ليبيا: هل يُهدد تحالف حفتر – تركيا السلام الإقليمي؟
2025-07-20 09:21:00
<h2><strong>بينما يتراجع الملف الّيبي إلى خلفية الصورة في الأولويات الجيوسياسية العالمية، يتبلور تحالف غير متوقّع بين المشير خليفة حفتر، قائد المنطقة الشرقية، وتركيا. هل هو تحالف خطير؟ الأمر يتوقّف على زاوية النظر.</strong></h2> <p> </p> <p>ولّت الأيام التي كانت تتدخل فيها تركيا في ليبيا للدفاع عن طرابلس ضدّ الهجمات المتكررة التي شنّها المشير حفتر وجيشه الوطني الليبي. من اتفاقيات استخباراتية، إلى آلاف الطائرات المسيّرة الحديثة، وصولًا إلى نشر المرتزقة سوريين والجنود الأتراك بين مصراتة وسرت: لم تبخل أنقرة بأيّ شيء للحفاظ على حالة الجمود (التوازن؟) في ليبيا.</p> <p>صحيح أن تركيا كسبت بالمقابل منفذًا مميّزًا إلى السوق الليبية. من المواد الأساسية إلى الأسلحة الخفيفة لميليشيات طرابلس، وحتى الاتفاقيات المثيرة للجدل بشأن الحدود البحرية، استفاد رجب طيب أردوغان كثيرًا من هشاشة حكومة طرابلس لفرض التجارة التركية داخل ليبيا. والأهم من ذلك، أنّ الزعيم التركي نجح في زرع أجندته الايديولوجيّة المبهمة في ليبيا: إسلامي–إخواني، مؤيد لقطر، حليف للولايات المتحدة، داعم لفلسطين، ولكنه لا يمانع التعامل مع الكيان الصهيوني… يبدو في النهاية أن الإيديولوجيا تنحني دائمًا أمام المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.</p> <p>في الواقع، تسير تركيا منذ فترة في الاتجاه المعاكس في الملف الليبي. مصالحها بدأت تتقاطع تدريجيًا مع مصالح أعداء الأمس – أي معسكر حفتر وحلفائه الإقليميين. البداية كانت في عام 2024، عندما أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن قرب تطبيع العلاقات مع "الجيش الوطني الليبي" لحفتر. وبعدها بفترة قصيرة، وقّع بلقاسم، نجل خليفة حفتر، عشرات العقود مع شركات تركية في إطار "صندوق إعادة إعمار ليبيا". وفي نهاية نفس العام، التقى صدام حفتر بوزير الداخلية الليبي (من الغرب) عماد الطرابلسي في إسطنبول. ثم، في مطلع 2025، استقبل رئيس أركان الجيش التركي، سلجوق بيرقدار أوغلو، وفودًا من الشرق والغرب الليبي، الواحدة تلو الأخرى.</p> <p>من المؤكد إذًا أن تركيا "تلعب على الحبلين" في ليبيا، مستفيدة من اللامبالاة الأوروبية. ومع ذلك، لم يحصل أيّ تقارب حقيقي بين طرابلس وبنغازي برعاية تركية. فباستثناء تعزيز حضورها لدى جميع الأطراف الليبية، ماذا تفعل تركيا حقًا في ليبيا؟</p> <p> </p> <p><strong><u>التوتّر مع اليونان: الغاز، الهجرة، ومناورات تركيا الغامضة</u></strong></p> <p> </p> <p>في جنوب جزيرة كريت اليونانية، تتنافس شركتا إكسون موبيل وشيفرون الأمريكيتان على حقوق التنقيب عن الغاز. وتمتدّ الحقول المستهدفة حتى المياه الليبية، متقاطعة مع المناطق البحرية المتنازع عليها بين تركيا واليونان. إنها المنطقة الاقتصادية الخالصةالتي أُنشئت بموجب الاتفاق الموقّع بين طرابلس والسلطات التركية عام 2019.</p> <p>لطالما رفضت اليونان هذا الترتيب بحجّة أن حكومة فايز السراج، عند توقيع الاتفاق البحري، لم تكن حكومة شرعية. لكن اليوم، ومع الاعتراف الدولي بحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والحياد الضمني من بنغازي، يتهاوى الادعاء اليوناني. فعليًا، لم يتبقّ سوى موافقة حفتر حتى تدعم ليبيا بأكملها الطموحات التركية في شرق المتوسط.