خطوط الأنابيب والقوة والصحراء..الجزائر والنيجر وإعادة تثبيت المحور الساحلي بهدوء

2026-02-18 19:00:00

banner

<p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بقلم: لعلى بشطولة</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">نادراً ما تُعلن التحولات الكبرى عن نفسها بضجيج. فهي تبدأ غالباً بهدوء، عبر قنوات تُعاد فتحها، وممرات تُستعاد، ودولٍ تختار التنسيق بدل التباعد. الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية النيجر إلى الجزائر تندرج ضمن هذا النوع من اللحظات التي لا تتضح أهميتها إلا مع مرور الزمن. فما يبدو على السطح مجرد عودةٍ للعلاقات الدبلوماسية، هو في العمق جزء من إعادة ضبطٍ أوسع: إعادة تفعيل محورٍ شمال&ndash;جنوب قادر على إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لشمال إفريقيا والساحل، في لحظةٍ يُعاد فيها تشكيل النظام الدولي نفسه.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يتجه النظام الدولي اليوم بعيداً عن الهرمية الصارمة نحو تعدديةٍ قطبية أكثر انتشاراً. فالولايات المتحدة لا تزال قوة مركزية، لكنها باتت موزعة على مسارح متعددة. الصين توسّع حضورها الاقتصادي في إفريقيا مع تجنّب الانخراط الأمني المباشر على نطاق واسع. روسيا أعادت تموضعها بشكل انتقائي. دول الخليج تستثمر بقوة في الموانئ واللوجستيك والبنية المعدنية. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أما أوروبا فتبحث عن استقرارٍ طاقوي في ظل هشاشة سلاسل الإمداد التي كشفتها السنوات الأخيرة. لم يعد النفوذ متركزاً في مركزٍ واحد، بل يتوزع عبر الشبكات والبنى التحتية والممرات. وفي مثل هذا السياق، تعود الجغرافيا لتصبح قدراً سياسياً. وقليل من الدول تملك ما تملكه الجزائر من موقع يسمح لها بتحويل الجغرافيا إلى رافعة نفوذ.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تمتد الجزائر من المتوسط إلى عمق الصحراء، وتربط بين أسواق الطاقة الأوروبية والساحل وغرب إفريقيا. تحدّها مالي والنيجر وليبيا، وهي دول يؤثر استقرارها مباشرة على استقرارها الداخلي. وتُعد الجزائر أحد أبرز مزودي أوروبا بالغاز، كما تتمتع بتقليد دبلوماسي قائم على الاستقلالية والوساطة. هذه العناصر لا تصنع القيادة تلقائياً، لكنها تهيّئ شروط بنائها إذا ما دعمتها استراتيجية متماسكة وبنية تحتية فعّالة وتنسيق سياسي مستدام.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لفهم موقع الجزائر الحالي في الساحل، لا بد من العودة إلى مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث. ففي تسعينيات القرن الماضي، واجهت البلاد موجة إرهابٍ واسعة في ظروف عزلة نسبية. صمدت الدولة، وتكيفت، وتمكنت في النهاية من دحر تلك الموجة اعتماداً إلى حد كبير على قدراتها المؤسسية الذاتية. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خلّفت تلك التجربة جراحاً عميقة، لكنها أنتجت أيضاً مؤسسات أمنية أكثر صلابة وعقيدة استراتيجية لا تزال تؤطر مقاربة الجزائر: استقرار الداخل لا ينفصل عن استقرار الجوار، والأمن المستدام يُبنى بالتنسيق والتنمية وبناء القدرات، لا بالحلول الخارجية المؤقتة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذه الذاكرة الاستراتيجية تؤطر انخراط الجزائر الحالي في فضائها الجنوبي. فالساحل، الذي وُصف طويلاً بأنه أحد &ldquo;الخواصر الرخوة&rdquo; في إفريقيا، انتقل من الهامش إلى المركز. لم يعد مجرد حزام أمني هش، بل بات ممراً يربط احتياطات الطاقة والثروات المعدنية ومسارات الهجرة وشبكات النقل الصاعدة</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">. انسحابات عسكرية غربية من بعض دول المنطقة لم تُنهِ التدخلات الخارجية، بل أعادت تشكيلها. في المقابل، تسعى دول المنطقة إلى ترسيخ سيادتها بدرجات متفاوتة. الخريطة الاستراتيجية تُعاد صياغتها.