القمة الأمريكية الإفريقية لترامب... بين الغنم والغنيمة
2025-07-07 11:14:00
<h3><strong>في الفترة من 9 إلى 11 جويلية الجاري، يستقبل البيت الأبيض رؤساء ليبيريا، غينيا بيساو، السنغال، موريتانيا والغابون. فهل هي دعوة أم استدعاء؟ الحراك الدبلوماسي لدونالد ترامب في افريقيا يبدو في خطواته الأولى، لكنه لا يخلو من رسائل واضحة.</strong></h3> <p> </p> <p>القمة الإفريقية المصغّرة، التي ستُعقد قريبا في العاصمة الأمريكية واشنطن، تأتي في سياق تحضيرات إدارة ترامب لقمة إفريقية–أمريكية أوسع مقرر تنظيمها في سبتمبر المقبل. لكن الأجندة تتجاوز هذا الموعد، إذ تدلّ المؤشرات إلى رغبة أمريكية حثيثة في إعادة ترتيب التوازنات في النصف الجنوبي للقارة الإفريقية.</p> <p>وليس الأمر مجرّد نزوة جديدة للرئيس ترامب، يحاول فيها تقمّص شخصية بسمارك. فالتفاصيل المرتبطة بهذا اللقاء، الذي سيجمع ترامب بخمسة رؤساء أفارقة، تثير أكثر من علامة استفهام. من جهة، جاء إلغاء دعوة ساحل العاج في اللحظة الأخيرة متزامنًا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية هناك. ويبدو أن واشنطن لا تفضّل دعم الرئيس الحسن واتارا، الذي يُنظر إليه على أنه أقرب إلى الأوروبيين منه إلى الأمريكيين، وذلك رغم نفوذه الدبلوماسي وحاجته للتاييد الامريكي . هذا التوجه ليس معزولًا عن سياق اللقاء، بل يتكرّر في أكثر من زاوية. فالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي دُعي أساسًا بصفته الرئيس السابق للاتحاد الإفريقي (حتى فبراير الماضي)، يبدو أنه اختير للعب دور الوسيط أو الضامن لتوازن اللقاء، في مواجهة أي تضارب محتمل في المصالح بين الحاضرين.</p> <p>في المقابل، يتشارك بقية الضيوف – جوزيف بواكاي (ليبيريا)، باسيرو فاي (السنغال)، أومارو سيسوكو إمبالو (غينيا بيساو) وبريس أوليغي نغيما (الغابون) – في طموحات دبلوماسية واضحة. كما أن دبلوماسياتهم تحظى بعلاقات مستقرة مع أغلب دول إفريقيا جنوب الصحراء، وتبدو منفتحة بشكل صريح على تعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة، سواء للخروج من العباءة الأوروبية التقليدية، أو لتوجيه رسائل تذكير لكل من الصين وروسيا، المتّهمتين باهمال التزاماتهما في القارة منذ حوالي عامين. لكل من هذه الدول أجندته الخاصة، لكن الطموح المشترك حاضر.</p> <p>أما في الولايات المتحدة، فتتناول وسائل الإعلام عشرات السيناريوهات المحتملة. بين الضغط على النفوذ الصيني في غرب إفريقيا، ومكافحة شبكات تهريب المخدرات، وتعزيز اتفاق السلام الأخير بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، أو حتى مجرد استعراض دبلوماسي "على طريقة ترامب"، في كل الاحوال تسعى إدارة الرئيس الأمريكي إلى صرف الأنظار عن تدخلاتها الأخيرة في الشرق الأوسط (دعم إسرائيل ضد إيران) وأوروبا الشرقية (تخليها عن أوكرانيا).</p> <p>فهل يمثّل هذا اللقاء بداية لإعادة صياغة الأجندة الدبلوماسية لترامب؟ أم أن القارة الإفريقية تحوّلت ببساطة إلى ساحة انتصار سهلة المنال؟ بالنظر إلى حجم التحضير والزخم السياسي، قد تكون الإجابة أكثر تعقيدًا مما يبدو.</p> <p> </p> <p><strong>ما اكثر الخلّان حين تعدهم...