العالم بعد غدٍ..حرب إيران وأزمة الوهم الاستراتيجي
2026-03-11 10:07:00
<p><span style="color: #2dc26b;"><em><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></em></span></p> <h2>الحروب لا تغيّر الخرائط فقط. إنها تغيّر أيضاً الأفكار التي بُنيت عليها تلك الخرائط، والأوهام التي جعلت بناءها ممكناً.</h2> <p>عندما اندلعت الحرب على إيران، قُدّمت للرأي العام العالمي باعتبارها عملية عسكرية ضرورية لإعادة فرض الردع في الشرق الأوسط. قيل إنها حرب محدودة، محسوبة النتائج، تهدف إلى تصحيح ميزان القوى وإعادة الاستقرار إلى منطقة طالما وُصفت بأنها الأكثر اضطراباً في العالم.</p> <p>غير أن التاريخ علّمنا — مراراً وبثمن باهظ — أن الحروب الكبرى نادراً ما تكون مجرد عمليات عسكرية. فهي لحظات كاشفة تُظهر ما كان مخفياً، وتكشف حدود القوة، وتدفع الأنظمة إلى مواجهة تناقضاتها العميقة.</p> <p>ولهذا فإن الحرب على إيران — أياً كانت نتائجها الميدانية — تطرح سؤالاً أعمق من أسئلة الخرائط والحدود: هل نحن أمام نهاية نظام دولي؟ وهل ما يجري في الشرق الأوسط اليوم هو مقدمة لعالم ما بعد غدٍ؟</p> <p> </p> <h3>أولاً: وهم السيطرة — حين تكذب القوة على نفسها</h3> <p>لعقود طويلة، قامت الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط على افتراض بسيط في صياغته، عميق في نتائجه: أن التفوق العسكري كفيل بالتحكم في مسار الأحداث. كانت الفكرة واضحة: يمكن استخدام القوة لإعادة ضبط التوازنات، واحتواء الخصوم، ومنع الحروب الكبرى.</p> <p>غير أن التاريخ الحديث كشف مراراً حدود هذا التصور. ففي العراق عام 2003، انهار النظام خلال أسابيع، لكن النظام الإقليمي كله دخل مرحلة طويلة من الفوضى الاستراتيجية. وفي أفغانستان، امتلكت أقوى قوة عسكرية في العالم القدرة على إسقاط نظام، لكنها لم تستطع فرض نظام مستقر مكانه، فانسحبت بعد عشرين سنة تاركةً الأرض كما وجدتها، أو أشد اضطراباً.</p> <p>أما في حالة إيران، فالمعادلة أكثر تعقيداً.</p> <p>إيران ليست دولة هشة مثل أفغانستان، ولا دولة تعبت من حصارها مثل العراق. إنها دولة عريقة بذاكرة حضارية تمتد على مدى آلاف السنين، ولديها بنية ردع متعددة المستويات: منظومات صواريخ دقيقة تطال عمق الخليج وإسرائيل وأجزاء من أوروبا، وشبكة من الوكلاء الإقليميين توفر لها عمقاً استراتيجياً من بيروت إلى صنعاء، فضلاً عن شعب اعتاد على الضغط ولم تُفلح العقوبات الاقتصادية على مدى عقود في كسر إرادته.</p> <p>وقد كتب المفكر الواقعي الأمريكي هانز مورغنثاو في كتابه الكلاسيكي</p> <p>«السياسة بين الأمم» أن القوة وحدها لا تكفي لصنع النظام؛ فالنظام يحتاج إلى شرعية، والشرعية لا تُفرض بالقوة بل تُكتسب بالتوافق.</p> <p>وهذا بالضبط ما يغيب عن الوهم الاستراتيجي الغربي في الشرق الأوسط: التصور بأن كل مشكلة قابلة للحل العسكري، وأن الأمن يُبنى بالضربات لا بالسياسة.</p> <p> </p> <h3>ثانياً: دروس التاريخ — من السويس إلى طهران</h3> <p>ليست هذه المرة الأولى التي تكشف فيها حرب في الشرق الأوسط حدود القوة. والتاريخ يقدم لنا ثلاث لحظات مفصلية تُضيء المشهد الراهن.</p> <p>اللحظة الأولى: أزمة السويس 1956.</p> <p>عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، ردّت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعملية عسكرية مشتركة. حققت الجيوش تدخلاً سريعاً وسيطرت على القناة، لكن الضغط الدولي — وتحديداً الضغط الأمريكي والسوفيتي معاً — أجبرها على الانسحاب. وانتهت الأزمة بانتصار دبلوماسي للقاهرة رغم هزيمتها العسكرية النسبية. الدرس كان واضحاً: التفوق العسكري لا يُترجم آلياً إلى سيطرة سياسية.</p> <p>اللحظة الثانية: حرب الأيام الستة 1967.</p> <p>جاءت هذه الحرب لتشكّل لحظة مفصلية أخرى، أشد إيلاماً وأعمق أثراً. فخلال ستة أيام، انهارت الجبهات العربية أمام الجيش الإسرائيلي في واحدة من أسرع وأعمق الهزائم العسكرية في تاريخ المنطقة الحديث.</p> <p>غير أن ما يستحق التأمل اليوم ليس الهزيمة العسكرية فحسب، بل الروح التي استجابت بها الأمة لهذه الهزيمة. فقد شاركت الجزائر — التي لم يمضِ على استقلالها سوى خمس سنوات، وكانت لا تزال تلملم جراح مئة وثلاثة وثلاثين عاماً من الاستعمار — في دعم الجبهة العربية. أرسلت طائرات ووحدات عسكرية رمزية، وفتحت أجواءها وموانئها، وقدمت دعماً سياسياً ومادياً في إطار تضامن عربي نابع من قناعة وليس من مصلحة حسابية.</p> <p>كان ذلك تعبيراً عن روح مرحلة كاملة من التاريخ العربي، حين كانت الجزائر ترى في الدفاع عن القضايا العربية امتداداً طبيعياً لمعركتها الخاصة ضد الاستعمار. وكان الرئيس هواري بومدين يؤمن بأن تحرر الجزائر ناقص ما لم يكتمل بتحرر المنطقة.