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في هذا السياق المتحوّل، تكتسب اللقاءات رفيعة المستوى بين الجزائر ونيامي دلالات بنيوية. فالزيارة الرسمية للرئيس النيجري إلى الجزائر لم تكن مجرّد مجاملة دبلوماسية، بل كرّست إعادة تفعيل ممرٍّ استراتيجي يتقاطع عند ثلاثة أبعاد مترابطة: الطاقة والبنية التحتية والأمن. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الدعوات المتبادلة، والالتزام بعقد مشاورات دورية، وآليات متابعة المشاريع المشتركة، كلها مؤشرات على رغبة في الانتقال من التعاون الظرفي إلى اصطفاف استراتيجي مؤسساتي. وقد عكست أجواء الزيارة وتوقيتها إرادة واضحة لتثبيت التعاون على أساس الاستمرارية لا الطوارئ.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تتمركز الطاقة في قلب هذا التحول. فقد استعاد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط احتياطات نيجيريا بالمتوسط عبر النيجر والجزائر، أهميته الاستراتيجية. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بحث أوروبا عن مصادر طاقة متنوعة، وحاجة نيجيريا إلى مسارات تصدير مستقرة، ودور النيجر كدولة عبور، كلها عوامل تتقاطع في هذا الممر. الزخم السياسي الذي تولّد عن اللقاءات الأخيرة، إلى جانب مؤشرات على تقدم مراحل التنفيذ في الأشهر المقبلة تحت قيادة تقنية لسوناطراك، يوحي بانتقال المشروع من مرحلة الدراسات الطويلة إلى مرحلة الترتيب العملي للتنفيذ. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وإذا تحقق على نطاق واسع، فلن يكون مجرد خط لنقل الغاز، بل شبكة تربط أسواقاً ودولاً عبر آلاف الكيلومترات، وتضع الجزائر في موقع المحور المركزي في سلسلة طاقوية عابرة لإفريقيا.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في جغرافيا الطاقة المعاصرة، يمنح التحكم في ممرات العبور نفوذاً أكثر دواماً من امتلاك الموارد نفسها. فالممرات تُنشئ اعتماداً متبادلاً وتعيد تنظيم الفضاء وترسخ السيادة عبر الأرض. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">من هذا المنظور، لا يُعد الأنبوب العابر للصحراء مجرد مشروع صناعي، بل عموداً استراتيجياً قادراً على إعادة تشكيل الاقتصاد المكاني لشمال وغرب إفريقيا. كما أن تقدمه يعيد ضبط مشاريع منافسة سعت في السنوات الأخيرة إلى توجيه الغاز الإفريقي نحو مسارات أطلسية بدعم من تحالفات خارجية. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع انتقال المشاريع من التصورات النظرية إلى التنفيذ الفعلي، تميل الجغرافيا والجدوى التقنية والاقتصادية إلى فرض منطقها. فالأنابيب تسلك المسارات الأكثر قابلية للتنفيذ سياسياً واقتصادياً وتقنياً، والمسار العابر للصحراء يظل الأكثر واقعية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وليس ذلك افتراضاً نظرياً. فالشبكة الداخلية للغاز في الجزائر أثبتت قدرة البلاد على بناء وتشغيل بنى تحتية معقدة في قلب الصحراء، تربط الحقول الجنوبية بمركز حاسي الرمل عبر مئات الكيلومترات في ظروف مناخية قاسية. هذه الخطوط لم تنقل الغاز فحسب، بل ربطت الأطراف بالمركز وأنشأت أعمدة لوجستية يمكن أن تمتد عبر الحدود. وما كان في السابق بنية داخلية، بات اليوم أساساً لشبكة عابرة للصحراء تربط احتياطات غرب إفريقيا بالمتوسط.