</strong></p> <p> </p> <p> </p> <p>يُعدّ دونالد ترامب أول رئيس أمريكي من الحزب الجمهوري ينظم قمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإفريقيا، رغم تاخرها. فخلال ولايته الأولى، لم يزر القارة سوى مرة واحدة. بل إن علاقاته مع إفريقيا كانت تتسم بنوع من الاحتقار، إلى درجة أنه وصف الدول الإفريقية بأنها «دول قذرة». حتى سفاح العراق جورج دبليو بوش قام بعشر زيارات رسمية إلى إفريقيا، وكان أكثر احترامًا في خطابه و اقل سملجة في سلوكه من ترامب. ورغم هذا الماضي، فإن ترامب اليوم يبني استراتيجيته الإفريقية على ما أسس له الرئيس الأمريكي السابق بايدن، الذي عيّن عددًا كبيرًا من السفراء في الدول التي تجاهلها ترامب خلال ولايته الاولى.</p> <p>بمعنى آخر: اهتمام ترامب بإفريقيا جنوب الصحراء جديد، ولا ينسجم كثيرًا مع نهجه المعروف.</p> <p>ومع ذلك، فإن الدفع نحو تموضع دبلوماسي جديد في القارة السوداء قد يدرّ أرباحًا كبيرة على البيت الأبيض. على سبيل المثال،اتفاق السلام حديث العهد بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، والذي أُشرف عليه مباشرة من قبل ترامب، يبدو مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بحقوق استخراج المعادن في المنطقة الحدودية بين الدولتين. ووفقًا لمعهد الولايات المتحدة للسلام (USIP)، فإن واشنطن «ستستثمر بشكل أساسي في الحزام الغني بالكوبالت والنحاس شرق الكونغو الديمقراطية». لكن ماذا يعني "الاستثمار" فعلًا؟ لا أحد يعلم. فالاتفاق غير منشور، وتفاصيله غامضة عمدًا. حتى توقيعه، الذي رُوّج له محليًا في الإعلام الأمريكي، مرّ دون اهتمام يُذكر على الصعيد الدولي.</p> <p>لذا، من غير المستبعد أن تُسفر القمة المقبلة مع القادة الأفارقة عن صفقات أخرى بذات الطابع الخفي، او بالأحرى المريب. أما القمة الإفريقية–الأمريكية في سبتمبر، فستكون – على الأرجح – مناسبة احتفاليّة "لعودة النفوذ الأمريكي في افريقيا".</p> <p>ولا بد من التذكير هنا بأن الصين منذ بدء سلسلة الانقلابات في منطقة الساحل، تخلّت عمليًا عن عدد من مشاريعها الكبرى في غرب إفريقيا. أما روسيا، ومنذ انشغالها بالحرب في أوكرانيا، فقد خفّف ممثلها "فاغنر" من حضوره في القارة. وقد أعلن هذا الأخير، مؤخرًا، انسحابه الكامل من مالي، مؤكدًا أنه "أنجز أهدافه" في "القضاء على الوجود الإرهابي". وهو تصريح لا يخلو من الشك لغرابة توقيته.</p> <p>في جميع الأحوال، يظل سياق هذا اللقاء – كمقدمة لما يُعرف بقمة إفريقيا–الولايات المتحدة – غامضًا، خاصة في ضوء المواقف الأمريكية الأخيرة تجاه القارة. فمنذ بداية ولايته الثانية، أوقف ترامب غالبية برامج المساعدات المقدّمة للدول الإفريقية، كما فرضت واشنطن حظرًا على دخول مواطني 12 دولة إفريقية إلى أراضيها. واليوم، لا تزال الإدارة الأمريكية تدرس إضافة 26 دولة إفريقية أخرى إلى قائمة حظر السفر المقبلة، التي سوف تضم 36 دولة.</p> <p> </p> <p><strong>...لكنهم في النائبات قليل</strong></p> <p> </p> <p> </p> <p>تعكس سياسة شد الحبل هذه جانبًا مألوفًا من الدبلوماسية الخشنة التي ينتهجها دونالد ترامب. وقد أثارت قراراته في حظر السفر استياءً واسعًا لدى بعض الدول الإفريقية، على غرار تشاد، التي ردّت بإجراء مماثل ضد المواطنين الأمريكيين. في المقابل، فضّلت دول أخرى، مثل مالي وليبيا، عدم الخوض في هذا الملف. أما منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فقد اعتبرت أن قرار حظر السفر الشامل لا يعدو كونه "إجراءً جديدًا مناهضًا للهجرة" من توقيع ترامب، بينما وصفت منظمة العفو الدولية هذه السياسات بأنها "تمييزية، عنصرية، وقاسية إلى أبعد حد".