</p> <p>وبذلك، تجد السلطات اليونانية نفسها في موقف حرج. فهي ترفض السماح لشركة شيفرون بالتنقيب قبالة سواحل كريت طالما لم يُحسم ملف المنطقة الاقتصادية الخالصة. ولكن شركة شيفرون، التي كانت سابقًا طرفًا في الوساطة بين مؤسسة النفط الوطنية (التابعة لحكومة الوحدة) وشركةArkenoOil(المملوكة لعائلة حفتر)، لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.</p> <p>منذ مارس، بدأ آلاف المهاجرين القادمين من ليبيا بالوصول إلى السواحل اليونانية، و سواحل كريت بالتحديد. ففي نهاية الأسبوع الماضي وحدها، تم اعتراض أكثر من 2000 مهاجر في الجزيرة. وتأتي هذه الضغوط المفاجئة في وقت كانت فيه اليونان تحاول التوصّل إلى اتفاق أمني مع ليبيا حول مسألة الهجرة، من دون أن تفترض وجود صلة مباشرة بصفقة الغاز المعطّلة مع شيفرون.</p> <p>الحدث الأكثر رمزية وقع في 8جويلية: وفد يقوده مفوّض الهجرة للاتحاد الاوروبي، ماغنوس برونر، ووزير الخارجية اليوناني، يورغوس غيرابيتريتيس، تم منعه من مغادرة مطار بنغازي. كانوا ينوون لقاء خليفة حفتر، لكنه تجاهلهم وطردهم بشكل علني. وهو مؤشر لا يمكن تجاهله: إنه يعكس التحولات الجديدة في علاقة الجيش الوطني الليبي مع تركيا والاتحاد الأوروبي. والأهم، أن إهانة الوفد الأوروبي تؤكّد أن ملف الهجرة لا يزال أداة ضغط جيوسياسية فعالة.</p> <p>بالنسبة لتركيا، فإن المكاسب الممكنة من التحالف مع حفتر هائلة. إذ إن أنقرة قد تتمكن من فتح أسواق جديدة لمصنّعي الأسلحة الاتراك، وتوسيع نفوذها على الأراضي الليبية، من موانئ طرابلس إلى قواعد سرت وبنغازي. كما سيسمح لها ذلك بتأمين وجودها في جنوب المتوسط، الذي تراجع مع سقوط الأنظمة الإخوانيّة في مصر وتونس، بالإضافة إلى تعزيز موقعها في المفاوضات حول تدفّق الطاقة نحو أوروبا.</p> <p>وقبل كل شيء، فإن هذا التموقع سيجعل من تركيا طرفًا لا غنى عنه في أي اتفاق ليبي داخلي أو في العلاقة بين ليبيا وأوروبا. فهي ستصبح بوابة إلزامية، سواء في مسار الانتقال السياسي الليبي، أو في إدارة ملف الهجرة. ويأتي تقارب حفتر مع تركيا في وقت تعجز فيه أوروبا عن تقديم بديل فعّال في ليبيا، بعد أن أضعفتها انقساماتها بشأن أوكرانيا، وانحيازها لمحور واشنطن–تل أبيب، وخروجها المُذلّ من جميع الملفات الإفريقية. ولا بد هنا من التذكير بدور فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في تفاقم الأزمة الليبية.</p> <p> </p> <p><strong><u>إهتزاز التوازنات في ليبيا... والجزائر وروسيا تتموضعان</u></strong></p> <p> </p> <p>لم يصدر عن روسيا أيّ ردّ فعل علني بخصوص التقارب بين حفتر وتركيا، لكن كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ موسكو كانت مؤيّدة لهذا التقارب. فانسحاب مجموعة فاغنر من مالي، وإعادة نشر المستشارين العسكريين الروس في ليبيا، يوحيان بأنّ عملية إعادة التموقع جارية بالفعل. وفوق ذلك، من الصعب تصوّر أن يتحالف حفتر علنًا مع تركيا دون إبلاغ داعميه الروس.