.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في كل هذه الحالات، نجحت المرحلة العسكرية الأولى.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن تحقيق الأهداف السياسية كان أصعب بكثير.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يحذر عالم السياسة جون ميرشايمر من هذا الوهم الاستراتيجي:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">&gt; &laquo;غالباً ما تبالغ القوى الكبرى في تقدير قدرتها على تغيير الأنظمة السياسية الأجنبية باستخدام القوة العسكرية.&raquo;</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">&mdash; جون ج. ميرشايمر، الوهم الكبير، جامعة ييل، 2018.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويمثل إيران تحدياً أكثر تعقيداً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبنيتها السياسية والعسكرية صُمِّمت أساساً لمواجهة الضغوط الخارجية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الثقافة الاستراتيجية الإيرانية: البقاء يعني النصر</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لفهم الرد الإيراني على هذه الحرب، يجب العودة إلى التجربة التي شكّلت الوعي الاستراتيجي الإيراني الحديث: الحرب العراقية الإيرانية (1980&ndash;1988).</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خلال ثماني سنوات، واجهت إيران:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حملات قصف واسعة؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">عزلة اقتصادية دولية؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل القوات العراقية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع ذلك، نجحت الدولة الإيرانية في البقاء.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هذه التجربة خرجت عقيدة ما تزال تؤثر في التفكير الاستراتيجي الإيراني حتى اليوم:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">القدرة على الصمود هي بحد ذاتها انتصار.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فعلى عكس القوى التوسعية التي تقيس النجاح بالسيطرة على الأراضي، ترى إيران أن النصر يكمن في الحفاظ على بقاء الدولة تحت الضغط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا المفهوم يغيّر المعادلة الاستراتيجية جذرياً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يكفيها أن تتجنب الانهيار.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كما يوضح المؤرخ الاستراتيجي لورنس فريدمان:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">&gt; &laquo;الطرف الأضعف لا يسعى عادة إلى النصر في ساحة المعركة، بل إلى إطالة أمد الصراع حتى تصبح تكلفته السياسية غير محتملة للطرف الأقوى.&raquo;</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">&mdash; لورنس فريدمان، الاستراتيجية: تاريخ، جامعة أكسفورد، 2013.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبدو أن هذا المبدأ يقف في صميم المقاربة الإيرانية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بنية الصمود</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ترجمت إيران هذه الفلسفة إلى تصميم مؤسسي واضح.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فقد طوّر الحرس الثوري الإيراني ما يعرف بعقيدة الدفاع الفسيفسائي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يقوم هذا النظام على تقسيم البلاد إلى مناطق عمليات لامركزية يمكنها العمل بشكل مستقل حتى لو تعطلت القيادة المركزية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كل منطقة تمتلك:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هياكل قيادة مستقلة؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قدرات صاروخية؛</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خططاً عملياتية جاهزة مسبقاً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الهدف الاستراتيجي واضح:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تصفية القيادة العليا لا ينبغي أن تشل النظام العسكري بأكمله.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد أظهرت عملية انتقال السلطة السريعة بعد مقتل خامنئي هذه القدرة على الصمود.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبدلاً من الانهيار، امتصت الدولة الإيرانية الصدمة واستمرت في العمل.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحرب كصراع إرادات</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وصف المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز الحرب بأنها &laquo;مبارزة بين إرادتين&raquo;.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي الصراعات غير المتكافئة، يصبح الصمود السياسي غالباً أكثر أهمية من التفوق التكنولوجي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبدو أن الرد الإيراني يعكس هذه الحقيقة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبدلاً من السعي إلى مواجهة حاسمة وفورية، تبنت طهران استراتيجية الضغط الموزع.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت عدة مواقع في المنطقة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة واحدة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والهدف يبدو واضحاً: تحويل الصراع تدريجياً إلى حرب استنزاف.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد حذر القائد العسكري الأمريكي السابق ديفيد بترايوس قائلاً:</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">&gt; &laquo;لا يمكن قتل أو اعتقال عدد كافٍ من الخصوم لإنهاء حركة مقاومة.&raquo;</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">اقتصاد الاستنزاف</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحروب لا تُخاض بالسلاح فقط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل تُخاض أيضاً بالاقتصاد والموارد.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالفارق في الكلفة بين الأنظمة الإيرانية والغربية كبير.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">طائرات شاهد المسيّرة تكلف آلاف الدولارات فقط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بينما قد تصل كلفة الصواريخ الاعتراضية إلى ملايين الدولارات.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذه المعادلة تحول الصراع إلى حرب استنزاف اقتصادية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع مرور الوقت، قد تؤثر هذه الفجوة في التكاليف على التوازن الاستراتيجي للحرب.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">مضيق هرمز: صدمة للنظام العالمي</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في قلب المعادلة الاستراتيجية يقع ممر بحري ضيق لكنه بالغ الأهمية: مضيق هرمز.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن أهمية هرمز تتجاوز الطاقة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فهو يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">إذ يربط احتياطات الطاقة في الخليج بالاقتصادات الصناعية في آسيا.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على معظم النفط الذي يمر عبره.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأي تعطيل طويل الأمد قد يتحول بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">درس تاريخي: أزمة السويس</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يقدم التاريخ مثالاً لافتاً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي أزمة السويس عام 1956 اعتقدت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أن التفوق العسكري السريع سيكفي لفرض واقع جديد في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن ما بدا انتصاراً عسكرياً تحول سريعاً إلى هزيمة استراتيجية عندما اصطدمت العملية بواقع اقتصادي ودبلوماسي دولي لم يكن في الحسبان.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لقد أثبتت تلك الأزمة أن القوة العسكرية قد تحسم المعركة، لكنها لا تحسم دائماً ميزان القوى العالمي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هل نحن أمام تحول في طبيعة الحروب؟</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي العقود الماضية، كانت الحروب الكبرى تُفهم غالباً من خلال ميزان القوة العسكرية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن الصراعات الحديثة تكشف عن معادلة مختلفة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي كثير من الأحيان لا يحسم الصراع الطرف الذي يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل الطرف الذي يستطيع إدارة الزمن الاستراتيجي للصراع.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا ما يجعل بعض الحروب تبدو في بدايتها قصيرة وحاسمة، ثم تتحول تدريجياً إلى مواجهات طويلة تغير موازين القوى الدولية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هذا المنظور، قد لا تكون الحرب الحالية مجرد صراع إقليمي، بل جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الحروب في النظام الدولي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">التقييم النهائي: حرب الزمن</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل قد تتحول إلى اختبار لصلابة النظام الدولي نفسه.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالحروب الطويلة لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تكشف أيضاً حدود الهيمنة السياسية والاقتصادية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب وهي تعتقد أن الصواريخ ستحسمها.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أما إيران فقد دخلتها وهي تعتقد أن الزمن هو الذي سيحسمها.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والتاريخ يشير إلى أن الزمن غالباً ما يكون السلاح الأكثر خطورة في الحروب الطويلة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><strong><span class="s1">بقلم: لعلى بشطولة</span></strong></p>