</p> <p>ومع ذلك، يبدو أن استراتيجية التخويف التي يعتمدها ترامب قد تؤتي أُكُلها. فالتحرك الدبلوماسي الأمريكي جرى ترتيبه بعناية. ومن الإنصاف القول إن ترامب، سواء في ملف أوكرانيا أو إيران، عرف دائمًا كيف يفاوض من موقع قوة. وإذا استمر في التزامه بنهجه المعتاد، فمن المرجح أن يطالب كل دولة مشاركة في القمة بتقديم تنازل واضح، مقابل تعويض رمزي أو محدود.</p> <p>فبالنسبة إلى الدول الحبيسة في غرب إفريقيا، قد تعرض واشنطن إقامة قواعد عسكرية جديدة مقابل تسهيلات تجارية. أما دول خليج غينيا، فلن يتردد ترامب في تحدي المصالح الفرنسية أو الأوروبية عمومًا في المنطقة، خاصة في ظل الشكوك المحيطة بمدى التزام الأوروبيين بتمويل حلف الناتو، كما تطالب به واشنطن. وبالنسبة إلى رؤساء الدول الذين سيحضرون الاجتماعات من 9 إلى 11 جويلية، فسيكون الأمر قبل كل شيء عرض قوة، يهدف إلى جسّ نبض "المزاج الإفريقي" قبل قمة قد تحمل في طياتها مفاجآت غير متوقعة.</p> <p>وهناك ملف آخر لا يقل أهمية بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية: اختبار ولاء ممثليها الدبلوماسيين في القارة، إلى جانب إعادة تثبيت الحضور السياسي الأمريكي في إفريقيا. فعلى مدى عقد من الزمن، اكتفى الأمريكيون بلعب دور الداعم الخلفي، تاركين الأوروبيين في واجهة الدفاع عن المصالح الجيوستراتيجية الغربية. والنتيجة كانت فشلًا ذريعًا: ففرنسا، التي كانت القوة العسكرية الغربية الأولى في الساحل الافريقي، طُردت من منطقة نفوذها، دولة تلو الأخرى، بفعل سلسلة من الانقلابات العسكرية. مالي، تشاد، غينيا، بوركينا فاسو، النيجر... كلها شهدت تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب والإجراءات المناهضة لفرنسا اثر تفعيل حكم العسكر.</p> <p>ومن الواضح أن الولايات المتحدة تسعى اليوم إلى تحقيق هدفين في آن واحد: إعادة تثبيت الحضور الغربي في المنطقة، والاستفادة من المدّ المعادي لفرنسا لتحقيق بعض الأرباح الاقتصاديّة. ومع تراجع الحضور الروسي في بعض الدول، يبدو أن ترامب مصمم على اغتنام الفرصة. ويبقى السؤال: هل ستتكتّل الدول الإفريقية المشاركة في موقف موحّد؟ هل أنها، في لحظة وعي، قد تدرك أن ما يُقدَّم لها ليس أكثر من مطالب انتهازية في مرحلة قلّ فيها الحلفاء؟</p> <p> </p> <p>بقلم. نزار الجليدي كاتب و محلل سياسي</p>
من السويس إلى طهران: الحرب على إيران وتصدّع النظام الدولي
2026-03-04 10:44:00
<p> </p> <p><span style="color: #e03e2d;"><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></span></p> <p> </p> <p><em><strong>القوة العسكرية، الجغرافيا الاستراتيجية، وأزمة الشرعية في النظام العالمي</strong></em></p> <p><em><strong>حرب تكشف بنية القوة في العالم</strong></em></p> <h2>نادراً ما تسقط الإمبراطوريات في لحظة واحدة مدوية.فالتاريخ لا يعمل وفق مشاهد درامية مفاجئة، بل وفق تآكلات بطيئة تتكشف عبر سلسلة من الأزمات التي تبدو في بدايتها محدودة أو عابرة.</h2> <p>غالباً ما تبدأ نهاية الإمبراطوريات بحروبٍ تُقدَّم للرأي العام بوصفها ضرورية، أو حتمية، أو دفاعية.