</p> <p>وفي المقابل، قد تحافظ روسيا على مواقعها في الحقول النفطية بشرق ليبيا، بل وقد تضمن إنشاء قاعدة بحرية دائمة في طبرق. فوفقًا لتقرير صادر عن مجمع التفكير The Soufan Center، فإنّ السفن الروسية كثّفت زياراتها لميناء طبرق العسكري الخاضع لسيطرة حفتر. ووفقًا لوكالةAgenzia Nova، تسعى موسكو إلى إنشاء قاعدة عسكرية في سبها، بدعم من حفتر، تُمكّنها من الحفاظ على توازن استراتيجي مقابل أنقرة، وأيضًا من نشر صواريخها على بُعد أقلّ من 1000 كلم من أوروبا.</p> <p>الأكثر إرباكًا هو ما يحدث في السودان: فحفتر يدعم "قوات الدعم السريع" في هجومها على الجيش السوداني منذ أشهر، وهذه القوات بدورها على صلة مباشرة بمجموعة فاغنر الروسيّة. ممّا يعني أن التحالف الموضوعي بين بنغازي وموسكو ليس غامضًا كما يبدو، ولا يتعارض – في الظاهر على الأقل – مع مصالح تركيا وطموحاتها.</p> <p>ومع ذلك، فإن كانت الحركية التركية في ليبيا تتفادى الاحتكاك المباشر مع روسيا، فإنّ الأمر يختلف مع الجزائر، الحليف الأول لموسكو في منطقة المغرب العربي. فالجزائر، التي تعلن حيادها الرسمي في الخلافات الداخلية الليبية، لا تنظر بعين الرضا إلى الوجود التركي على حدودها الشرقية، خاصة إذا ترافق مع عودة محور حفتر – مصر.</p> <p>لكن نفوذ بنغازي يتجاوز حدود ليبيا. ففي ماي الماضي، استُقبل صدام حفتر في النيجر – بحفاوة كبيرة – وذلك بعد أيام قليلة من توقيعه اتفاقيات دفاعية في أنقرة. وفي نفس الفترة، قامت بعثة تركية بتفقّد منطقتي غدامس وغات الحدوديتين مع الجزائر، بهدف إنشاء قاعدة جوية دائمة في غرب ليبيا.</p> <p>هذه التطوّرات قد تُربك مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء نيجيريا – الجزائر (NIGAL)، الذي كان يعوّل على شراكة – متعثّرة – مع شركة الغاز الروسية "غازبروم"، وعلى علاقات دبلوماسية وثيقة في النيجر وغرب ليبيا. ومن الواضح أنّ صمت الجزائر الحالي يهدف إلى الحفاظ على حسن علاقاتها مع روسيا، وتجنّب مواجهة مباشرة وغير مدروسة مع تركيا. فحدود ليبيا تمثّل أصلاً تحديًا أمنيًا واقتصاديًا محوريًا للجزائر.وفوق كل ذلك، لا شيء يضمن أن تركيا تعمل فعلاً من أجل توحيد بنغازي وطرابلس. وهذه الاخيرةتُعدّ "خطًا أحمر" للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ثم إنّ الجزائر لن تقبل أبدًا بإعادة توجيه المحور الغازي الافريقي نحو شرق المتوسط، لصالح تركيا التي تتجاوز عادة في طموحاتها قدراتها الواقعية، وحدودها أحيانا.</p> <p>وعليه، فإنّ الديناميكية التركية في ليبيا لا يمكن إلا أن تثير القلق. والخاسر الأكبر سيكون – من دون شك – أوروبا، التي سترى نفوذها الدبلوماسي ينهار نهائيًا في ليبيا لصالح أطراف لا تتقاطع مصالحهم الإستراتيجية بعيدة المدى مع مصالح القارة العجوز. شيء واحد مؤكّد: إنّ ليبيا ما بعد القذافي ما زالت تتشكّل، وكما هو الحال في أغلب الأحيان، فإنّ ملامح المرحلة القادمة يرسمها الصمت الإقليمي و تخطّها الحسابات الأجنبية.</p> <p> </p> <div> <p>بقلم: نزار الجليدي كاتب و محلل سياسي</p> </div> <div class="d-lg-flex"> </div>
فضيحة فساد أوكرانية تطال القارتين العجوز والسمراء معا
2025-12-21 16:56:00