</p> <p>اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، تبدو خريطة التضامن مختلفة تماماً. تتحرك الدول وفق حسابات المصلحة الضيقة، وتغيب لغة الانتماء المشترك، وتبرز تحالفات جديدة لا تجمعها قيم بل مصالح عابرة. وهذا التحول في بنية التضامن هو نفسه جزء من «أزمة الوهم الاستراتيجي».</p> <p>اللحظة الثالثة: حرب لبنان 2006.</p> <p>لم تنتهِ بانتصار عسكري واضح. وقد وصف وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك أمير بيريتس ما جرى بالقول إن الحرب لم تُنجز أهدافها الكاملة. كان ذلك أول اعتراف رسمي بأن منظومة غير نظامية — حزب الله — استطاعت مقاومة جيش نظامي من أكثر الجيوش تسليحاً وتدريباً في المنطقة. وقد فتح ذلك الباب أمام قراءة جديدة لمعادلات الردع والقوة.</p> <p> </p> <h3>ثالثاً: أزمة الوهم الاستراتيجي — حين تنكسر المعادلات</h3> <p>إن ما تكشفه الحرب على إيران ليس مجرد صراع عسكري جديد في منطقة مضطربة. إنه ما يمكن تسميته: أزمة الوهم الاستراتيجي. أي الاعتقاد المتجذر بأن القوة العسكرية قادرة وحدها على التحكم في مصير منطقة بالغة التعقيد كالشرق الأوسط، وأن الإرادة السياسية يمكن فرضها بالضربات الجوية.</p> <p>وهذا الوهم له ثلاثة أبعاد متشابكة:</p> <p>البُعد الأول: الوهم التكنولوجي.</p> <p>لقد قلّصت التكنولوجيا العسكرية الجديدة — من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة الرخيصة، مروراً بالحرب الإلكترونية — الفجوة بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين. الطائرة المسيّرة التي تكلف بضعة آلاف من الدولارات قادرة على ضرب منشأة نفطية تساوي مليارات. والصاروخ البالستي المتوسط المدى بات في متناول جهات لم تكن قبل عقدين تملك حتى مدفعية متطورة. في مثل هذا العالم، لم يعد التفوق العسكري يعني السيطرة الكاملة.</p> <p>البُعد الثاني: الوهم الجغرافي.</p> <p>الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى في حدودها. حرب اليمن أشعلت الخليج. حرب سوريا أعادت تشكيل المشهد من البحر المتوسط إلى العراق. الحرب على إيران — أياً كانت حدتها — لن تبقى حرباً ثنائية. إنها ستمتد إلى الخليج ولبنان وسوريا والعراق، وربما تصل موجاتها إلى باب المندب وبحر العرب. الجغرافيا في هذا الجزء من العالم لا تسمح بالحروب المعقمة.</p> <p>البُعد الثالث: الوهم الزمني.</p> <p>الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي بالتوقيع على صك الاستسلام. إنها تتحول إلى حروب استنزاف ممتدة، تتراكم فيها التكاليف وتتآكل فيها الإرادات. أفغانستان نموذج، ولكن إيران ستكون أشد تعقيداً، لأن إيران دولة — بمؤسسات وعقيدة وشعب وذاكرة — لا مجرد تنظيم يمكن قطع رأسه.</p> <p>وقد لاحظ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في ملاحظة ظلت صالحة عبر الزمن:</p> <p>«الحضارات لا تسقط عندما يشتد ضغط الأعداء الخارجيين، بل عندما تفشل نخبها في قراءة التحولات التي تعيد رسم قواعد اللعبة. الخطر الحقيقي هو الجمود الإدراكي، وهم السيطرة الذي يُعمي عن الواقع المتحول.»</p> <p>وهذا الدرس لا ينطبق فقط على الحضارات، بل على الأنظمة الدولية والاستراتيجيات الكبرى أيضاً.</p> <p> </p> <h3>رابعاً: يقظة المنطقة — نحو استراتيجية السيادة</h3> <p>لكن الحرب كشفت أيضاً تحولاً آخر، أقل ضجيجاً لكنه أعمق دلالة.</p> <p>فبعد عقود طويلة كانت فيها قضايا الشرق الأوسط تُدار في واشنطن وموسكو ولندن وباريس، بدأت دول المنطقة نفسها تسعى إلى صياغة سياسات أكثر استقلالاً. والأمثلة لا تُعدّ:</p> <p>فالمملكة العربية السعودية التي ظلت عقوداً في كنف الحماية الأمريكية المطلقة، باتت تتحدث اليوم مع بكين وموسكو وتتفاوض على أمنها الاقتصادي بمعزل عن أجندة واشنطن. وتركيا العضو في حلف الناتو تشتري صواريخ س-400 الروسية وتبني سياسة خارجية تقوم على الغموض الاستراتيجي المحسوب. وحتى الإمارات التي كانت تُعدّ نموذجاً للحليف الوفي، باتت تُبيّض علاقاتها مع الصين دون أن تطلب إذناً.</p> <p>هذه ليست مجرد تحولات دبلوماسية تكتيكية. إنها علامات على يقظة استراتيجية عميقة: إدراك متزايد بأن الاعتماد على راعٍ خارجي وحيد يجعل الدولة رهينة لحسابات ذلك الراعي وتقلباته.</p> <p>وقد سرّعت الحرب على إيران هذه اليقظة. فكثير من دول المنطقة أدركت أن الصراع بين القوى الكبرى يمكن أن يتحول بسرعة إلى حريق يُخاض فوق أراضيها، وأن ضمانات الأمن الخارجية تتلاشى لحظة تعارضت مع المصالح الكبرى. في مثل هذا السياق، يصبح البحث عن الاستقلال الاستراتيجي ليس رفاهية سياسية، بل مسألة بقاء.