</p> <p>لكن هذه الحروب نفسها تتحول لاحقاً إلى لحظات كاشفة لبنية القوة التي قامت عليها تلك الإمبراطوريات.</p> <p>الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 ضد إيران قد تبدو اليوم مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، إقليماً اعتاد العالم أن يراه ساحة أزمات متكررة.</p> <p>غير أن قراءة أعمق تشير إلى احتمال مختلف: أن هذه الحرب ليست مجرد صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.</p> <p>فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإيران أو بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، بل بالبنية الكاملة للنظام العالمي الذي قام طوال ثلاثة عقود على فرضية مركزية واحدة:</p> <p>أن القوة العسكرية والاقتصادية الغربية كافية لضمان استقرار النظام الدولي.</p> <p>لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الدولية لا تسقط حين تفقد قوتها فجأة، بل حين تبدأ شرعيتها في التآكل.</p> <p> </p> <p> </p> <h3>الخليج: معادلة الأمن التي كشفت الحرب حدودها</h3> <p>لأكثر من أربعين عاماً قامت منظومة الأمن في الخليج العربي على معادلة بسيطة ظاهرياً لكنها عميقة الأثر في بنية الاقتصاد العالمي:</p> <p>الطاقة مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.</p> <p>وفرت الولايات المتحدة مظلة أمنية واسعة لدول الخليج من خلال شبكة قواعد عسكرية وتحالفات دفاعية، فيما ضمنت هذه الدول استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.</p> <p>وقد شكّل هذا الترتيب أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي.</p> <p>لكن الحرب الحالية كشفت أن هذه المعادلة ليست بالصلابة التي بدت عليها لعقود.</p> <p>فالبنية التحتية التي مثلت رمز الاستقرار الاقتصادي — القواعد العسكرية، الموانئ النفطية، مراكز الطاقة — تحولت فجأة إلى نقاط تعرض استراتيجية.</p> <p>لقد أرسلت إيران رسالة جيوسياسية واضحة:</p> <p>الدول التي تستضيف أدوات القوة العسكرية الكبرى لا يمكنها في الوقت نفسه أن تدّعي الحياد في الصراعات الإقليمية.</p> <p>وهكذا تحولت شبكة الازدهار الاقتصادي في الخليج إلى شبكة أهداف محتملة في معادلة الحرب الحديثة.</p> <p> </p> <h3>مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح</h3> <p>في قلب هذه الأزمة يقف أحد أهم المفاصل الجغرافية في العالم المعاصر: مضيق هرمز.</p> <p>هذا الممر البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه خمسين كيلومتراً يشكل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.</p> <p>يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.</p> <p>وتتجه غالبية هذه التدفقات نحو الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية.</p> <p>في عالم يعتمد على تدفق مستمر للطاقة، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر حاسم في معادلة القوة.</p> <p>ولهذا السبب ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم عناصر الردع غير المتكافئ في العقيدة العسكرية الإيرانية.</p> <p>فالسيطرة الكاملة على المضيق ليست شرطاً لتعطيل دوره الاستراتيجي.</p> <p>يكفي خلق مستوى من التهديد وعدم الاستقرار لرفع تكاليف التأمين البحري وتعطيل جزء من حركة الملاحة.