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع ذلك، لا تصنع الطاقة وحدها النفوذ. فالاتصال هو العنصر الحاسم. في إفريقيا، أصبحت البنية التحتية هي لغة الجغرافيا السياسية. الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والشبكات الرقمية تحدد اتجاهات التجارة والاستثمار. ويمكن لشبكة الطرق العابرة للصحراء التي تطورها الجزائر، إلى جانب مشاريع التعدين الكبرى مثل غار جبيلات، أن تحول البلاد إلى عقدة لوجستية تربط الإنتاج الإفريقي جنوب الصحراء بأسواق المتوسط. ومع تقدم منطقة التجارة الحرة الإفريقية، ستصبح الممرات الموثوقة عاملاً حاسماً في رسم خرائط سلاسل الإمداد لعقود مقبلة.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يبقى الأمن عنصراً محورياً. فقد أظهرت السنوات الأخيرة حدود المقاربات الأمنية الخارجية في الساحل. وتعتمد الجزائر مقاربة تقوم على التنسيق الاستخباراتي وبناء القدرات وربط الأمن بالتنمية. وقد وُصفت هذه المقاربة أحياناً بالحذرة، لكنها قد تكون الأكثر استدامة. فبناء القدرات والبنية التحتية يخلق اعتماداً متبادلاً طويل الأمد ويُرسخ النفوذ داخل المؤسسات بدل أن يربطه بانتشارات مؤقتة. وتجربة الجزائر في مواجهة الإرهاب تمنحها مصداقية خاصة في هذا المجال.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في شمال إفريقيا، تتجه الدول إلى خيارات استراتيجية متباينة. فقد عمّق المغرب تعاونه الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل واندماجه في منظومات غربية. بينما اختارت الجزائر مساراً يقوم على الاستقلالية الاستراتيجية وتعدد الشراكات والتركيز على استقرار الساحل والربط العابر للصحراء. والنتيجة ليست مواجهة مباشرة بقدر ما هي تنافس بين نماذج نفوذ مختلفة: نموذج يتجه نحو الأطلسي، وآخر نحو العمق الإفريقي.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تشير التطورات الدبلوماسية الأخيرة إلى عملية تطبيع تتقدم بسرعات متفاوتة في الساحل. مع النيجر، تبدو العودة إلى التنسيق الكامل واضحة، مدعومة بزخم مشاريع مشتركة. ومع بوركينا فاسو، استؤنف التعاون القطاعي في الطاقة والتعدين والتكوين بشكل عملي. أما الملف المالي فيظل أكثر تعقيداً. فقد توترت العلاقات بين الجزائر وباماكو خلال السنوات الماضية بفعل حوادث أمنية وخلافات سياسية. ومع ذلك، بدأت إشارات خافتة بالظهور. </span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي الأيام الأخيرة، تداولت قنوات غير رسمية معلومات غير مؤكدة عن احتمال عودة السفير المالي إلى الجزائر. تبقى هذه المؤشرات في إطار التكهنات، لكنها في الأعراف الدبلوماسية الإقليمية تُقرأ أحياناً كبوادر لخفض التصعيد. وإذا تأكدت، فلن تعني تطبيعاً كاملاً، لكنها قد تشكل خطوة أولى نحو استعادة الحوار المؤسسي بين بلدين ترتبط جغرافيتهما وأمنهما ارتباطاً وثيقاً.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في الوقت الراهن، تظل الحيطة واجبة. فمن المرجح أن يتقدم المسار المالي بوتيرة أبطأ من مساري النيجر وبوركينا فاسو. غير أن الاتجاه العام يشير إلى إعادة تثبيت تدريجية لعلاقات الجزائر في جنوبها ضمن إطار يقوم على الممرات والبنى التحتية والسيادة المنسقة، لا على إدارة الأزمات المؤقتة. فالجغرافيا تفرض منطقها، مهما طال أمد التوترات السياسية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بالنسبة للجزائر، الفرصة قائمة لكنها ليست مضمونة. فالعناصر البنيوية يجب أن تُترجم إلى نتائج ملموسة. يجب الانتقال من المخططات إلى التنفيذ، وتحويل الجنوب إلى بوابة نحو إفريقيا، ودمج شراكات الطاقة في استراتيجية صناعية ولوجستية أوسع. كما ينبغي أن تُدعم المصداقية الدبلوماسية بإنجازات على الأرض. وفوق ذلك، تحتاج الجزائر إلى صياغة رؤية واضحة لدورها كقوة استقرار واندماج في بيئة متعددة الأقطاب.