</p> <p>والجزائر — بموقعها الجيوسياسي الفريد وتاريخها في عدم الانحياز — لديها ما تقوله في هذا السياق. فقد اختارت منذ استقلالها مساراً مختلفاً: الانحياز لمبادئ لا لمحاور، والبناء على ثوابت السيادة لا على حسابات الزبائنية. وهذا الموروث الاستراتيجي، الذي كثيراً ما يُوصف خطأً بالحياد، هو في الحقيقة خيار سيادي نابع من تجربة تاريخية عميقة.</p> <p> </p> <h3>خامساً: العالم بعد غدٍ — ملامح نظام قادم</h3> <p>ربما ستختفي هذه الحرب تدريجياً من عناوين الأخبار. ستعود البيانات الدبلوماسية، وستُعقد اتفاقيات وقف إطلاق النار، وسيُقال إن الردع قد عاد إلى المنطقة. لكن التاريخ لا ينسى اللحظات التي تنهار فيها الأوهام.</p> <p>فما الذي تتركه هذه الحرب خلفها؟</p> <p>تتركه أولاً: نظام دولي في طور إعادة التشكّل. النظام أحادي القطب الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي كان يقوم على قناعة بأن الهيمنة الأمريكية ستضمن الاستقرار. غير أن حروب العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، ثم الصعود الصيني، جميعها مجتمعة أفضت إلى تحوّل نحو نظام تعددي المراكز، تتنافس فيه قوى متعددة دون أن تتوافق على قواعد مشتركة للعبة.</p> <p>تتركه ثانياً: شرق أوسط يبحث عن معادلة جديدة. المنطقة التي عرفها العالم لعقود — تحكمها محاور ثابتة وتديرها هواجس الرعاة الخارجيين — بدأت تتغير بنيوياً. العلاقة السعودية-الإيرانية في طور إعادة التعريف. تركيا في طور إعادة رسم دورها الإقليمي. ودول الخليج تبحث بشكل متزايد عن ضمانات أمنها خارج الحليف الأمريكي الأوحد.</p> <p>تتركه ثالثاً: أزمة القانون الدولي. الحرب على إيران — أياً كانت مبرراتها المُعلنة — تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام ميثاق الأمم المتحدة، وحول ازدواجية المعايير التي باتت تُقوّض مصداقية المنظومة الدولية بأسرها. فإذا كان القانون الدولي لا يُطبَّق بالتساوي، فهو لم يعد قانوناً بل غطاءً للقوة.</p> <p>وفي مثل هذا العالم، يصبح الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون أكثر راهنية حين كتب:</p> <p>«السياسة الدولية هي دائماً سياسة القوة، لكن القوة دون مشروعية مصيرها الأفول. الدول التي تبني هيمنتها على القوة وحدها تبني على الرمال؛ والدول التي تبنيها على القانون والتوافق تبني على صخر.»</p> <p>وهذا الدرس هو الأهم في العالم بعد غدٍ.</p> <p> </p> <h3>خاتمة: حين يُواجه التاريخ أوهامه</h3> <p>الأهمية الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في المعارك التي خيضت خلالها، ولا في خسائر الطرفين، ولا حتى في خرائط ما بعد وقف إطلاق النار.</p> <p>إنها تكمن في الحقيقة التي كشفتها:</p> <p>أن القوة المجردة من الشرعية مآلها الأفول.</p> <p>وأن الأنظمة التي تقوم على الوهم الاستراتيجي تحمل في بنيتها بذور أزمتها.</p> <p>وأن الشرق الأوسط الذي عرفه العالم لعقود طويلة بدأ يتغير — ببطء أحياناً، وبسرعة مفاجئة أحياناً أخرى.</p> <p>وأن النظام الدولي الذي بدا ثابتاً بعد الحرب الباردة لم يعد كما كان.</p> <p> </p> <p>الحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط فقط.</p> <p>بل تغيّر الطريقة التي يرى بها العالم نفسه.</p> <p>وتغيّر الأوهام التي جعلت تلك الخرائط ممكنة.</p> <p> </p> <p>ولعل أصعب ما تفرضه لحظات التاريخ الكبرى على صانعيها هو أن يواجهوا — أخيراً — الفجوة بين ما أرادوا وما صنعوا.</p>
اليَمِينُ زَرُّوَال.. الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ أَحَداً
2026-03-29 10:37:00
<p><em><span style="color: #e03e2d;"><strong>**بقلم: لعلى بشطولة**</strong></span></em></p> <h2> </h2> <h2> مَاتَ أَمْسِ</h2> <h2>لَيْسَ كَأَيِّ مَوْتٍ.</h2> <h2>مَاتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكَ السُّلْطَةَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ. مَاتَ الَّذِي قَالَ لِأَمْرِيكَا لَا وَعَادَ إِلى بَيْتِهِ. مَاتَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ قَصْرِ المُرَادِيَّةِ بِنَفْسِ مَا دَخَلَ بِهِ: لَا شَيْءَ غَيْرَ شَرَفِهِ.</h2> <h2>مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال. وَانْتَهَى مَعَهُ جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ. لَيْسَ جِيلَ المَوَالِيدِ. بَلْ جِيلُ مَنْ يَعْرِفُونَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: وَاجِبٌ.