</p> <p>وفي نظام اقتصادي شديد الحساسية للطاقة، يمكن لاضطراب محدود في هذا الممر أن ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية.</p> <p>وهكذا تتحول الجغرافيا — التي غالباً ما تبدو ثابتة ومحايدة — إلى أحد أكثر أدوات القوة فعالية في السياسة الدولية.</p> <p> </p> <h3>السويس وفيتنام: حين تكشف الحروب حدود القوة</h3> <p>التاريخ يقدم أمثلة واضحة على لحظات كشفت فيها الحروب حدود القوة الإمبراطورية.</p> <p>أزمة السويس عام 1956 بدت في بدايتها محاولة عسكرية محدودة من بريطانيا وفرنسا لاستعادة السيطرة على قناة السويس بعد تأميمها من قبل جمال عبد الناصر.</p> <p>لكن تلك الأزمة انتهت بانسحاب القوتين الاستعماريتين تحت ضغط دولي، معلنة عملياً نهاية مرحلة الهيمنة الإمبراطورية الأوروبية.</p> <p>أما حرب فيتنام فقد شكلت اختباراً مختلفاً للقوة الأمريكية خلال الحرب الباردة.</p> <p>فبالرغم من التفوق العسكري الهائل والقدرات التكنولوجية المتقدمة، لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض حل سياسي مستقر.</p> <p>في الحالتين كان الدرس واضحاً:</p> <p>القوة العسكرية قد تحسم معركة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نظام دولي مستقر.</p> <p> </p> <h3>عالم يتغير: عودة التعددية القطبية</h3> <p>تأتي الحرب الحالية في لحظة تشهد فيها بنية النظام العالمي تحولات عميقة.</p> <p>فالصين أصبحت أكبر قوة تجارية في العالم وأكبر مستورد للطاقة، بينما أظهرت روسيا قدرة على مقاومة الضغوط الغربية رغم العقوبات الواسعة.</p> <p>وفي الوقت نفسه تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي.</p> <p>هذه التحولات تشير إلى أن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازنات القوة العالمية.</p> <p>لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي.</p> <p>بل أصبح أقرب إلى نظام متعدد المراكز، تتنافس فيه قوى كبرى وإقليمية على إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.</p> <p> </p> <h3>الحضارات وشرعية القوة</h3> <p>هنا يبرز البعد الفكري الذي تنبّه إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في تحليله لدورات الحضارات.</p> <p>فالحضارات — كما يرى بن نبي — لا تنهار عندما تفقد أدوات القوة المادية، بل عندما تفقد الفكرة التي تمنح تلك القوة معناها.</p> <p>يمكن لنظام دولي أن يحتفظ بترسانة ضخمة من أدوات الهيمنة: الجيوش، والأساطيل، والهيمنة المالية، والنفوذ الإعلامي.</p> <p>لكن إذا بدأت شرعيته الفكرية والأخلاقية في التآكل، فإن قوته تتحول تدريجياً من نظام مقبول إلى هيمنة مفروضة.</p> <p>وعندما يحدث ذلك، يبدأ التصدع الحقيقي في بنية النظام.</p> <p> </p> <h3>خاتمة: لحظة اختبار للنظام الدولي</h3> <p>نادراً ما يدرك المعاصرون أنهم يعيشون لحظة تحول تاريخي.</p> <p>الأحداث التي تعيد تشكيل العالم لا تعلن عن نفسها بوضوح عندما تبدأ.</p> <p>إنها تظهر أولاً في شكل أزمات تبدو عادية أو مؤقتة.</p> <p>الحرب ضد إيران قد تكون واحدة من تلك اللحظات.</p> <p>فهي لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه.</p> <p>السؤال لم يعد فقط من سينتصر في هذه الحرب.</p> <p>السؤال الحقيقي هو:</p> <p>هل يستطيع النظام الدولي الذي أطلق هذه الحرب أن يستمر في عالم بدأ يفقد الثقة في شرعيته؟</p> <p> </p>