<h2>لا تزال تبعات عاصفة الفساد الكبرى التي تجتاح أوكرانيا تصل إلى قلب المؤسسات الأوروبية، وتكشف المزيد عن عبث (أوكرو-أوروبي) خطير في القارة الأفريقية، مهددةً النظام السياسي في كييف ومصداقية الداعمين في بروكسل في لحظة حرجة من الحرب.</h2> <p> </p> <p><strong>تبعات الفضيحة على أوروبا</strong></p> <p>في أوكرانيا، أدت المداهمات التي نفذتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (NABU) كجزء من تحقيقها في شبكة فساد ضخمة بقطاع الطاقة تُدار من قبل رجل الأعمال تيمور مينديتش المقرب من الدوائر الرئاسية، إلى استقالة أقرب مستشاري الرئيس فولوديمير زيلينسكي، أندريه يرماك. في الوقت ذاته، هزت أوروبا قضية اعتقال الدبلوماسية البارزة فيديريكا موغيريني بشبهات فساد تتعلق بمناقصات تابعة للاتحاد الأوروبي، مما كشف عن خلل خطير في آليات الشفافية الداخلية.</p> <p>أعطت هذه التحقيقات المتزامنة ذريعة للقوى الدولية لإعادة تقييم دعمها. ففي الولايات المتحدة، استغلت إدارة ترامب الوضع للضغط من أجل تحميل الحلفاء الأوروبيين العبء المالي الأكبر للحرب، بينما بدأت أصوات داخل البرلمان الأوروبي، مثل النائب النمساوي رومان حيدر، تدعو إلى تعليق المساعدات المالية لأوكرانيا رغم استمرار دول مثل إيرلندا في زيادة التمويل العسكري والإنساني. كما برزت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، القوية النفوذ، كلاعب سياسي مركزي، حيث يرى محللون أن تحقيقاتها قد تعيد رسم موازين النفوذ بين واشنطن وبروكسل على الساحة الأوكرانية.</p> <p>في مواجهة هذه العاصفة، يسعى الرئيس زيلينسكي إلى احتواء التداعيات داخلياً وخارجياً. فهو يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة من بعض النواب المطالبين باستقالته، وتوقعات بتوسيع نطاق التحقيقات ليشمل قطاعات حساسة أخرى مثل وزارة الدفاع. كما يحاول زيلينسكي طمأنة شركائه الدوليين، مدعياً أن معلومات "مشوهة" يتم تداولها. في الوقت نفسه، تُشير تقارير متداولة إلى عودة رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني السابق، أندريه يرماك، تدريجياً إلى دائرة اتصال الرئيس فولوديمير زيلينسكي بعد أسابيع قليلة فقط على استقالته. حيث بدأت أدلة وشهادات تظهر عن عودته الخفية. فقد أكد النائب أليكسي غونتشارينكو على استئناف الاتصال بين الرجلين، مشيراً إلى أن يرماك "بدأ تدريجياً في استعادة" نفوذه السابق، ويتم رؤيته بشكل شبه يومي عند مداخل مقر إقامة الرئيس.</p> <p>وتُفسر هذه الخطوة في سياقها السياسي الداخلي المتأزم بأن رحيل يرماك المفاجئ خلق فراغاً في السلطة، فهو كان الرجل الثاني في نظام الرئاسة والقناة الرئيسية لتنفيذ إرادة زيلينسكي. وبالتالي، فإن الحديث عن عودة نفوذه لا يعكس مجرد تقلبات شخصية، بل هو مؤشر على المعضلة الكبرى التي يواجهها زيلينسكي في محاولة إعادة ترتيب أوراقه الداخلية مع الاحتفاظ بالسيطرة على المفاوضات الخارجية الحساسة، وسط حرب مستمرة وعاصفة فساد لم تنتهِ تبعاتها بعد. كما أنه وبنظر المراقبين، هناك إحتمال كبير بتورط زيلينسكي حقًا في مخطط الفساد هذا والدليل هو خط الاتصال المستمر مع يرماك.