العلامات رأي

من السويس إلى طهران: الحرب على إيران وتصدّع النظام الدولي

2026-03-04 10:44:00

banner

<p>&nbsp;</p> <p><span style="color: #e03e2d;"><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></span></p> <p>&nbsp;</p> <p><em><strong>القوة العسكرية، الجغرافيا الاستراتيجية، وأزمة الشرعية في النظام العالمي</strong></em></p> <p><em><strong>حرب تكشف بنية القوة في العالم</strong></em></p> <h2>نادراً ما تسقط الإمبراطوريات في لحظة واحدة مدوية.فالتاريخ لا يعمل وفق مشاهد درامية مفاجئة، بل وفق تآكلات بطيئة تتكشف عبر سلسلة من الأزمات التي تبدو في بدايتها محدودة أو عابرة.</h2> <p>غالباً ما تبدأ نهاية الإمبراطوريات بحروبٍ تُقدَّم للرأي العام بوصفها ضرورية، أو حتمية، أو دفاعية.</p> <p>لكن هذه الحروب نفسها تتحول لاحقاً إلى لحظات كاشفة لبنية القوة التي قامت عليها تلك الإمبراطوريات.</p> <p>الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 ضد إيران قد تبدو اليوم مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، إقليماً اعتاد العالم أن يراه ساحة أزمات متكررة.</p> <p>غير أن قراءة أعمق تشير إلى احتمال مختلف: أن هذه الحرب ليست مجرد صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.</p> <p>فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإيران أو بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، بل بالبنية الكاملة للنظام العالمي الذي قام طوال ثلاثة عقود على فرضية مركزية واحدة:</p> <p>أن القوة العسكرية والاقتصادية الغربية كافية لضمان استقرار النظام الدولي.</p> <p>لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الدولية لا تسقط حين تفقد قوتها فجأة، بل حين تبدأ شرعيتها في التآكل.</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <h3>الخليج: معادلة الأمن التي كشفت الحرب حدودها</h3> <p>لأكثر من أربعين عاماً قامت منظومة الأمن في الخليج العربي على معادلة بسيطة ظاهرياً لكنها عميقة الأثر في بنية الاقتصاد العالمي:</p> <p>الطاقة مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.</p> <p>وفرت الولايات المتحدة مظلة أمنية واسعة لدول الخليج من خلال شبكة قواعد عسكرية وتحالفات دفاعية، فيما ضمنت هذه الدول استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.</p> <p>وقد شكّل هذا الترتيب أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي.</p> <p>لكن الحرب الحالية كشفت أن هذه المعادلة ليست بالصلابة التي بدت عليها لعقود.</p> <p>فالبنية التحتية التي مثلت رمز الاستقرار الاقتصادي &mdash; القواعد العسكرية، الموانئ النفطية، مراكز الطاقة &mdash; تحولت فجأة إلى نقاط تعرض استراتيجية.</p> <p>لقد أرسلت إيران رسالة جيوسياسية واضحة:</p> <p>الدول التي تستضيف أدوات القوة العسكرية الكبرى لا يمكنها في الوقت نفسه أن تدّعي الحياد في الصراعات الإقليمية.</p> <p>وهكذا تحولت شبكة الازدهار الاقتصادي في الخليج إلى شبكة أهداف محتملة في معادلة الحرب الحديثة.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح</h3> <p>في قلب هذه الأزمة يقف أحد أهم المفاصل الجغرافية في العالم المعاصر: مضيق هرمز.</p> <p>هذا الممر البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه خمسين كيلومتراً يشكل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.</p> <p>يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.</p> <p>وتتجه غالبية هذه التدفقات نحو الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية.</p> <p>في عالم يعتمد على تدفق مستمر للطاقة، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر حاسم في معادلة القوة.