</h2> <h2> </h2> <p> </p> <h3> في الاسْمِ وَصِيَّةٌ</h3> <p>«زَرُّوَال» —بِلُغَةِ الأَوْرَاسِ الأَمَازِيغِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَمُتْ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ— تَعْنِي: صَاحِبُ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. أَيْ مَنْ يَحْمِلُ في عَيْنَيْهِ لَوْنَ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَطِيرُ، يَبْقَى رَجُلَ الأَرْضِ وَالطِّينِ وَالجِبَالِ.</p> <p> </p> <p>وَ«اليَمِين» —بِالعَرَبِيَّةِ— هُوَ القَسَمُ، وَهُوَ اليَدُ اليُمْنَى الَّتِي يُمَدُّ بِهَا لِلْعَهْدِ، وَهُوَ الجِهَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا البَرَكَةُ.</p> <p> </p> <p>حِينَ سَمَّاهُ وَالِدَاهُ عَامَ 1941 —وَالجَزَائِرُ لَا تَزَالُ تَئِنُّ تَحْتَ الاحْتِلَالِ— لَمْ يَضَعَا لَهُ اسْماً. وَضَعَا لَهُ مَسَاراً.</p> <p> </p> <p>فَكَانَ المَسَارُ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الأَوْرَاسُ لَا يَكْذِبُ</h3> <p>وُلِدَ بِبَاتِنَةَ، فِي قَلْبِ الأَوْرَاسِ. ذَلِكَ الجَبَلُ الأَشَمُّ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَنْحَنِيَ أَمَامَ رُومَا حِينَ قَاوَمَهَا تَاكْفَارِيناسُ دَماً ومَجْداً، وَأَمَامَ الفَاتِحِينَ حِينَ تَصَدَّتْ لَهُمُ الكَاهِنَةُ بِعِزِّ المَرْأَةِ الحُرَّةِ، وَأَمَامَ فَرَنْسَا الكُبْرَى حِينَ انْبَثَقَتِ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِنُوفَمْبِرَ 1954 مِنَ الشَّعَابِ وَالوِدْيَانِ.</p> <p> </p> <p>الأَوْرَاسُ لَيْسَ جُغْرَافِيَا. هُوَ جِينٌ وِرَاثِيٌّ في رُوحِ الجَزَائِرِ.</p> <p> </p> <p>وَمَنْ تَنْبُتُ أَصَابِعُهُ في طِينِهِ، يَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَا تُعَلِّمُهُ المَدَارِسُ وَلَا تَصُوغُهُ الأَكَادِيمِيَّاتُ: الكِبْرِيَاءُ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ، وَالصَّمْتُ الَّذِي يَقُولُ أَكْثَرَ مِنَ الكَلَامِ.</p> <p> </p> <p> سِتَّةَ عَشَرَ عَاماً وَبُنْدُقِيَّةٌ</p> <p> </p> <p>في عَامِ 1957، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَجَاوَزَ السَّادِسَةَ عَشَرَةَ، الْتَحَقَ بِجَيْشِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ.</p> <p> </p> <p>طِفْلٌ. بُنْدُقِيَّةٌ أَكْبَرُ مِنْ كَتِفَيْهِ. وَجَبَلٌ أَمَامَهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَحْتَجْ أَحَداً لِيَشْرَحَ لَهُ لِمَاذَا. كَانَ كَافِياً أَنْ يَرَى أُمَّهُ تَمْشِي مُطَأْطَأَةَ الرَّأْسِ في بَلَدِهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ في جَوَازِ سَفَرِ أَبِيهِ كَلِمَةً تَقُولُ «فَرَنْسِيٌّ» وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَكْذَبُ مَا كُتِبَ في تَارِيخِ الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ.</p> <p> </p> <p>رَفَاقُهُ في الجِبَالِ سَمَّوْهُ أَسَدَ الأَوْرَاسِ. لَمْ يَرْفُضْ. لَمْ يَقْبَلْ. مَشَى إِلى الأَمَامِ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> مُوسْكُو وَبَارِيس: يَتَعَلَّمُ مِنَ العَدُوِّ وَلَا يَصِيرُهُ</h3> <p>بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ، حِينَ جَلَسَ كَثِيرُونَ يَنَامُونَ عَلَى وِسَادَةِ أَمْجَادِ الثَّوْرَةِ، ذَهَبَ زَرُّوَال إِلى القَاهِرَةِ، ثُمَّ إِلى مُوسْكُو عَامَ 1965، ثُمَّ إِلى مَدْرَسَةِ الحَرْبِ في بَارِيسَ —نَعَمْ، في بَارِيسَ، بَلَدِ المُسْتَعْمِرِ بِالأَمْسِ— لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الحَرْبِ دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الاسْتِعْمَارِ.</p> <p> </p> <p>هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ رَجُلِ دَوْلَةٍ حَقِيقِيٍّ وَمُقَلِّدٍ: الأَوَّلُ يَأْخُذُ الأَدَاةَ وَيَتْرُكُ الرُّوحَ، وَالثَّانِي يَأْخُذُ الرُّوحَ وَيَضِيعُ.</p> <p> </p> <p>عَادَ لِيَبْنِيَ. أَكَادِيمِيَّةُ شَرْشَالَ (1981)، تَمَنْرَاسَتُ (1982)، بَشَارُ (1984)، قَسَنْطِينَةُ (1987). ثُمَّ جِنِيرَالاً عَامَ 1988. ثُمَّ قَائِداً لِلْقُوَّاتِ البَرِّيَّةِ عَامَ 1989.</p> <p> </p> <p>رَجُلٌ يَبْنِي لَبِنَةً لَبِنَةً، لَا يَقْفِزُ، لَا يَتَزَاحَمُ، لَا يَنْتَظِرُ شُكْراً.</p> <p> </p> <p> «لَا أُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»</p> <p> </p> <p>في عَامِ 1990، اخْتَلَفَ مَعَ الرَّئِيسِ الشَّاذْلِي بِنْ جَدِيدَ. لَمْ يُسَاوِمْ. أَرَادُوا أَنْ يُبْعِدُوهُ بِهُدُوءٍ، فَعَيَّنُوهُ سَفِيراً في بُخَارِسْت.</p> <p> </p> <p>قَبِلَ. ذَهَبَ. ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ وَقَالَ الجُمْلَةَ الَّتِي تُكَثِّفُ رُوحَهُ كُلَّهَا:</p> <p> </p> <p>**«لَا أُرِيدُ أَنْ يَدْفَعُوا لِي رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ.»