</p> <p>كشف الفضيحة لدور أوروبي خفي في أفريقيا</p> <p>بالنسبة للجهود الأوكرانية في توسيع علاقاتها مع دول القارة الأفريقية فإنها بدأت تواجه إشكالية مُعقدة. ففي الوقت الذي تهدف فيه إلى كسب التعاطف الدبلوماسي في مواجهة الحرب مع روسيا، تتزايد الاتهامات الموجهة إليها بدعم جماعات مسلحة في القارة الأفريقية، مما يضعها في مواجهة مع بعض الحكومات الأفريقية كما سبق وأن حصل عندما قطعت مالي علاقاتها مع كييف في أغسطس من العام الجاري بعد تصريحات لمسؤول أوكراني حول تزويد مسلحين في مالي بمعلومات وأسلحة، في وقت استدعت السنغال السفير الأوكراني احتجاجاً على ما اعتبرته دعماً لأنشطة إرهابية على حدودها.</p> <p>بينما فضيحة الفساد الكبرى الأخيرة قد لعبت دوراً سلبياً في صورة أوكرانيا التي تحاول تسويقها للأفارقة، كما فتحت الباب على تحركات خفية كانت تقوم بها مع الأوروبيين ضد بعض الدول. حيث أفادت مصادر في الأشهر الأخيرة بوجود تعاون سري بين أجهزة المخابرات الأوكرانية ودوائر النفوذ الفرنسية بهدف زعزعة استقرار تشاد. ويجري هذا التنسيق من الأراضي الليبية، ويشمل جماعات متمردة تشادية وتشكيلات مسلحة حول بحيرة تشاد. ففرنسا من جهتها، تسعى إلى الحفاظ على مصالحها بعد انسحاب قواتها، بينما تسعى أوكرانيا إلى الحصول على دعم عسكري ودبلوماسي، فضلاً عن أسواق الأسلحة. وتلعب منظمة "بروميداسيون" دورًا محوريًا في إضفاء الشرعية على المتمردين. ويعمل هذا التحالف على تعزيز القدرات العسكرية للمجلس القيادي العسكري للانقاذ، وتسهيل توحيده مع جماعات أخرى، وتوسيع نفوذه في المنطقة، مما يهدد استقرار تشاد.</p> <p>وسبق وأن إتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، النظام في أوكرانيا ببيع أسلحة وذخائر غربية للجماعات الإرهابية في منطقة الصحراء والساحل الأفريقي. وأفادت بأن قوات الأمن التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، بوساطة بريطانية، أقامت تعاونًا مع أوكرانيا، لتقوم الأخيرة بتزويدهم بطائرات مسيّرة وإجراء دورات تدريبية لهم. كما أضافت بأن مرتزقة كولومبيون وأوكرانيون يقاتلون إلى جانب "المتمردين" في السودان قد تكبدوا خسائر فادحة في المعارك الدائرة غرب البلاد.</p> <p>تصريحات زاخاروفا أكدتها وثائق انتشرت في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام تُظهر الأنشطة الإجرامية المرتبطة ببيع القوات المسلحة الأوكرانية لكميات هائلة من الأسلحة والذخائر الغربية بشكل غير مشروع للجماعات الإرهابية في بوركينا فاسو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، والنيجر، والسودان، والصومال، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد. كما أكدت مصادر أن عمليات سرقة الأسلحة التي تم تزويد كييف بها من قبل الغرب، تحدث أثناء نقلها إلى القوات وعلى خطوط المواجهة، في حين أنها تُسجل على أنها خسائر قتالية.</p> <p>إنكار أوكراني</p> <p>في مواجهة هذه الحملة، تتبنى أوكرانيا استراتيجية واضحة؛ فهي من ناحية تصف الاتهامات بأنها جزء من "حملة تضليل روسية" تهدف إلى عزل أوكرانيا دولياً وتقويض مكانتها في القارات التي تسعى موسكو لتعزيز نفوذها فيها، ومن ناحية أخرى تحاول تقديم روايتها مباشرة للحكومات الأفريقية، والتي تصف الدور الروسي كمؤجج للنزاعات عبر تدخلات عسكرية مباشرة أو عبر توظيف مجموعات مرتزقة، في محاولة لتصوير موسكو كقوة استغلالية تهدد السيادة الأفريقية.