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">المحور المتجدد بين الجزائر والنيجر يقدم لمحة عما يمكن أن تنتجه هذه الرؤية: فضاء شمال&ndash;جنوب يربط أسواق المتوسط بممرات الساحل وموارد غرب إفريقيا. وفي عالم يتدفق فيه النفوذ عبر الممرات لا عبر التصريحات، فإن الدول التي تُرسخ هذه الشبكات هي التي تشكل النظام القادم. تقع الجزائر عند تقاطع خطوط حاسمة. الجغرافيا تمنحها الامتداد، والطاقة تمنحها الرافعة، والتجربة تمنحها الصلابة، والدبلوماسية تمنحها المصداقية.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبقى التنفيذ هو الفيصل</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالتحولات الكبرى لا تتضح في لحظتها، بل بعد أن تستقر الشبكات وتتبلور الاصطفافات. وما يجري اليوم بهدوء بين الجزائر وجيرانها الجنوبيين قد يُقرأ لاحقاً كأحد تلك المنعطفات التي التقت فيها البنية التحتية بالذاكرة الاستراتيجية والجغرافيا لإعادة رسم خريطة شمال إفريقيا والساحل.</span></p> <p class="p2">&nbsp;</p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الدول التي تُمسك بالممرات تُمسك بالقرن القادم. والجزائر تجلس بالفعل على خطوط حاسمة. والسؤال لم يعد إن كانت تملك عناصر النفوذ، بل إن كانت ستنجح في تحويل الجغرافيا والتجربة والبنية التحتية إلى قوةٍ دائمة في عالم متعدد الأقطاب.</span></p>

العلامات رأي

حين تدخل الجزائر رمضان..وتدخل معه ذاكرة المدن والقلوب

2026-02-18 12:25:00

banner

<p><strong>من لقواط إلى قالمة، ومن وادي سوف إلى قسنطينة وغرداية وأدرار&hellip; ومن موائد الجزائر إلى موائد غزّة والسودان واليمن</strong></p> <p>&nbsp;</p> <p><span style="color: #e03e2d;">بقلم: لعلى بشطولة</span></p> <p>&nbsp;</p> <h2>غدًا يهلّ رمضان. ومع الليلة الأخيرة قبل الشهر، تتبدّل نبرة البلاد كلّها. الأسواق تخفّ حركتها قليلًا، البيوت تُنظَّف وتُهيّأ، والمساجد تستعدّ لصوتٍ سيملأها من جديد. لكن رمضان في الجزائر لا يبدأ مع الإعلان الرسمي فقط، بل يبدأ قبل ذلك في الذاكرة الاجتماعية: في الأزقة التي تحفظ أصوات الأطفال، في البيوت التي تتشابه رائحتها عند الغروب، وفي عاداتٍ لم تُكتب في الكتب لكنها انتقلت من جيلٍ إلى جيل كأنها لغة خفية يتقنها الجميع.</h2> <p>&nbsp;</p> <p>رمضان في الجزائر زمن تعود فيه البلاد إلى نفسها. تتباطأ الحياة قليلًا، لا لأن الناس أقلّ انشغالًا، بل لأنهم أكثر حضورًا لبعضهم البعض. إنه الشهر الذي تُعاد فيه كتابة معنى الجوار، ومعنى الجماعة، ومعنى أن تكون جزءًا من نسيجٍ أوسع من نفسك. ومع دخول الشهر غدًا، تتجدّد هذه العودة في كل مدينة وقرية وواحة وجبل.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في لقواط، جنوب البلاد، تستيقظ الذاكرة الرمضانية في عادة &laquo;زقّ الطير&raquo;. قبيل الأذان، يجتمع أطفال الحيّ حول بساطٍ بسيط، ترسل كلّ أسرة طبقًا متواضعًا: تمر، خبز، حساء، أو قليلًا من اللبن. يجلس الجميع في دائرة واحدة وينتظرون الأذان. عند الإفطار، يأكلون معًا بلا فرقٍ بين بيتٍ ميسور وآخر متواضع. الكبار يراقبون من بعيد: من حضر؟ من غاب؟ من يحتاج؟ هكذا تتحوّل لحظة الإفطار إلى شبكة تضامن صامتة تُدار بضمير الحيّ. زقّ الطير ليس مجرد تقليد، بل درس مبكر في المساواة والانتماء.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في قالمة، شرق البلاد، يستقبل الناس رمضان بإيقاعٍ يجمع بين دفء المدينة وروح الجماعة. إلى جانب الأطباق المعتادة من الشوربة والبوراك وتبادل الصحون بين الجيران، تحافظ بعض الأحياء والقرى المحيطة على تقليدٍ راسخ يُعرف باسم اللوزيعة. قبل دخول الشهر أو في أيامه الأولى، يجتمع سكان الحيّ لشراء رأس غنم أو أكثر بشكل جماعي، ثم تُذبح وتُقسَّم اللحوم بالتساوي بين الأسر، مع تخصيص حصص للعائلات محدودة الدخل. لا يُنظر إلى الأمر كصدقة فردية بل كتنظيم جماعي يشارك فيه الجميع.</p> <p>&nbsp;</p> <p>لحظة التقسيم نفسها تتحوّل إلى لقاءٍ اجتماعي: الرجال في ساحة الحيّ، والنساء يتهيأن لتحضير أولى وجبات رمضان. بهذا المعنى، لا تبدأ المائدة في قالمة بما يوضع عليها، بل بالجماعة التي تضمن أن يكون لكل بيت نصيب. اللوزيعة ليست مجرد توزيع لحم، بل إعلان غير مكتوب أن رمضان لا يُستقبل فرديًا، وأن التوازن الاجتماعي شرط لامتلاء المائدة.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في وادي سوف، يدخل رمضان بطقوسٍ صحراويةٍ عتيقة. التحضير يبدأ قبل الهلال: تُملأ القِرَب بالماء، وتُحضَّر الأطباق الجماعية مثل المطابيق والسفة. عادة تبادل الطعام بين البيوت ليست مجاملة بل قاعدة: لا يبيت بيت دون أن يذوق من بيتٍ آخر. بعد التراويح، تتحوّل الليالي إلى فضاءات إنشاد وشعر، والبندير يملأ الساحات. وفي ليلة السابع والعشرين، تُختم التلاوة وتُوزَّع الصدقات، فتغدو الواحة كلها في خشوعٍ جماعي.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في قسنطينة، تتزيّن المدينة العتيقة بأضواء خافتة فوق الجسور والأزقة. المائدة القسنطينية معروفة بتنوّعها، لكنها تظلّ مرتبطة بروح المشاركة: طبق يخرج قبل الأذان إلى الجار، وصحن يعود بعده. بعد التراويح، تمتلئ الساحات بالإنشاد والذكر، وتتحوّل الليالي إلى امتدادٍ لذاكرة المدينة التي تعلّمت أن تجعل من رمضان زمنًا للسكينة والتواصل.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في البليدة ومليانة والمتيجة، يحمل رمضان رائحة البساتين والجبال. تتبادل العائلات الأطباق، وتُستأنف الزيارات المؤجَّلة طوال العام. الأسواق أكثر هدوءًا بعد المغرب، والبيوت أكثر امتلاءً بالزائرين. رمضان هنا زمن تهدئةٍ للنفس وإعادة وصلٍ للعلاقات.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في غرداية، تستقبل القصورُ العتيقة رمضان بنظامٍ دقيق. موائد الإفطار تُنظَّم بروح جماعية، والزيارات تتم وفق عاداتٍ راسخة. الساحات تمتلئ بالذكر والإنشاد، والهدوء يخيّم على المدينة بعد التراويح. رمضان هنا زمن انتظامٍ داخلي يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة.</p> <p>&nbsp;</p> <p>في أدرار وجانت، في عمق الصحراء، يستقبل الناس الشهر بكرمٍ مضاعف. المسافات بعيدة، لكن الموائد أقرب. الطعام يُقسم بين البيوت، والليالي تُملأ بالحكايات والذكر. في هذه المناطق، يصبح رمضان زمن تضامنٍ وجودي، حيث المشاركة ليست فضيلة فقط بل ضرورة للحياة في الصحراء.</p> <p>&nbsp;</p> <p>وهكذا، من مدينة إلى أخرى، تتعدّد الأشكال ويبقى الجوهر واحدًا: رمضان في الجزائر فسيفساء من العادات والروائح والأصوات، لكنه في العمق زمن تهدئةٍ وإعادة توازن.