**</p> <p> </p> <p>تَوَقَّفْ. اقْرَأْهَا مَرَّةً أُخْرَى.</p> <p> </p> <p>في زَمَنٍ يَتَقَاتَلُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى مَقَاعِدِ السَّفَارَاتِ وَمَنَافِعِهَا، رَفَضَ هُوَ مَقْعَداً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ فِيهِ شَيْئاً حَقِيقِيّاً. عَادَ إِلى بَيْتِهِ في بَاتِنَةَ. وَأَغْلَقَ الأَبْوَابَ. وَظَنَّ أَنَّ المَسَارَ انْتَهَى.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَنْتَهِ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> يَنَايِرُ 1994: الوَطَنُ يَنَزِفُ وَيَسْتَدْعِيهِ</h3> <p>كَانَتِ الجَزَائِرُ تَحْتَرِقُ. لَيْسَ مَجَازاً. مِئَةُ أَلْفِ شَهِيدٍ —وَهَذَا رَقْمٌ لَا يُدْرَكُ ثِقَلُهُ إِلَّا حِينَ تَتَخَيَّلُ مَدِينَةً بِأَكْمَلِهَا مُحِيَتْ مِنَ الخَرِيطَةِ. آبَاءٌ يَدْفِنُونَ أَبْنَاءَهُمْ. أُمَّهَاتٌ لَا يَعْرِفْنَ أَيَّ يَوْمٍ سَيَكُونُ الأَخِيرَ. وَالدَّوْلَةُ في فَرَاغٍ مُؤَلِمٍ تَحْتَ ثِقَلِ أَزْمَةٍ بَدَأَتْ بِقَرَارِ وَانْتَهَتْ بِدَمٍ.</p> <p> </p> <p>أَرَادُوا رَجُلاً لِلمُرَادِيَّةِ. ذَهَبُوا لِبُوتَفْلِيقَةَ أَوَّلاً. رَفَضَ. فَعَادُوا إِلى الرَّجُلِ الصَّامِتِ في بَاتِنَةَ.</p> <p> </p> <p>وَدَوَّنَ الجِنِيرَالُ خَالِدُ نَزَّارُ في مُذَكِّرَاتِهِ —وَهِيَ وَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ في تَارِيخِنَا السِّيَاسِيِّ المَكْتُوبِ— أَنَّ زَرُّوَال كَانَ «الأَكْثَرَ ارْتِبَاكاً» في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ **«قَبِلَ، بِدَافِعِ الوَاجِبِ، أَنْ يَصِيرَ رَئِيساً لِلدَّوْلَةِ.»**</p> <p> </p> <p>لَيْسَ بِفَرَحٍ. لَيْسَ بِطَمَعٍ. بَلْ: **بِدَافِعِ الوَاجِبِ.**</p> <p> </p> <p>كَأَنَّهُ يَحْمِلُ جَبَلاً لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَحَداً غَيْرَهُ يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.</p> <p> </p> <p>في الثَّلَاثِينَ مِنْ يَنَايِرَ 1994، جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ المُرَادِيَّةِ بِلَا شَهْوَةِ السُّلْطَةِ، وَبِكَامِلِ ثِقَلِهَا فَوْقَ صَدْرِهِ.</p> <p> </p> <p> المَرْأَةُ الَّتِي صَوَّتَتْ وَهِيَ تَرْتَجِفُ</p> <p> </p> <p>«لَا تَخْرُجُوا، سَنَذْبَحُكُمْ.»</p> <p> </p> <p>هَكَذَا قَالَتِ الجَمَاعَاتُ المُسَلَّحَةُ قَبْلَ انْتِخَابَاتِ نُوفَمْبِرَ 1995.</p> <p> </p> <p>وَلَكِنَّ فَاطِمَةَ —أَوْ خَدِيجَةَ، أَوْ زَهْرَةَ، أَوْ أَيَّ اسْمٍ تَشَاءُ لِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَزَائِرِيَّةِ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ أَخَاهَا في العَشْرِيَّةِ— لَبِسَتِ الجِلْبَابَ الأَسْوَدَ صَبَاحَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَوَقَفَتْ أَمَامَ المَرْآةِ لَحْظَةً، وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ دَفَنَ حَبِيباً: «سَأَذْهَبُ.»</p> <p> </p> <p>وَذَهَبَتْ.</p> <p> </p> <p>يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حِينَ وَضَعَتِ الوَرَقَةَ في الصُّنْدُوقِ. لَمْ تَكُنْ تُصَوِّتُ لِرَجُلٍ. كَانَتْ تُصَوِّتُ ضِدَّ الذَّبْحِ. كَانَتْ تُصَوِّتُ لِحَقِّ ابْنِهَا في أَنْ يَرْقُدَ في قَبْرِهِ بِسَلَامٍ، وَلِحَقِّهَا هِيَ في أَنْ تَنَامَ لَيْلَةً وَاحِدَةً دُونَ خَوْفٍ.</p> <p> </p> <p>وَكَانَتْ مِنَ الـ 74,24% الَّذِينَ خَرَجُوا ذَلِكَ اليَوْمَ رَغْمَ التَّهْدِيدِ. وَهَذَا الرَّقْمُ —أَعْلَى نِسْبَةِ مُشَارَكَةٍ في تَارِيخِ الجَزَائِرِ المُسْتَقِلَّةِ— لَيْسَ إِحْصَاءً. هُوَ أَنِينٌ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ خَرَجَ لِيَقُولَ: نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ.</p> <p> </p> <p>فَازَ زَرُّوَال بِـ 61,34% مِنَ الأَصْوَاتِ. لَكِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ كَانَ لِفَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَزَهْرَةَ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الرَّحْمَةُ: الكَلِمَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا بِعِنَايَةٍ</h3> <p>حِينَ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ المُسَلَّحِينَ التَّائِبِينَ إِلى مُجْتَمَعَاتِهِمْ، لَمْ يُسَمِّ سِيَاسَتَهُ «العَفْوَ» القَانُونِيَّ الجَافَّ وَلَا «إِعَادَةَ الإِدْمَاجِ» البِيرُوقْرَاطِيَّةَ الَّتِي يُحِبُّهَا التُّقَنُوقْرَاطُ. سَمَّاهَا: **الرَّحْمَةُ.