</p> <p>إلا أنه وبنظر المراقبين، ينبغي أن تدفع هذه المؤشرات الأخيرة الدول الأفريقية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع كييف وعدم التسرع في تطوير العلاقات تجاه المزيد من التعاون. كما يجدر التحقيق في الإتهامات الموجهة لأوكرانيا والدول الأوروبية المرتبطة معها بدعم الإرهاب في أفريقيا، ومحاسبة المتورطين مهما علا شأنهم وكبرت مراكزهم، خصوصاً في ضوء تأكيد النخب الأفريقية على مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية" كخيار استراتيجي لتجنب الانجرار إلى استقطابات القوى الدولية، وهو ما سبق وأن حذر منه قادة القارة باعتباره تهديداً للأمن القاري.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>الكاتب عبدالرحيم التاجوري: الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية</strong></p>
المحكمة الجنائية الدولية والغرب
2025-12-16 14:18:00
<h2>أُنشئت محكمة الجنايات الدولية لهدف نبيل يتمثل في مقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، لكنها تواجه انتقادات منذ إنشائها بسبب تركيزها على قادة الجنوب العالمي وخاصة أفريقيا. ومع تجاهلها للجرائم التي تنتهكها الدول الغربية، أثيرت تساؤلات حول إذا ما كانت المحكمة أداة لتحقيق العدالة العالمية، أم وسيلة للتدخل السياسي وتحقيق النفوذ الغربي فقط.</h2> <p>ومنذ أن تم الإعلان عن تأسيسها عام 2002، قامت المحكمة بإجراء تحقيقات ومحاكمات بارزة، أشهرها كانت ضد شخصيات وقيادات من دول أفريقية، مثل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا. وفي الوقت الذي تقوم فيه المحكمة بملاحقة الشخصيات الأفريقية، تتجاهل عديداً من قادة الدول الغربية التي ارتكبت أفعالاً مماثلة أو أكثر خطورة في مناطق شاسعة من العالم، وأدى هذا التحيز الواضح والمعايير المزدوجة إلى تعزيز الاتهامات التي تقول إن المحكمة أصبحت أداة استعمارية جديدة هدفها تعزيز الهيمنة الغربية على الدول الأفريقية، بدلاً من إرساء العدالة النزيهة للجميع دون تمييز.</p> <p>وفي ظل هذه الازدواجية، هددت دول مثل جنوب أفريقيا وبوروندي بالانسحاب، وهو الأمر الذي طالب به الاتحاد الأفريقي عام 2017، ومع تزايد الحديث عن تجاهل المحكمة للجرائم الغربية في سوريا وأفغانستان وليبيا، قررت المحكمة عام 2022 إجراء تحقيق عن جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبتها القوات الأميركية في أفغانستان، لكنها تراجعت بعد ضغوط وتهديد بالعقوبات على مسؤوليها من قبل واشنطن، وقد أدى هذا التراجع إلى تعزيز التصور القائل بأن المحكمة ضعيفة أمام الدول القوية ولا تستطيع مواجهتها كما تفعل مع الدول الأفريقية.</p> <p> </p> <p><strong>التهديد الأمريكي المباشر.. النموذج الأجلى لاستغلال المحكمة</strong></p> <p> </p> <p>تأتي التطورات الأخيرة لتؤكد هذه الصورة بشكل صارخ، حيث تتحول التهديدات الضمنية إلى شروط علنية ومباشرة، فقد هددت الحكومة الأمريكية بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في لاهاي إذا فشلت في تعديل قوانينها لضمان عدم محاكمة الرئيس دونالد ترامب أبدًا، تريد إدارة ترامب من المحكمة تعديل نظام روما الأساسي، وثيقتها التأسيسية، لإيقاف التحقيق مع الرئيس وكبار مسؤوليه في نهاية ولايته، كما تطالب الإدارة بوقف التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة إسرائيليين آخرين بشأن حرب غزة، وكذلك وقف التحقيق في أفعال القوات الأمريكية في أفغانستان.