بعد ترامب يحاكمون بايدن

2023-10-05 09:00:00

banner

<p>ربما لا يوجد بلد في العالم يهين رؤساءه كما تفعل أمريكا. ما جعل البعض يفتخر و يتغنى بقوة الديمقراطية في حين يعتقد البعض الآخر أن كل هذا مسرحية للخداع.</p> <p><br />"بايدن" سيحاسب على فساده كما سيحاسب "ترامب" قبله و "مينينديز" سيناتور يرفض الاستقالة بعد أن اتهم بالفساد و كأن أفسد مافي أمريكا هم السياسيون بالرغم من أنها أقوى قوة في العالم.</p> <p><br />فمؤخرا عقدت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي أولى جلساتها &nbsp;المتعلقة باتهامات بشأن علاقة الرئيس "جو بايدن" بالأنشطة المالية لنجله "هانتر" في مسعى يهدف لمحاكمته برلمانيا بل و عزله إن لزم الأمر. و بحسب اتهام الجمهوريين, فإن "بايدن" مدان بتهمة إساءة استخدام منصبه حين كان نائبا للرئيس "باراك أوباما". و قد بدأ تحقيق في هذا قبل ثمانية أشهر من تاريخ الجلسة التي عقدت مؤخرا لكن و بحسب النواب الديمقراطيين المدافعين عن رئيسهم فإن التحقيق القديم فشل بسبب عدم توفر الأدلة. و لكن الٱن, يقول الجمهوريين أنهم يمتلكون أدلة تدين الرئيس و نجله &nbsp;ووصل السجال حد قيام &nbsp;"ماكيرثي" الجمهوري و رئيس مجلس النواب بإتهام "بايدن" بالكذب. و أضاف "ماكيرثي" ان الجمهوريين في حوزتهم أدلة و وثائق كافية لإدانة العجوز الذي يتربع على عرش السلطة في أمريكا. و لعل هذه الإدانة واقعة لامحال إن لم يكن الٱن فبعد خروج "بايدن" من السلطة. فهذا ما بات عليه مصير رؤساء أمريكا. و نذكر من هذا القبيل ما حصل مع "دونالد ترامب" الذي كاد أن يسجن في ٱخر أيامه في الحكم. و منذ خروجه من الباب الخلفي للبيت الأبيض و هو من محكمة إلى أخرى و من محاكمة إلى ثانية في ظل انهيال التهم عليه من فساد و رشاوى إلى تحريض على العنف و غير ذلك من التهم الكافية لإنهاء حياة الرئيس السابق السياسية.</p> <p><br />و لا تقف حدود الاتهام هنا فحتى الرئيس الأسود السابق للبيت الأبيض</p> <p>&nbsp;</p> <p>نزار الجليدي كاتب و محلل سياسي اعلامي مقيم بباريس</p> <p>"باراك إوباما" طالته نفحات من الاتهامات بحكم أنه كان في منصبه وقت كان نائبه "بايدن" شريكا في قضايا فساد مع نجله "هانتر".<br />فأصبح هذا الذي ينتظره كل من كان على رأس السلطة في أمريكا و كأنه فلكلور سياسي. أي أن فضح السياسيين و فسادهم و جرائمهم أصبح عادة تورّث بين الرؤساء. &nbsp;فحتى في التراث الرئاسي الأمريكي العديد من الفضائح و القضايا و الإدانات التي أنهت حياة رؤساء و مستقبلهم السياسي كحال فضيحة "واتر جايت" و غيرها و هذا ليس حكرا على الرؤساء فباقي السياسيين جميعهم مهددون دائما بمثل هذه الأمور كحال السيناتور الديمقراطي "بوب مينينديز" و الذي سبق أن اتهم بتلقي رشاوى من ثلاث رجال أعمال في &nbsp;"نيوجيرسي". و صحيح أنه تمكن من اثبات براءته لكن هذا لم يمنع من المطالبة باستقالته و اعدامه سياسيا خاصة أنه تعرض ثلاث مرات لمحاكمات مشابهة و مثله كثيرون في عالم السياسة الأمريكية و كأن أمريكا، و &nbsp;رغم تربعها على عرش العالم &nbsp;كأقوى قوة فيه سياسيا و عسكريا و اقتصاديا و ثقافيا &nbsp;، أفسد بلاده و سياسييها هم أكبر المجرمين.