</p> <p>&nbsp;</p> <p>لكن مع دخول الشهر غدًا، لم تعد هذه الذاكرة محلية فقط. فكلّ مائدةٍ في الجزائر تحمل اليوم ظلّ موائد بعيدة. في غزّة، يجلس الصائمون بين الركام، يُفطرون أحيانًا على ما تيسّر من ماءٍ وتمرٍ ودعاء. وفي السودان، حيث أنهكت الحرب المدن والقرى، تُقام موائد بسيطة تُقسم رغم قلّتها. وفي اليمن، حيث طال الحصار، صار الصيام عند كثيرين صيامين: صيام الجسد وصيام الألم.</p> <p>&nbsp;</p> <p>حين يجلس طفل في لقواط أو قالمة أو وادي سوف غدًا حول مائدةٍ بسيطة ينتظر الأذان، يجلس طفل آخر في مدينةٍ محاصرة ينتظر الأذان نفسه. الفارق ليس في الإيمان، بل في ما وُضع أمامهما. وهذا الفارق، في جوهره، مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون قدرًا جغرافيًا.</p> <p>&nbsp;</p> <p>رمضان ليس فقط ما نأكله، بل ما نتذكّره ونحن نأكل. وليس فقط ما نقوله في الدعاء، بل ما نفعله بعده. أن يكون لغزّة والسودان واليمن، وللمحرومين في كلّ مكان، مقعدٌ رمزي على موائدنا: مقعدٌ من الدعاء والصدقة والوعي بأنّ الرحمة التي لا تتجاوز حدود البيت ليست رحمةً كاملة.</p> <p>&nbsp;</p> <p>غدًا تُضاء المساجد وتُرفع الأذانات الأولى، وتلتفّ العائلات حول موائدها في الجزائر. لكنّ الأهم ليس ما يوضع على الطاولة، بل من يجلس حولها&hellip; ومن نتذكّر ونحن نجلس.</p> <p>من لقواط إلى قالمة، ومن وادي سوف إلى قسنطينة وغرداية وأدرار وجانت، ومن الجزائر إلى غزّة والسودان واليمن&hellip; يُكتب الجواب كلّ مساء قبل الأذان، منذ الليلة الأولى، حين يتذكّر الناس أنهم جسدٌ واحد، وأنّ رمضان ليس زمن الامتلاء فقط، بل زمن الرحمة التي تعبر الحدود.</p>

العلامات رأي

من الأغواط إلى العالم

2026-02-16 10:16:00

banner

<p><span style="color: #e03e2d;"><em>جامع الشهداء، رمضان، وميزان القيم في زمنٍ يعاد تشكيله</em></span></p> <p><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></p> <p>﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾</p> <p>&nbsp;</p> <p>ليست كلّ المدن تبني مساجدها في زمنٍ عادي. هناك مدنٌ تفعل ذلك حين يصبح العالم متعبًا، وحين تحتاج القلوب إلى مكانٍ تستريح فيه قبل أن تواصل السير. وما يحدث اليوم في لقواط، مع تدشين جامع الشهداء على أبواب رمضان، يتجاوز افتتاح مبنى جديد. إنّه لحظةُ معنى. مدينةٌ تضع في قلبها منارة، في وقتٍ يعاد فيه رسم خريطة القوى العالمية.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>المرجعية الأخلاقية المتصدعة: نقدٌ بلا عداء</strong></p> <p>خلال العقود الماضية، قدّم الغرب &mdash; من واشنطن إلى باريس ولندن وبرلين &mdash; نفسه مرجعًا أخلاقيًا عالميًا: حقوق الإنسان، العدالة الدولية، والنظام القائم على القواعد. لكنّ السنوات الأخيرة كشفت، ببطء ثمّ بوضوحٍ جارح، أنّ هذه القواعد لا تُطبّق دائمًا بالقدر نفسه على الجميع.</p> <p>هذا ليس اكتشافًا مفاجئًا، بل تراكمًا لانطباعٍ صار اليوم أقرب إلى القناعة لدى كثيرين في العالم الإسلامي والعربي، وفي ما يُعرف بالجنوب العالمي. والإنصاف يقتضي القول إنّ داخل الغرب نفسه أصواتًا قوية تنتقد سياسات حكوماتها: حركات مناهضة الحرب، نشطاء حقوق الإنسان، أكاديميون ومثقفون يرفضون الانتقائية ويدافعون عن العدالة للجميع دون تمييز.</p> <p>المشكلة، إذن، ليست في "الغرب" كمفهوم مطلق أو ككتلة متجانسة، بل في النظام السياسي السائد وتحالفاته الانتقائية، وفي آليات القرار الدولية التي تُطبّق معايير مزدوجة. هذا لا يعني أنّ الغرب فقد كلّ إرثه الإنساني والفكري، بل يعني أنّ صورة "المركز الأخلاقي الوحيد" لم تعد صلبة كما كانت، وأنّ العالم لم يعد يصدّق بسهولة الخطابات المثالية حين تصطدم بالواقع.