من الجزائر 1830 إلى غزة وميناب: أزمة أخلاقية في النظام الدولي
2026-03-02 12:08:00
<p><span style="color: #e03e2d;"><em><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></em></span></p> <p> </p> <h2>> «إنّ المُستعمَر حين يكتب التاريخ، يكتبه باعتباره قصة شعبٍ سُرقت منه الحقيقة منهجيًا.» — فرانتز فانون</h2> <h3>أبسط اختبار</h3> <p>هناك اختبار بسيط لصدق أي نظام دولي:</p> <p>أن يُطبَّق المعيار الأخلاقي والقانوني نفسه على الفعل نفسه، بغضّ النظر عمّن ارتكبه.</p> <p>لو سقط صاروخ على مدرسة في واشنطن أو باريس أو لندن، وقتل طفلًا واحدًا، لكانت الكلمة فورية: إرهاب.</p> <p>لاجتمعت المجالس، وارتفعت الإدانات، وانعقدت جلسات الطوارئ.</p> <p>لكن حين تُقصف المدارس في أماكن أخرى، يتغيّر المعجم.</p> <p>"أضرار جانبية."</p> <p>"تعقيد عملياتي."</p> <p>"خلل استخباراتي."</p> <p>القانون لا يتغيّر.</p> <p>الطفل لا يتغيّر.</p> <p>الذي يتغيّر هو العَلَم.</p> <p>وهنا تظهر الهرمية.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3>حين تتكيّف اللغة مع القوة</h3> <p>منذ أكتوبر 2023، تعرّضت غزة لإحدى أعنف حملات القصف في العصر الحديث. وثّقت وكالات الأمم المتحدة تدميرًا متكررًا للبنية المدنية، بما في ذلك مدارس كانت تؤوي نازحين. حذّرت اليونيسف من الأذى غير المتناسب الذي لحق بالأطفال، وأثارت منظمات حقوقية كبرى مخاوف جدية بشأن احترام مبادئ التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني.</p> <p>استهداف المدنيين — من أي طرف كان — جريمة.</p> <p>هذا مبدأ لا يقبل الانتقائية.</p> <p>حقّ الدفاع عن النفس معترف به، لكنه لا يُعلّق مبادئ التمييز أو التناسب أو الاحتياط المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف.</p> <p>في 28 فبراير 2026، استُهدفت مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب بإيران خلال عمليات عسكرية أمريكية إسرائيلية. تم التحقق من مشاهد الدمار عبر وسائل إعلام دولية. ووفق السلطات الإيرانية، قُتل ما لا يقل عن 148 شخصًا، غالبيتهم من الأطفال. وأدانت اليونسكو الهجوم بوصفه انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.</p> <p>قيل إنّ التحقيق جارٍ.</p> <p>قيل إنّ التقارير قيد التحقق.</p> <p>وقيل إنّ العملية تمثل "لحظة وضوح أخلاقي".</p> <p>وضوح أخلاقي فوق أنقاض مدرسة.</p> <p>التطبيع هو بداية التآكل.</p> <p> </p> <h3>منهج الجزائر</h3> <p>الجزائر تعرف هذا النمط جيدًا.</p> <p>عام 1830 سُمّي الغزو "رسالة حضارية".</p> <p>سُمّيت المجازر "تهدئة".</p> <p>وخلال ثورة التحرير وُصِف المقاوم بالإرهابي.</p> <p> </p> <h3>اللغة كانت أول احتلال.</h3> <p>تحدث مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار، لا بوصفها احتلالًا عسكريًا فقط، بل بوصفها تبنّيًا داخليًا لتعريفات المستعمِر ومعاييره.</p> <p>وقبل قرون، لاحظ ابن خلدون أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، حتى في رؤيته للعالم وأحكامه.</p> <p>من يعرّف الإرهاب؟</p> <p>من يحدّد الدفاع المشروع؟</p> <p>من يضع حدود التناسب؟</p> <p>حين تُصنَّف الأفعال ذاتها تصنيفات مختلفة بحسب موقع الفاعل الجيوسياسي، تسقط الكونية وتظهر الهرمية.