&nbsp;</p> <p><br />و يرى البعض في أمريكا أن فساد الفاسدين و فضحهم و محاكمتهم هو سبب قوة أمريكا و أكبر دليل على ديمقراطيتها و أن منصب الرئيس فيها لا يعني الزعامة بقدر ماهو موظف يحاسب على أدائه و تقصيره كأي موظف ٱخر و أن السيادة في هذا البلد هي فقط للقانون و مهما علا منصب الفاسد فهو تحت هذا السقف و يمكن محاسبته بسهولة. كما يعتبرون أن هذا أيضا مؤشر على أن أعين الرقابة مفتوحة و هو ما يضمن قوة الاقتصاد و سلامة النظام السياسي لذلك وجب على الأمريكيين &nbsp;الفخر بما يجري من محاسبات و محاكمات و على بقية العالم الاقتداء بهم خاصة أن الفساد موجود في كل نظام حاكم تقريبا لكن من يجرؤ على محاسبة القادة كما يحصل في أمريكا.&nbsp;</p> <p><br />و يوجد شق ٱخر يرى أن كل ما يجري مسرحية مكشوفة الأركان باعتبار أن القيادة في أمريكا لا تقوم على أشخاص و أفراد بل هي بلد مؤسسات قوية سواء كانت أمنية أو اقتصادية. فالطبقة السياسية ليست ألا ديكورات أو أشخاص بالواجهة يتلقون الضربات من الجماهير في الولايات المتحدة و خارجها فعندما يتخذ قرار ذو خطورة في أمريكا فان هذه الجهات هي التي تتخذه كقرار إلقاء القنابل النووية على اليابان أو كقرار غزو العراق و أفغانستان و لكن من يحاسب فهو الرئيس. فمثلا حمل "جورج بوش الابن" وزر ملايين الضحايا في العراق و أفغانستان. و على الرغم من كم الجرائم التي ارتكبت في الحربين من قتل للمدنيين العزل و تعذبب السجناء و تدمير الدول و تهجير أهلها، و هو ما يرتقي إلى صف الجرائم ضد الإنسانية، &nbsp;بتعلة وجود أسلحة دمار شامل فإن أمريكا لم تتوانى عن التفاخر بأنها بلد الحريات و الديمقراطية و القانون و حقوق الانسان. و أن تجريم هذه القرارات &nbsp;لا يطال إلا الشخص الذي كان يحكم و ليست أمريكا فما عليكم إلا إدانته شخصيا أو انتظار محاكمته قضائيا و إهانته و بالقانون في محاولة لإرضاء من يتحدثون عن إجرام الدولة. فالأمريكيون يهربون من الإدانة بتقديم الرئيس ككبش فداء.&nbsp;</p> <p><br />و كاستباق و توقع للأحداث، يرى الشق الأخير أن نظرية المسرحية صالحة في كل زمان فمؤخرا دخلت أمريكا على خط دعم أكرانيا في حربها العبثية ضد الروس ما سينجر عنه استنزاف الخزانة الأمريكية و مد أمد الحرب أكثر ما سيؤدي إلى مزيد من الضحايا على الرغم من النهاية المتوقعة بفوز روسيا في تلك المعركة و لكن قبل هذا الفوز سيصرح الساسة الأمريكيون لشعبهم باستنفاذ ميزانيتهم و أن هذا القرار كان قرارا شخصيا من الرئيس و ليست الدولة من اتخذته و هكذا تستمر أمريكا و يسقط حكامها الفاسدون.</p>