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>ذاكرة المكان وشهادة التحول</strong></p> <p>أتذكّر &mdash; وربما كانت هذه ملاحظة شخصية أكثر مما ينبغي في نصٍّ كهذا &mdash; أنّي مررتُ قرب موقع المسجد قبل سنوات، وكان المكان مجرّد أرضٍ مفتوحة تتراكم فيها الرمال. لم يكن هناك ما يشير إلى أنّ منارة سترتفع هنا. اليوم، حين ترتفع المئذنة، يبدو المشهد وكأنّ المدينة نفسها استقامت قليلًا.</p> <p>في الأزقة القريبة، عند الغروب، تمرّ رائحة الخبز الساخن، ويجلس رجالٌ صامتون أمام محلات صغيرة، ويتبادل أطفال كرةً بلاستيكية عند طرف الطريق. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تحفظ المجتمعات حيّة، لا البيانات الدولية. وهذا المسجد، في قلب هذه التفاصيل، سيكون شاهدًا على حياةٍ تعيد تشكيل نفسها بهدوء.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>غزة: امتحانٌ أخلاقي للعالم... ولنا</strong></p> <p>في زمنٍ يعاد فيه اختبار صدقية القيم، جاءت غزة لتضع العالم أمام مرآةٍ قاسية. ليس بوصفها ملفًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها امتحانًا أخلاقيًا مباشرًا: هل الكرامة الإنسانية قابلة للتجزئة؟ وهل تُقاس حياة البشر بالتحالفات؟</p> <p>كثيرون في العالم الإسلامي لم يعودوا يتابعون الأخبار بوصفها أخبارًا فقط، بل بوصفها جرحًا يوميًا. هذا ليس تحليلًا سياسيًا بقدر ما هو إحساس ثقيل يسكن القلب. لكنّ الأمانة تقتضي أيضًا أن نسأل أنفسنا: أين نحن من هذا الامتحان؟</p> <p>الاستجابة العربية والإسلامية الرسمية، بصراحة مؤلمة، كانت دون مستوى الحدث. خطابات التضامن لا تُطعم جائعًا ولا تُداوي جريحًا. المواقف السياسية المتحفظة، القرارات الخجولة، والعجز الجماعي عن التحرك الفعلي &mdash; كلّها تكشف عن مأزقٍ أعمق من مجرد ضعف سياسي، إنّه مأزق قيمي وأخلاقي.</p> <p>لكن في غياب الفعل الرسمي، تبقى المجتمعات المحلية. تبقى المساجد التي يُجمع فيها التبرّع، والأحياء التي ترسل المساعدات، والأفراد الذين يحملون الهمّ. وهنا بالضبط يصبح افتتاح جامع الشهداء أكثر من مجرّد حدث محلي &mdash; إنّه تذكيرٌ بأنّ التكافل يبدأ من الصغير، وأنّ المسؤولية الأخلاقية لا تنتظر قرارًا سياسيًا.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>رمضان: عودة إلى الأساس</strong></p> <p>وسط هذا الاضطراب، تدخل المجتمعات المسلمة شهر رمضان برصيدٍ قيميّ قديم: التكافل، الرحمة، والشعور بأنّ الإنسان مسؤول عن غيره ولو لم يعرفه. هذه القيم ليست مثالية دائمًا، ولا تُطبّق بلا نقص، لكنها موجودة وتُمارَس. وهذا هو الفرق.</p> <p>رمضان يعيد المجتمع إلى إيقاعٍ مختلف: الصيام يكسر الروتين اليومي، والإفطار الجماعي يعيد بناء الروابط، والصدقة تذكّر بالمسؤولية تجاه الآخر. في ليالي رمضان، حين يهدأ الصوت وتخفّ الأضواء، يصبح الدعاء فعلًا صامتًا يعيد ترتيب الداخل.</p> <p>﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾</p> <p>رفع المساجد ليس ارتفاع الجدران فقط، بل ارتفاع المعنى. لكنّ بقاء المسجد حيًا ليس مضمونًا تلقائيًا. المساجد اليوم تواجه تحديات: خطب روتينية قد تنفّر أكثر مما تُقرّب، انفصال عن قضايا المجتمع الحقيقية، وأحيانًا تسييس مباشر يُفرغها من روحها.