</p> <p>أوضح محمد حربي أن هذا التحليل ليس حنينًا قوميًّا، بل قراءة بنيوية لآليات السلطة.</p> <p>الجزائر لا تستحضر تاريخها لتستدرّ العاطفة، بل لتقدّم منهجًا في الفهم.</p> <p> </p> <h3>سياسة الحداد</h3> <p>يرى أشيل مبيمبي أن السيادة لا تعني فقط حق القتل، بل حق تحديد من يُحزن عليه ومن يُختزل في رقم.</p> <p>حين يموت طفل في عاصمة غربية، يصبح اسمه حدثًا، وصورته رمزًا، وذكراه طقسًا جماعيًا.</p> <p>حين يموت أطفال في غزة أو ميناب، يتحولون إلى أرقام في بيان عسكري.</p> <p>هذه ليست مصادفة، بل بنية قائمة.</p> <p>بيّن محمود ممداني كيف تُلصق صفة الإرهاب أو المقاومة وفق خطوط التحالف، لا وفق طبيعة الفعل ذاته.</p> <p>وكشف إيميه سيزير أن الخطاب الإنساني الغربي حمل في داخله استثناءً بنيويًا منذ نشأته.</p> <p>ومع ذلك، يبقى المبدأ ثابتًا:</p> <p>قتل المدنيين جريمة، مهما كان الفاعل ومهما كان الشعار.</p> <p> </p> <h3>القانون والسلطة</h3> <p>اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي ليست شعارات، بل نصوص ملزمة.</p> <p>أوضح أنتوني أنغي أن القانون الدولي الحديث نشأ في سياق استعماري منحاز.</p> <p>وأشار محمد بجاوي إلى أن القانون يعكس ميزان القوى لحظة صياغته.</p> <p>وبيّن ب. س. تشيمني أن الانتقائية ليست خللًا عرضيًا، بل سمة بنيوية في النظام الدولي.</p> <p>الكونية لا تُعلن بالبيانات.</p> <p>الكونية تُختبر في التطبيق.</p> <p>إذا طُبّق القانون على الخصوم وأُعفي الحلفاء، تحوّل إلى أداة.</p> <p> </p> <h3>ثمن الازدواجية</h3> <p>تطبيق القانون الإنساني ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل مسألة استقرار عالمي.</p> <p>حين تتبدّل المعايير بحسب الحليف والخصم، تتآكل الشرعية.</p> <p>القوة قد تفرض الامتثال، لكنها لا تصنع قناعة دائمة.</p> <p>أوضح بارثا تشاتيرجي أن هناك شعوبًا تُدرج نظريًا ضمن الكونية، لكنها تُستبعد عمليًا من حمايتها.</p> <p>الأنظمة لا تنهار دائمًا بانفجار.</p> <p>أحيانًا تنهار حين يسحب الناس ثقتهم.</p> <p>ذكّرنا نغوجي واثيونغو بأن من يملك تعريف الجريمة والفضيلة، يملك تعريف الوجود السياسي نفسه.</p> <p> </p> <p> </p> <h3>معيار واحد… أو لا شيء</h3> <p>غزة وميناب حالتان مختلفتان في السياق، ولكل منهما تحقيقها ومسؤوليتها.</p> <p>لكن السؤال واحد:</p> <p>هل يُطبَّق القانون على الفعل، أم على الفاعل؟</p> <p>إن كان على الفعل، فالمدرسة مدرسة،</p> <p>والطفل طفل،</p> <p>والتحليل القانوني لا يتبدّل بتبدّل الراية.</p> <p>وإن كان على الفاعل، فلنعترف أن الكونية مجرد ادّعاء.</p> <p>المعايير موجودة.</p> <p>لا تحتاج إلى اختراع.</p> <p>تحتاج إلى شجاعة في التطبيق.</p> <p> </p> <h3>تذكير أخلاقي</h3> <p>الإسلام دين واحد في جوهره، مهما اختلفت الاجتهادات وتعددت التأويلات.</p> <p>والأصل فيه واضح في حرمة الدم البريء:</p> <p>﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.</p> <p>الميزان واحد.</p> <p>والحرمة واحدة.</p> <p>والعدل لا يتجزأ.</p> <p> </p> <h3>الانتقائية ليست اجتهادًا فقهيًا.</h3> <p>هي انحراف أخلاقي.</p> <p>وفي ميزان الحق،</p> <p>لا تُوزن الرايات،</p> <p>بل تُوزن الأرواح.</p> <p>والحرج السياسي ليس عذرًا.</p> <p>إنه — في لغة القانون — أمر غير ذي صلة.</p>