العلامات رأي

فضيحة فساد أوكرانية تطال القارتين العجوز والسمراء معا

2025-12-21 16:56:00

banner

<h2>لا تزال تبعات عاصفة الفساد الكبرى التي تجتاح أوكرانيا تصل إلى قلب المؤسسات الأوروبية، وتكشف المزيد عن عبث (أوكرو-أوروبي) خطير في القارة الأفريقية، مهددةً النظام السياسي في كييف ومصداقية الداعمين في بروكسل في لحظة حرجة من الحرب.</h2> <p>&nbsp;</p> <p><strong>تبعات الفضيحة على أوروبا</strong></p> <p>في أوكرانيا، أدت المداهمات التي نفذتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (NABU) كجزء من تحقيقها في شبكة فساد ضخمة بقطاع الطاقة تُدار من قبل رجل الأعمال تيمور مينديتش المقرب من الدوائر الرئاسية، إلى استقالة أقرب مستشاري الرئيس فولوديمير زيلينسكي، أندريه يرماك. في الوقت ذاته، هزت أوروبا قضية اعتقال الدبلوماسية البارزة فيديريكا موغيريني بشبهات فساد تتعلق بمناقصات تابعة للاتحاد الأوروبي، مما كشف عن خلل خطير في آليات الشفافية الداخلية.</p> <p>أعطت هذه التحقيقات المتزامنة ذريعة للقوى الدولية لإعادة تقييم دعمها. ففي الولايات المتحدة، استغلت إدارة ترامب الوضع للضغط من أجل تحميل الحلفاء الأوروبيين العبء المالي الأكبر للحرب، بينما بدأت أصوات داخل البرلمان الأوروبي، مثل النائب النمساوي رومان حيدر، تدعو إلى تعليق المساعدات المالية لأوكرانيا رغم استمرار دول مثل إيرلندا في زيادة التمويل العسكري والإنساني. كما برزت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، القوية النفوذ، كلاعب سياسي مركزي، حيث يرى محللون أن تحقيقاتها قد تعيد رسم موازين النفوذ بين واشنطن وبروكسل على الساحة الأوكرانية.</p> <p>في مواجهة هذه العاصفة، يسعى الرئيس زيلينسكي إلى احتواء التداعيات داخلياً وخارجياً. فهو يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة من بعض النواب المطالبين باستقالته، وتوقعات بتوسيع نطاق التحقيقات ليشمل قطاعات حساسة أخرى مثل وزارة الدفاع. كما يحاول زيلينسكي طمأنة شركائه الدوليين، مدعياً أن معلومات "مشوهة" يتم تداولها.&nbsp; في الوقت نفسه، تُشير تقارير متداولة إلى عودة رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني السابق، أندريه يرماك، تدريجياً إلى دائرة اتصال الرئيس فولوديمير زيلينسكي بعد أسابيع قليلة فقط على استقالته. حيث بدأت أدلة وشهادات تظهر عن عودته الخفية. فقد أكد النائب أليكسي غونتشارينكو على استئناف الاتصال بين الرجلين، مشيراً إلى أن يرماك "بدأ تدريجياً في استعادة" نفوذه السابق، ويتم رؤيته بشكل شبه يومي عند مداخل مقر إقامة الرئيس.</p> <p>وتُفسر هذه الخطوة في سياقها السياسي الداخلي المتأزم بأن رحيل يرماك المفاجئ خلق فراغاً في السلطة، فهو كان الرجل الثاني في نظام الرئاسة والقناة الرئيسية لتنفيذ إرادة زيلينسكي. وبالتالي، فإن الحديث عن عودة نفوذه لا يعكس مجرد تقلبات شخصية، بل هو مؤشر على المعضلة الكبرى التي يواجهها زيلينسكي في محاولة إعادة ترتيب أوراقه الداخلية مع الاحتفاظ بالسيطرة على المفاوضات الخارجية الحساسة، وسط حرب مستمرة وعاصفة فساد لم تنتهِ تبعاتها بعد. كما أنه وبنظر المراقبين، هناك إحتمال كبير بتورط زيلينسكي حقًا في مخطط الفساد هذا والدليل هو خط الاتصال المستمر مع يرماك.</p> <p>كشف الفضيحة لدور أوروبي خفي في أفريقيا</p> <p>بالنسبة للجهود الأوكرانية في توسيع علاقاتها مع دول القارة الأفريقية فإنها بدأت تواجه إشكالية مُعقدة. ففي الوقت الذي تهدف فيه إلى كسب التعاطف الدبلوماسي في مواجهة الحرب مع روسيا، تتزايد الاتهامات الموجهة إليها بدعم جماعات مسلحة في القارة الأفريقية، مما يضعها في مواجهة مع بعض الحكومات الأفريقية كما سبق وأن حصل عندما قطعت مالي علاقاتها مع كييف في أغسطس من العام الجاري بعد تصريحات لمسؤول أوكراني حول تزويد مسلحين في مالي بمعلومات وأسلحة، في وقت استدعت السنغال السفير الأوكراني احتجاجاً على ما اعتبرته دعماً لأنشطة إرهابية على حدودها.