**</p> <p> </p> <p>وَفِي هَذَا الاخْتِيَارِ اللُّغَوِيِّ وَحْدَهُ تَنَامُ فَلْسَفَةُ رَجُلٍ بِأَكْمَلِهَا.</p> <p> </p> <p>الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ ضَعْفاً. هِيَ قُوَّةُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْبَ الَّذِي فَقَدَ مِئَةَ أَلْفِ ابْنٍ لَا يَحْتَاجُ مَزِيداً مِنَ الدَّمِ. يَحْتَاجُ إِلى أَنْ يَتَنَفَّسَ. وَآلَافُ المُسَلَّحِينَ أَلْقَوا أَسْلِحَتَهُمْ وَعَادُوا. وَالهُدْنَةُ مَعَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ لِلْإِنْقَاذِ أَرْسَتْ أُسُسَ مِيثَاقِ الوَئَامِ المَدَنِيِّ الَّذِي أَنْقَذَ مَا تَبَقَّى مِنَ البِلَادِ.</p> <p> </p> <p>الحُرُوبُ لَا تَنْتَهِي دَائِماً بِرَصَاصَةٍ أَخِيرَةٍ. أَحْيَاناً تَنْتَهِي بِكَلِمَةٍ.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3> أَمْرِيكَا تَطْرُقُ بَابَهُ</h3> <p>في دِيسَمْبِرَ 1997، جَلَسَ السَّفِيرُ الأَمْرِيكِيُّ كَامِيرُون هِيُومْ أَمَامَهُ أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً. حَاوَلَ بِكُلِّ دِبْلُومَاسِيَّةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ العُظْمَى أَنْ يُقْنِعَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ.</p> <p> </p> <p>وَحِينَ انْتَهَى اللِّقَاءُ، كَانَ زَرُّوَالُ زَرُّوَالاً. لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الاجْتِمَاعِ بِسَفِيرِ أَقْوَى دَوْلَةٍ في العَالَمِ إِلَّا فِنْجَانُ بُنٍّ أَضَافَهُ النَّادِلُ.</p> <p> </p> <p>في تَارِيخِ الجَزَائِرِ، كَثِيرُونَ مَنِ انْحَنَوا أَمَامَ أَمْرِيكَا. وَكَثِيرُونَ مَنِ ادَّعَوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْحَنُوا. أَمَّا زَرُّوَالُ فَكَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّالِثِ النَّادِرِ: مَنْ لَا يَفْكِرُ في الأَمْرِ أَصْلاً.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> لَيْلَةُ وِنْدْهُوكَ</h3> <p>سِبْتَمْبِرَ 1998. وِنْدْهُوكَ، النَّامِيبُ. ضَيْفاً عِنْدَ الرَّئِيسِ سَامْ نُوجُومَا.</p> <p> </p> <p>فِي حَدِيقَةِ الإِقَامَةِ الرَّسْمِيَّةِ، وَحِيداً تَحْتَ سَمَاءِ أَفْرِيقِيَا المَفْتُوحَةِ، رَاحَ يَمْشِي. سِيجَارَةٌ بَعْدَ سِيجَارَةٍ. اللَّيْلُ يَمْضِي. لَا أَحَدَ.</p> <p> </p> <p>لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَا الَّذِي كَانَ يَدُورُ في رَأْسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. لَكِنَّنَا نَعْرِفُ النَّتِيجَةَ.</p> <p> </p> <p>فَجْراً، في الطَّائِرَةِ الرِّئَاسِيَّةِ عَائِدَةً إِلى الجَزَائِرِ، جَمَعَ مُرَافِقِيهِ. كَانَ هَادِئاً. كَانَ جَادّاً. وَقَالَ بِالكَلِمَاتِ الَّتِي يَرْوِيهَا مَنْ سَمِعُوهَا بِحُرُوفِهَا حَتَّى هَذِهِ السَّاعَةِ:</p> <p> </p> <p>**«تَعْلَمُونَ أَنِّي أَرَدْتُ الرَّحِيلَ مُنْذُ عَامٍ. الوَقْتُ قَدْ جَاءَ. يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَ المَكَانَ لِغَيْرِنَا. سَأَرْحَلُ.»**</p> <p> </p> <p>في الحَادِي عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبِرَ 1998، أَعْلَنَ انْتِخَابَاتٍ رِئَاسِيَّةً مُسَبَّقَةً وَتَنَازَلَهُ عَنِ السُّلْطَةِ.</p> <p> </p> <p>في تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، قَلَّمَا قَالَ زَعِيمٌ طَوْعاً وَاخْتِيَاراً: **«سَأَرْحَلُ.»** قَالَهَا وَاشِنْطُونُ حِينَ رَفَضَ الوِلَايَةَ الثَّالِثَةَ فَأَسَّسَ الجُمْهُورِيَّةَ. وَقَالَهَا زَرُّوَالُ فَوْقَ أَفْرِيقِيَا في طَائِرَةٍ لَا شُهُودَ فِيهَا غَيْرُ مُعَاوِنِيهِ.</p> <p> </p> <p>الأَوَّلُ نَحَتَ تَمْثَالاً مِنَ الذَّهَبِ. وَالثَّانِي لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى صُورَةً.</p> <p> </p> <p> سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنَ الذَّهَبِ الصَّامِتِ</p> <p> </p> <p>مَضَتْ سَنَةٌ. مَضَتْ عَشْرٌ. مَضَتْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَكْتُبْ مُذَكِّرَاتٍ. لَمْ يَمْنَحْ مُقَابَلَةً. لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى شَيْءٍ. لَمْ يُؤَسِّسْ حِزْباً. لَمْ يَظْهَرْ. لَمْ يَشْكُ. لَمْ يَتَذَمَّرْ. بَيْتُهُ في بَاتِنَةَ كَمَا هُوَ. وَنَافِذَتُهُ تُطِلُّ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الَّذِي وَلَدَهُ. وَيَكْفِيهِ.