</p> <p>هذه المطالب الصريحة، التي تقدم بهدف حماية حكومتي البلدين من التحقيق في جرائم حرب، ليست سوى دليل ملموس على أن المحكمة فقدت معناها الأساسي كمنظمة دولية مستقلة، فبدلاً من أن تكون ملاذًا للضحايا وردعًا للمجرمين بغض النظر عن جنسيتهم أو قوتهم، أصبحت كيانًا يُفرض عليه الشروط ويُهدد بالعقوبات إذا تجرأ على الاقتراب من "المحظور"، أي محاسبة القادة الغربيين وحلفائهم، التهديد بتوسيع العقوبات ليشمل المحكمة ككيان، وطلب تعديل المعاهدة التأسيسية نفسها لتجريد المحكمة من ولايتها القضائية على الأمريكيين والإسرائيليين، هو إعلان صريح بأن هذه المحكمة يجب أن تعمل ضمن الحدود المرسومة لها من قبل القوى العظمى، وإلا فسوف تُعاقب، إنها قصة جديدة ترويها واشنطن بوضوح، المحكمة الجنائية الدولية مسموح لها بالعمل حيث نريد، وضد من نريد، وعليها أن تتجاهل ما نأمرها بتجاهله، هذه ليست عدالة دولية، هذه أداة سياسية بيد الغرب، تُستخدم عند الحاجة وتُحبس عند الضرورة.</p> <p> </p> <p><strong>بدائل أفريقية</strong></p> <p>ومن جهته قال الخبير القانوني الدكتور حامد عارف ،إن ما حدث يؤكد أن أزمة المصداقية التي تعاني منها المحكمة الجنائية الدولية هي أزمة هيكلية وجوهرية، ولقد وصل الأمر إلى حد تلقّي المحكمة أوامر مباشرة بتعديل دستورها نفسه لخدمة مصالح سياسية ضيقة، هذا يعزز الحاجة الملحة لدى الدول الأفريقية، التي شكلت الضحية التاريخية لهذا التحيز، للبحث عن بديل حقيقي يحقق العدالة ويحترم سيادتها، اقتراح إنشاء محكمة جنائية إقليمية أفريقية ليس رد فعل عاطفياً، بل هو ضرورة استراتيجية.</p> <p>ويضيف عارف اننا نشهد بالفعل بذور هذا التوجه، فاجتماع وزراء عدل دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر) الذي أقيم في نيامي في شهر سبتمبر العام الحالي، لمناقشة الانسحاب المنسق من المحكمة الجنائية الدولية والعمل على إنشاء 'محكمة الساحل لجهود الإنسان' كمؤسسة إقليمية بديلة تُعنى بالجرائم الدولية والجريمة المنظمة والإرهاب، هو نموذج عملي يجب أن تتبناه القارة ككل.</p> <p>وأكمل، بالطبع، التحديات كبيرة، ويجب أن يكون الهدف إنشاء مؤسسة قضائية مستقلة ونزيهة حقاً، وليس مجرد ملاذ للقادة من المحاسبة، لكن النقد الذي أطلقه رئيس وزراء النيجر المؤقت للمحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنها 'أداة قمع تخدم القوى الإمبريالية'، يعكس إحباطاً عميقاً وجماعياً، الاتحاد الأفريقي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحويل مشاعر الإحباط هذه إلى مشروع مؤسسي قاري قادر على سد الفراغ الذي خلقته ازدواجية المعايير في لاهاي.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>الكاتب الدكتور محمد صادق: كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية</strong></p>