</p> <p>بينما فضيحة الفساد الكبرى الأخيرة قد لعبت دوراً سلبياً في صورة أوكرانيا التي تحاول تسويقها للأفارقة، كما فتحت الباب على تحركات خفية كانت تقوم بها مع الأوروبيين ضد بعض الدول. حيث أفادت مصادر في الأشهر الأخيرة بوجود تعاون سري بين أجهزة المخابرات الأوكرانية ودوائر النفوذ الفرنسية بهدف زعزعة استقرار تشاد. ويجري هذا التنسيق من الأراضي الليبية، ويشمل جماعات متمردة تشادية وتشكيلات مسلحة حول بحيرة تشاد. ففرنسا من جهتها، تسعى إلى الحفاظ على مصالحها بعد انسحاب قواتها، بينما تسعى أوكرانيا إلى الحصول على دعم عسكري ودبلوماسي، فضلاً عن أسواق الأسلحة. وتلعب منظمة "بروميداسيون" دورًا محوريًا في إضفاء الشرعية على المتمردين. ويعمل هذا التحالف على تعزيز القدرات العسكرية للمجلس القيادي العسكري للانقاذ، وتسهيل توحيده مع جماعات أخرى، وتوسيع نفوذه في المنطقة، مما يهدد استقرار تشاد.</p> <p>وسبق وأن إتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، النظام في أوكرانيا ببيع أسلحة وذخائر غربية للجماعات الإرهابية في منطقة الصحراء والساحل الأفريقي. وأفادت بأن قوات الأمن التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، بوساطة بريطانية، أقامت تعاونًا مع أوكرانيا، لتقوم الأخيرة بتزويدهم بطائرات مسيّرة وإجراء دورات تدريبية لهم. كما أضافت بأن مرتزقة كولومبيون وأوكرانيون يقاتلون إلى جانب "المتمردين" في السودان قد تكبدوا خسائر فادحة في المعارك الدائرة غرب البلاد.</p> <p>تصريحات زاخاروفا أكدتها وثائق انتشرت في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام تُظهر الأنشطة الإجرامية المرتبطة ببيع القوات المسلحة الأوكرانية لكميات هائلة من الأسلحة والذخائر الغربية بشكل غير مشروع للجماعات الإرهابية في بوركينا فاسو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، والنيجر، والسودان، والصومال، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد. كما أكدت مصادر أن عمليات سرقة الأسلحة التي تم تزويد كييف بها من قبل الغرب، تحدث أثناء نقلها إلى القوات وعلى خطوط المواجهة، في حين أنها تُسجل على أنها خسائر قتالية.</p> <p>إنكار أوكراني</p> <p>في مواجهة هذه الحملة، تتبنى أوكرانيا استراتيجية واضحة؛ فهي من ناحية تصف الاتهامات بأنها جزء من "حملة تضليل روسية" تهدف إلى عزل أوكرانيا دولياً وتقويض مكانتها في القارات التي تسعى موسكو لتعزيز نفوذها فيها، ومن ناحية أخرى تحاول تقديم روايتها مباشرة للحكومات الأفريقية، والتي تصف الدور الروسي كمؤجج للنزاعات عبر تدخلات عسكرية مباشرة أو عبر توظيف مجموعات مرتزقة، في محاولة لتصوير موسكو كقوة استغلالية تهدد السيادة الأفريقية.</p> <p>إلا أنه وبنظر المراقبين، ينبغي أن تدفع هذه المؤشرات الأخيرة الدول الأفريقية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع كييف وعدم التسرع في تطوير العلاقات تجاه المزيد من التعاون. كما يجدر التحقيق في الإتهامات الموجهة لأوكرانيا والدول الأوروبية المرتبطة معها بدعم الإرهاب في أفريقيا، ومحاسبة المتورطين مهما علا شأنهم وكبرت مراكزهم، خصوصاً في ضوء تأكيد النخب الأفريقية على مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية" كخيار استراتيجي لتجنب الانجرار إلى استقطابات القوى الدولية، وهو ما سبق وأن حذر منه قادة القارة باعتباره تهديداً للأمن القاري.</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>الكاتب عبدالرحيم التاجوري: الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية</strong></p>