</p> <p> </p> <p>في 2009، حِينَ طُولِبَ بِالتَّرَشُّحِ، قَالَ: «لَنْ أُرَشِّحَ نَفْسِي.» وَأَضَافَ —وَهَذِهِ الإِضَافَةُ وَحْدَهَا تُعَرِّفُهُ: «لَيْسَ في مَصْلَحَةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وِلَايَةٌ ثَالِثَةٌ لِأَيِّ رَئِيسٍ.» قَالَهَا بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ وَلَمْ يَخَفْ.</p> <p> </p> <p>في 2019، حِينَ قَامَ الحُرَاكُ وَحَمَلَ الشَّعْبُ لَافِتَاتِهِ في الشَّوَارِعِ، جَاءَهُ أَقْوَى رَجُلٍ في الظِّلِّ الجَزَائِرِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ قِيَادَةَ المَرْحَلَةِ. كَانَ جَوَابُهُ مَا يَجِبُ دَائِماً: **«يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ الجِيلُ الجَدِيدُ مَكَانَهُ.»**</p> <p> </p> <p>لَيْسَ تَوَاضُعاً. بَلْ حِكْمَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الزَّعَامَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ تَتْرُكَ مَكَانَكَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3> مَا قَالَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وَلَمْ يَقُلْهُ</h3> <p>كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَتِهِ الخَالِدَةِ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ وَلَا تَدُومُ إِلَّا بِالعَصَبِيَّةِ —تِلْكَ الرُّوحُ الجَمَاعِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَضَعُ مَصْلَحَةَ الجَمَاعَةِ فَوْقَ مَصْلَحَتِهِ. وَكَتَبَ أَيْضاً أَنَّ العَصَبِيَّةَ حِينَ تَنْهَارُ، يَنْهَارُ مَعَهَا كُلُّ شَيْءٍ.</p> <p> </p> <p>زَرُّوَالُ كَانَ تَجَسُّدَ العَصَبِيَّةِ في إِنْسَانٍ وَاحِدٍ. لَمْ يَقْرَأِ المُقَدِّمَةَ لِيَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ. وُلِدَ يَحْمِلُهُ في دَمِهِ وَطِينِ الأَوْرَاسِ.</p> <p> </p> <p>لَوْ عَاشَ ابْنُ خَلْدُونَ حَتَّى يَرَى هَذَا الرَّجُلَ يَقُولُ «سَأَرْحَلُ» في طَائِرَةٍ فَوْقَ أَفْرِيقِيَا، لَأَضَافَ إِلى المُقَدِّمَةِ فَصْلاً سَمَّاهُ: **«حِينَ تَتَجَسَّدُ الفَضِيلَةُ في إِنْسَانٍ.»**</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الجَبَلُ يَعُودُ إِلى الجَبَلِ</h3> <p>مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال الثَّامِنَ وَالعِشْرِينَ مِنْ مَارِسَ 2026 في مُسْتَشْفَى الجَيْشِ بِالجَزَائِرِ العَاصِمَةِ، عَنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ عَاماً. الجَيْشُ الَّذِي كَانَ هُوَ نَفْسُهُ حَجَرَهُ الأَصِيلَ.</p> <p> </p> <p>كَانَتْ حَيَاتُهُ تَتَّسِعُ لِكُلِّ مَا يَجِبُ أَنْ تَتَّسِعَ لَهُ حَيَاةُ إِنْسَانٍ: طُفُولَةٌ تَحْتَ الاحْتِلَالِ، وَشَبَابٌ في الثَّوْرَةِ، وَنُضُجٌ في البِنَاءِ، وَجِهَادٌ في سِنِيِّ الجَحِيمِ، وَشَيْخُوخَةٌ في الصَّمْتِ الكَرِيمِ.</p> <p> </p> <p>أَمَّا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاتُهُ قَطُّ: النِّفَاقُ. الطَّمَعُ. الاسْتِئْثَارُ. تَرْكُ البِلَادِ أَفْضَلَ حَالاً مِنْهُ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الجَزَائِرُ تَبْكِي لِأَنَّهَا تَعْرِفُ</h3> <p>تَبْكِي الجَزَائِرُ الْيَوْمَ. وَدُمُوعُهَا حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ في قَرَارَةِ نَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تُوَدِّعُ رَجُلاً فَقَطْ. تُوَدِّعُ مِرْآةً كَانَتْ تَرَى فِيهَا مَا تَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَهُ.</p> <p> </p> <p>وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ —لَحْظَةَ الوَدَاعِ— يَتَسَاءَلُ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ هَذَا الوَطَنَ يَوْماً: لِمَاذَا نَبْكِي عَلَى رَجُلٍ عَاشَ صَامِتاً وَرَحَلَ صَامِتاً؟</p> <p> </p> <p>لِأَنَّ الصَّمْتَ الكَرِيمَ —في بِلَادٍ كَالجَزَائِرِ وَفي زَمَنٍ كَهَذَا— أَعْلَى دَرَجَاتِ الفَصَاحَةِ. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَا يُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ —في عَالَمٍ يَتَزَاحَمُ فِيهِ الجَمِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ— هَذَا الرَّجُلُ لَا يُعَادُ.</p> <p> </p> <p>وَدَاعاً يَا صَاحِبَ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. وَدَاعاً يَا مَنِ اسْمُكَ كَانَ قَسَماً وَحَيَاتُكَ كَانَتِ الوَفَاءَ بِهِ حَتَّى النَّفَسِ الأَخِيرِ.</p> <p> </p> <p>وَدَاعاً يَا اليَمِينُ. يَا آخِرَ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكُوا السُّلْطَةَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ شَرَفِهِمْ.</p> <p> </p> <p>**رَحِمَكَ اللهُ وَأَسْكَنَكَ جَنَّةً تَلِيقُ بِمَنْ لَمْ يَرْضَ يَوْماً بِمَا دُونَ الكَرَامَةِ.**</p> <p> </p> <p>*إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ</p>