</p> <p>المسجد، حين يبقى حيًا، لا يكون فقط مكانًا للصلاة، بل مركزًا للتكافل الاجتماعي، للتعليم، للحوار، ولمعالجة هموم الناس اليومية. جامع الشهداء بلقواط يحتاج أن يُعاش، لا أن يُزار فقط. يحتاج إلى أئمة يفهمون واقع الناس، وإلى جماعة تصنع من المسجد امتدادًا حيًا لحياتها، لا ملحقًا شكليًا.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>القلب والفعل: صوفيةٌ لا تهرب من العالم</strong></p> <p>وهنا، تتسرّب لمسةٌ صوفية لا يمكن تجاهلها في هذه اللحظة. فالمسجد، في نظر العارفين، ليس فقط بيتًا يُقام فيه الذكر، بل مرآةٌ للقلب نفسه. يقول بعض أهل الطريق إنّ كلّ إنسان يحمل في صدره مسجدًا خفيًا؛ فإذا امتلأ بالسكينة صار العالم أقلّ قسوة.</p> <p>لكنّ الطمأنينة الداخلية ليست هروبًا من الواقع، بل وقودًا للعودة إليه. حين يستقرّ القلب، يصبح الإنسان أقدر على العطاء، أصلب في مواجهة الظلم، وأرحم في التعامل مع الناس. التصوف الحقيقي لا ينفصل عن الفعل الاجتماعي، بل يغذّيه. وحين يضطرب العالم، لا يبحث الإنسان عن حجارةٍ عالية بقدر ما يبحث عن طمأنينةٍ عميقة تمنحه القدرة على الاستمرار.</p> <p>في ليالي رمضان، حين يهدأ الصوت وتخفّ الأضواء، يصبح الدعاء فعلًا صامتًا يعيد ترتيب الداخل. وفي تلك اللحظة، يشعر الإنسان أنّ الرحمة ما تزال ممكنة، وأنّ الله أقرب مما يظنّ. هذه ليست فلسفة، بل تجربة يعرفها من وقف طويلًا في صلاةٍ هادئة.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>عالمٌ جديد، وقيمٌ قديمة</strong></p> <p>افتتاح جامع الشهداء بلقواط في هذا التوقيت ليس تفصيلًا معماريًا. إنّه إشارة. إشارة إلى أنّ المدن الصغيرة أحيانًا تفهم ما يحدث في العالم أكثر من العواصم الكبرى. المسجد الجديد لن يغيّر توازنات السياسة الدولية، لكنّه سيمنح الناس مكانًا يقفون فيه صفًا واحدًا ويتذكّرون &mdash; ولو لدقائق &mdash; أنّ الكرامة لا تحتاج إذنًا من أحد.</p> <p>العالم يتّجه نحو مرحلةٍ لا يحتكر فيها أحد تعريف القيم. الغرب نفسه يعيش نقاشًا داخليًا حادًا حول العدالة والهوية والمساواة، والعالم الإسلامي والعربي يبحث عن صوته. والأمم، في النهاية، تعود إلى ما يحفظ تماسكها: القيم اليومية البسيطة.</p> <p>ربما لن يتغيّر العالم بسرعة، وربما لن يتغيّر بالقدر الذي نتمناه، لكنّ الإنسان يحتاج دائمًا إلى مكانٍ يلتقط فيه أنفاسه، ثمّ يعود منه أقوى. المساجد تفعل ذلك. أحيانًا بصمت.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>خاتمة: منارة ودعوة</strong></p> <p>مع أوّل ليالي رمضان، ستُضاء منارة جامع الشهداء، وسيأتي الناس من أحياء متفرّقة، بهمومٍ مختلفة، لكن بالاتجاه نفسه. في تلك اللحظة، لا يُسأل أحد من أين جاء، بل إلى أين يتوجّه قلبه. وهذا يكفي.</p> <p>لكنّ الكفاية هنا ليست استسلامًا، بل نقطة انطلاق. الصلاة ليست نهاية المطاف، بل قوة تُعيد شحن الإنسان للعودة إلى الفعل. وبناء عالمٍ أكثر عدلًا لا يبدأ من القمم، بل من القواعد. من مدينةٍ كلقواط تبني مسجدًا. من مجتمعٍ يتكافل. من قلبٍ يستقرّ ثمّ ينطلق.</p> <p>نسأل الله أن يكون رمضان هذا العام أخفّ وطأة على القلوب، وأن ترى غزة صباحًا أقلّ قسوة، وأن تبقى لقواط، بمنارتها الجديدة، شاهدةً على أنّ المدن التي تحافظ على مساجدها عامرةً بالمعنى والفعل &mdash; لا بالطقوس الجوفاء &mdash; تستطيع أن تحافظ على روحها مهما اضطرب العالم.</p> <p>أحيانًا،</p> <p>كلّ ما يحتاجه الناس...</p> <p>مكانٌ يصلّون فيه،</p> <p>ثمّ يعودون منه أقوى،لبناء عالمٍ أكثر عدلًا.</p> <p>﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾</p>

العلامات رأي