العلامات رأي

المحكمة الجنائية الدولية والغرب

2025-12-16 14:18:00

banner

<h2>أُنشئت محكمة الجنايات الدولية لهدف نبيل يتمثل في مقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، لكنها تواجه انتقادات منذ إنشائها بسبب تركيزها على قادة الجنوب العالمي وخاصة أفريقيا. ومع تجاهلها للجرائم التي تنتهكها الدول الغربية، أثيرت تساؤلات حول إذا ما كانت المحكمة أداة لتحقيق العدالة العالمية، أم وسيلة للتدخل السياسي وتحقيق النفوذ الغربي فقط.</h2> <p>ومنذ أن تم الإعلان عن تأسيسها عام 2002، قامت المحكمة بإجراء تحقيقات ومحاكمات بارزة، أشهرها كانت ضد شخصيات وقيادات من دول أفريقية، مثل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا. وفي الوقت الذي تقوم فيه المحكمة بملاحقة الشخصيات الأفريقية، تتجاهل عديداً من قادة الدول الغربية التي ارتكبت أفعالاً مماثلة أو أكثر خطورة في مناطق شاسعة من العالم، وأدى هذا التحيز الواضح والمعايير المزدوجة إلى تعزيز الاتهامات التي تقول إن المحكمة أصبحت أداة استعمارية جديدة هدفها تعزيز الهيمنة الغربية على الدول الأفريقية، بدلاً من إرساء العدالة النزيهة للجميع دون تمييز.</p> <p>وفي ظل هذه الازدواجية، هددت دول مثل جنوب أفريقيا وبوروندي بالانسحاب، وهو الأمر الذي طالب به الاتحاد الأفريقي عام 2017، ومع تزايد الحديث عن تجاهل المحكمة للجرائم الغربية في سوريا وأفغانستان وليبيا، قررت المحكمة عام 2022 إجراء تحقيق عن جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبتها القوات الأميركية في أفغانستان، لكنها تراجعت بعد ضغوط وتهديد بالعقوبات على مسؤوليها من قبل واشنطن، وقد أدى هذا التراجع إلى تعزيز التصور القائل بأن المحكمة ضعيفة أمام الدول القوية ولا تستطيع مواجهتها كما تفعل مع الدول الأفريقية.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>التهديد الأمريكي المباشر.. النموذج الأجلى لاستغلال المحكمة</strong></p> <p>&nbsp;</p> <p>تأتي التطورات الأخيرة لتؤكد هذه الصورة بشكل صارخ، حيث تتحول التهديدات الضمنية إلى شروط علنية ومباشرة، فقد هددت الحكومة الأمريكية بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في لاهاي إذا فشلت في تعديل قوانينها لضمان عدم محاكمة الرئيس دونالد ترامب أبدًا، تريد إدارة ترامب من المحكمة تعديل نظام روما الأساسي، وثيقتها التأسيسية، لإيقاف التحقيق مع الرئيس وكبار مسؤوليه في نهاية ولايته، كما تطالب الإدارة بوقف التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة إسرائيليين آخرين بشأن حرب غزة، وكذلك وقف التحقيق في أفعال القوات الأمريكية في أفغانستان.