</p> <p>ولهذا السبب ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم عناصر الردع غير المتكافئ في العقيدة العسكرية الإيرانية.</p> <p>فالسيطرة الكاملة على المضيق ليست شرطاً لتعطيل دوره الاستراتيجي.</p> <p>يكفي خلق مستوى من التهديد وعدم الاستقرار لرفع تكاليف التأمين البحري وتعطيل جزء من حركة الملاحة.</p> <p>وفي نظام اقتصادي شديد الحساسية للطاقة، يمكن لاضطراب محدود في هذا الممر أن ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية.</p> <p>وهكذا تتحول الجغرافيا &mdash; التي غالباً ما تبدو ثابتة ومحايدة &mdash; إلى أحد أكثر أدوات القوة فعالية في السياسة الدولية.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>السويس وفيتنام: حين تكشف الحروب حدود القوة</h3> <p>التاريخ يقدم أمثلة واضحة على لحظات كشفت فيها الحروب حدود القوة الإمبراطورية.</p> <p>أزمة السويس عام 1956 بدت في بدايتها محاولة عسكرية محدودة من بريطانيا وفرنسا لاستعادة السيطرة على قناة السويس بعد تأميمها من قبل جمال عبد الناصر.</p> <p>لكن تلك الأزمة انتهت بانسحاب القوتين الاستعماريتين تحت ضغط دولي، معلنة عملياً نهاية مرحلة الهيمنة الإمبراطورية الأوروبية.</p> <p>أما حرب فيتنام فقد شكلت اختباراً مختلفاً للقوة الأمريكية خلال الحرب الباردة.</p> <p>فبالرغم من التفوق العسكري الهائل والقدرات التكنولوجية المتقدمة، لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض حل سياسي مستقر.</p> <p>في الحالتين كان الدرس واضحاً:</p> <p>القوة العسكرية قد تحسم معركة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نظام دولي مستقر.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>عالم يتغير: عودة التعددية القطبية</h3> <p>تأتي الحرب الحالية في لحظة تشهد فيها بنية النظام العالمي تحولات عميقة.</p> <p>فالصين أصبحت أكبر قوة تجارية في العالم وأكبر مستورد للطاقة، بينما أظهرت روسيا قدرة على مقاومة الضغوط الغربية رغم العقوبات الواسعة.</p> <p>وفي الوقت نفسه تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي.</p> <p>هذه التحولات تشير إلى أن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازنات القوة العالمية.</p> <p>لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي.</p> <p>بل أصبح أقرب إلى نظام متعدد المراكز، تتنافس فيه قوى كبرى وإقليمية على إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>الحضارات وشرعية القوة</h3> <p>هنا يبرز البعد الفكري الذي تنبّه إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في تحليله لدورات الحضارات.</p> <p>فالحضارات &mdash; كما يرى بن نبي &mdash; لا تنهار عندما تفقد أدوات القوة المادية، بل عندما تفقد الفكرة التي تمنح تلك القوة معناها.</p> <p>يمكن لنظام دولي أن يحتفظ بترسانة ضخمة من أدوات الهيمنة: الجيوش، والأساطيل، والهيمنة المالية، والنفوذ الإعلامي.</p> <p>لكن إذا بدأت شرعيته الفكرية والأخلاقية في التآكل، فإن قوته تتحول تدريجياً من نظام مقبول إلى هيمنة مفروضة.</p> <p>وعندما يحدث ذلك، يبدأ التصدع الحقيقي في بنية النظام.</p> <p>&nbsp;</p> <h3>خاتمة: لحظة اختبار للنظام الدولي</h3> <p>نادراً ما يدرك المعاصرون أنهم يعيشون لحظة تحول تاريخي.</p> <p>الأحداث التي تعيد تشكيل العالم لا تعلن عن نفسها بوضوح عندما تبدأ.</p> <p>إنها تظهر أولاً في شكل أزمات تبدو عادية أو مؤقتة.</p> <p>الحرب ضد إيران قد تكون واحدة من تلك اللحظات.</p> <p>فهي لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه.</p> <p>السؤال لم يعد فقط من سينتصر في هذه الحرب.</p> <p>السؤال الحقيقي هو:</p> <p>هل يستطيع النظام الدولي الذي أطلق هذه الحرب أن يستمر في عالم بدأ يفقد الثقة في شرعيته؟</p> <p>&nbsp;</p>

العلامات رأي