22 مارس..من رصاصة "الأب مصطفى بن بولعيد" إلى أمانة "الابن عبد الوهاب"
2026-03-23 12:37:00
<p><span style="color: #e03e2d;"><em><strong>في 22 مارس، لا يعود الزمن إلى الوراء… بل يعود الوعي إلى الواجهة."</strong></em></span></p> <p> </p> <h2>بين رصاصة الأوراس التي أطلقها الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد لانتزاع الحرية، وبين أمانة الوعي التي حملها نجله البكر الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد للحفاظ على الوطن، تتجلى حكاية الجزائر في أسمى صور الاستمرارية… وفي أقسى صور التناقض.</h2> <p> </p> <p>من نورانية الانتماء الصادق الذي يصنع الأوطان، إلى سوداوية فكرٍ ظلامي لا يرى في الوطن إلا هدفًا للانتقام، تتحدد معركة أخرى لا تقل خطورة: معركة الوعي.</p> <p> </p> <p>اليوم، لا نستحضر مجرد تاريخ، بل نستدعي مسؤولية جيل أدرك أن بناء الدولة لا يقل مسؤولية عن تحريرها، وأن الأوطان التي عُمّدت بالدم لا تُصان إلا بقلوب تجمع لا تُفرّق، وعقول تبني لا تهدم.</p> <p> </p> <h3>"بن بولعيد".. السلالة التي لا تكسرها الرصاصات...</h3> <p>ثمة تواريخ في أجندة الأمم لا تُطوى بمرور السنين، بل تزداد ثقلًا كلما اشتدت التحديات. و22 مارس ليس مجرد ذكرى، بل وقفة تأمل أمام مسارين اختصرا حكاية الجزائر: مسار الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد، ومسار نجله الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد. إنها حكاية انتقال الفكرة من جيل الثورة إلى جيل الدولة، ومن ضريبة الدم إلى أمانة الوعي.</p> <p> </p> <p> مصطفى بن بولعيد، رجلٌ لم يكتب التاريخ بالحبر، بل حفره في وجدان الجبال ببارود التحرير. في زمنه، لم تكن الجزائر واقعًا ملموسًا، بل كانت "حقًا مستلبًا" يتطلب تضحية استثنائية. رسم الشهيد معالم الطريق بدمه، مؤصلاً لقاعدة أن الأوطان لا تُهدى، بل تُنتزع من براثن المستحيل. استشهاده كان لحظة تأسيس لمشروع أكبر من الأشخاص، وأبقى معاني التضحية حيّة في تاريخ الجزائر.</p> <p> </p> <p>أما الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد، فقد ورث ما هو أشقّ من الرمزية؛ ورث ثقل الأمانة في مساره، لم يعد السؤال: "كيف نحرر الأرض؟" بل "كيف نحافظ على الرسالة؟"</p> <p> </p> <p>لقد أدرك مبكرًا أنّ بناء الدولة لا يقل مسؤولية عن هدم الاستعمار، وأنّ وحدة الصف ليست خيارًا بل ضرورة. لم يكن المرحوم "عبد الوهاب" مجرد "ابن لشهيد"، بل مشروعًا وطنيًّا قائمًا على الوعي والإخلاص، والقدرة على لمّ الشمل والجمع لا التفريق. الأوطان التي صُنعت بالتضحيات، لا تُحفظ إلا بقيم توازي تلك التضحيات.</p> <p> </p> <p>غير أنّ أخطر ما واجهته الجزائر لم يكن فقط عدوًا ظاهرًا، بل فكرًا ظلاميًا غادرًا، لا عنوان له إلا الغدر والانتقام، حتى ممن ضحّوا من أجل الوطن. لم يشفع للدكتور عبد الوهاب بن بولعيد أنّه ابن أحد أعمدة الثورة، ولا ما كان يحمله ولم تكن مكانته حاجزًا أمام يد الغدر التي استجابت لنداء الظلام.</p> <p> </p> <p>ما يجمع بين استشهاد الأب واغتيال الابن، في نفس اليوم، ليس مجرد تراجيديا عائلية، بل درس بليغ في الاستمرارية. قوة الذاكرة تكمن في فهم ما نتذكره؛ فقد جسّد الدكتور عبد الوهاب فكرة أنّ الأمانة تنتقل من جيل إلى جيل، وأنّ اغتيال الجسد لا ينهي الفكرة.</p> <p> </p> <p>في هذا اليوم، ندرك أن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات المنمقة، بل بالقدرة على تحويل الذاكرة إلى سلوك، والتاريخ إلى وعي، والتضحيات إلى التزام عملي يحصّن الوطن من كل ما قد يهدد تماسكه.</p> <p> </p> <p>تعزيز اللحمة الوطنية فوق كل اعتبار</p> <p>تغليب لغة العقل والوعي على لغة الفرقة والارتجال</p> <p>حماية الوطن من كل فكر هدام، أياً كان مصدره</p> <p>الحفاظ على وحدة الوطن واستكمال مسيرة البناء بنفس الصدق الذي صُنعت به الثورة</p> <p> </p> <p>رحم الله الشهيد مصطفى بن بولعيد، ورحم الله ابنه الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد… وستبقى ذكراهما منارة تهدي الأجيال إلى طريق السيادة والوعي.</p> <p> </p> <p>رصاصة مصطفى أهدتنا الوطن… وأمانة عبد الوهاب علمتنا كيف نصونه.</p> <p> </p> <p>في 22 مارس، لا نبكي غياب الجسد… بل نُعلن ولادة الوعي.</p> <p> </p> <p>الجزائر التي صُنعت بالتضحيات، لا تُحفظ إلا بالوعي والوفاء.</p> <p> </p> <p>المجد والخلود لشهداء الجزائر</p> <p> </p> <p> </p> <p><em><strong>بقلم: حفيدة الشهيد وابنة المرحوم عبد الوهاب</strong></em></p>