</p> <p>هذه المطالب الصريحة، التي تقدم بهدف حماية حكومتي البلدين من التحقيق في جرائم حرب، ليست سوى دليل ملموس على أن المحكمة فقدت معناها الأساسي كمنظمة دولية مستقلة، فبدلاً من أن تكون ملاذًا للضحايا وردعًا للمجرمين بغض النظر عن جنسيتهم أو قوتهم، أصبحت كيانًا يُفرض عليه الشروط ويُهدد بالعقوبات إذا تجرأ على الاقتراب من "المحظور"، أي محاسبة القادة الغربيين وحلفائهم، التهديد بتوسيع العقوبات ليشمل المحكمة ككيان، وطلب تعديل المعاهدة التأسيسية نفسها لتجريد المحكمة من ولايتها القضائية على الأمريكيين والإسرائيليين، هو إعلان صريح بأن هذه المحكمة يجب أن تعمل ضمن الحدود المرسومة لها من قبل القوى العظمى، وإلا فسوف تُعاقب، إنها قصة جديدة ترويها واشنطن بوضوح، المحكمة الجنائية الدولية مسموح لها بالعمل حيث نريد، وضد من نريد، وعليها أن تتجاهل ما نأمرها بتجاهله، هذه ليست عدالة دولية، هذه أداة سياسية بيد الغرب، تُستخدم عند الحاجة وتُحبس عند الضرورة.</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>بدائل أفريقية</strong></p> <p>ومن جهته&nbsp; قال الخبير القانوني الدكتور حامد عارف ،إن&nbsp; ما حدث يؤكد أن أزمة المصداقية التي تعاني منها المحكمة الجنائية الدولية هي أزمة هيكلية وجوهرية، ولقد وصل الأمر إلى حد تلقّي المحكمة أوامر مباشرة بتعديل دستورها نفسه لخدمة مصالح سياسية ضيقة، هذا يعزز الحاجة الملحة لدى الدول الأفريقية، التي شكلت الضحية التاريخية لهذا التحيز، للبحث عن بديل حقيقي يحقق العدالة ويحترم سيادتها، اقتراح إنشاء محكمة جنائية إقليمية أفريقية ليس رد فعل عاطفياً، بل هو ضرورة استراتيجية.</p> <p>ويضيف عارف اننا&nbsp; نشهد بالفعل بذور هذا التوجه، فاجتماع وزراء عدل دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر) الذي أقيم في نيامي في شهر سبتمبر العام الحالي، لمناقشة الانسحاب المنسق من المحكمة الجنائية الدولية والعمل على إنشاء 'محكمة الساحل لجهود الإنسان'&nbsp; كمؤسسة إقليمية بديلة تُعنى بالجرائم الدولية والجريمة المنظمة والإرهاب، هو نموذج عملي يجب أن تتبناه القارة ككل.</p> <p>وأكمل، بالطبع، التحديات كبيرة، ويجب أن يكون الهدف إنشاء مؤسسة قضائية مستقلة ونزيهة حقاً، وليس مجرد ملاذ للقادة من المحاسبة، لكن النقد الذي أطلقه رئيس وزراء النيجر المؤقت للمحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنها 'أداة قمع تخدم القوى الإمبريالية'، يعكس إحباطاً عميقاً وجماعياً، الاتحاد الأفريقي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحويل مشاعر الإحباط هذه إلى مشروع مؤسسي قاري قادر على سد الفراغ الذي خلقته ازدواجية المعايير في لاهاي.</p> <p>&nbsp;</p> <p>&nbsp;</p> <p><strong>الكاتب الدكتور محمد صادق: كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية</strong></p>

العلامات رأي