العالم بعد غدٍ..حرب إيران وأزمة الوهم الاستراتيجي
2026-03-11 10:07:00
<p><span style="color: #2dc26b;"><em><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></em></span></p> <h2>الحروب لا تغيّر الخرائط فقط. إنها تغيّر أيضاً الأفكار التي بُنيت عليها تلك الخرائط، والأوهام التي جعلت بناءها ممكناً.</h2> <p>عندما اندلعت الحرب على إيران، قُدّمت للرأي العام العالمي باعتبارها عملية عسكرية ضرورية لإعادة فرض الردع في الشرق الأوسط. قيل إنها حرب محدودة، محسوبة النتائج، تهدف إلى تصحيح ميزان القوى وإعادة الاستقرار إلى منطقة طالما وُصفت بأنها الأكثر اضطراباً في العالم.</p> <p>غير أن التاريخ علّمنا — مراراً وبثمن باهظ — أن الحروب الكبرى نادراً ما تكون مجرد عمليات عسكرية. فهي لحظات كاشفة تُظهر ما كان مخفياً، وتكشف حدود القوة، وتدفع الأنظمة إلى مواجهة تناقضاتها العميقة.</p> <p>ولهذا فإن الحرب على إيران — أياً كانت نتائجها الميدانية — تطرح سؤالاً أعمق من أسئلة الخرائط والحدود: هل نحن أمام نهاية نظام دولي؟ وهل ما يجري في الشرق الأوسط اليوم هو مقدمة لعالم ما بعد غدٍ؟</p> <p> </p> <h3>أولاً: وهم السيطرة — حين تكذب القوة على نفسها</h3> <p>لعقود طويلة، قامت الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط على افتراض بسيط في صياغته، عميق في نتائجه: أن التفوق العسكري كفيل بالتحكم في مسار الأحداث. كانت الفكرة واضحة: يمكن استخدام القوة لإعادة ضبط التوازنات، واحتواء الخصوم، ومنع الحروب الكبرى.</p> <p>غير أن التاريخ الحديث كشف مراراً حدود هذا التصور. ففي العراق عام 2003، انهار النظام خلال أسابيع، لكن النظام الإقليمي كله دخل مرحلة طويلة من الفوضى الاستراتيجية. وفي أفغانستان، امتلكت أقوى قوة عسكرية في العالم القدرة على إسقاط نظام، لكنها لم تستطع فرض نظام مستقر مكانه، فانسحبت بعد عشرين سنة تاركةً الأرض كما وجدتها، أو أشد اضطراباً.</p> <p>أما في حالة إيران، فالمعادلة أكثر تعقيداً.</p> <p>إيران ليست دولة هشة مثل أفغانستان، ولا دولة تعبت من حصارها مثل العراق. إنها دولة عريقة بذاكرة حضارية تمتد على مدى آلاف السنين، ولديها بنية ردع متعددة المستويات: منظومات صواريخ دقيقة تطال عمق الخليج وإسرائيل وأجزاء من أوروبا، وشبكة من الوكلاء الإقليميين توفر لها عمقاً استراتيجياً من بيروت إلى صنعاء، فضلاً عن شعب اعتاد على الضغط ولم تُفلح العقوبات الاقتصادية على مدى عقود في كسر إرادته.</p> <p>وقد كتب المفكر الواقعي الأمريكي هانز مورغنثاو في كتابه الكلاسيكي</p> <p>«السياسة بين الأمم» أن القوة وحدها لا تكفي لصنع النظام؛ فالنظام يحتاج إلى شرعية، والشرعية لا تُفرض بالقوة بل تُكتسب بالتوافق.</p> <p>وهذا بالضبط ما يغيب عن الوهم الاستراتيجي الغربي في الشرق الأوسط: التصور بأن كل مشكلة قابلة للحل العسكري، وأن الأمن يُبنى بالضربات لا بالسياسة.</p> <p> </p> <h3>ثانياً: دروس التاريخ — من السويس إلى طهران</h3> <p>ليست هذه المرة الأولى التي تكشف فيها حرب في الشرق الأوسط حدود القوة. والتاريخ يقدم لنا ثلاث لحظات مفصلية تُضيء المشهد الراهن.</p> <p>اللحظة الأولى: أزمة السويس 1956.</p> <p>عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، ردّت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعملية عسكرية مشتركة. حققت الجيوش تدخلاً سريعاً وسيطرت على القناة، لكن الضغط الدولي — وتحديداً الضغط الأمريكي والسوفيتي معاً — أجبرها على الانسحاب. وانتهت الأزمة بانتصار دبلوماسي للقاهرة رغم هزيمتها العسكرية النسبية. الدرس كان واضحاً: التفوق العسكري لا يُترجم آلياً إلى سيطرة سياسية.</p> <p>اللحظة الثانية: حرب الأيام الستة 1967.</p> <p>جاءت هذه الحرب لتشكّل لحظة مفصلية أخرى، أشد إيلاماً وأعمق أثراً. فخلال ستة أيام، انهارت الجبهات العربية أمام الجيش الإسرائيلي في واحدة من أسرع وأعمق الهزائم العسكرية في تاريخ المنطقة الحديث.</p> <p>غير أن ما يستحق التأمل اليوم ليس الهزيمة العسكرية فحسب، بل الروح التي استجابت بها الأمة لهذه الهزيمة. فقد شاركت الجزائر — التي لم يمضِ على استقلالها سوى خمس سنوات، وكانت لا تزال تلملم جراح مئة وثلاثة وثلاثين عاماً من الاستعمار — في دعم الجبهة العربية. أرسلت طائرات ووحدات عسكرية رمزية، وفتحت أجواءها وموانئها، وقدمت دعماً سياسياً ومادياً في إطار تضامن عربي نابع من قناعة وليس من مصلحة حسابية.</p> <p>كان ذلك تعبيراً عن روح مرحلة كاملة من التاريخ العربي، حين كانت الجزائر ترى في الدفاع عن القضايا العربية امتداداً طبيعياً لمعركتها الخاصة ضد الاستعمار. وكان الرئيس هواري بومدين يؤمن بأن تحرر الجزائر ناقص ما لم يكتمل بتحرر المنطقة.</p> <p>اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، تبدو خريطة التضامن مختلفة تماماً. تتحرك الدول وفق حسابات المصلحة الضيقة، وتغيب لغة الانتماء المشترك، وتبرز تحالفات جديدة لا تجمعها قيم بل مصالح عابرة. وهذا التحول في بنية التضامن هو نفسه جزء من «أزمة الوهم الاستراتيجي».</p> <p>اللحظة الثالثة: حرب لبنان 2006.</p> <p>لم تنتهِ بانتصار عسكري واضح. وقد وصف وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك أمير بيريتس ما جرى بالقول إن الحرب لم تُنجز أهدافها الكاملة. كان ذلك أول اعتراف رسمي بأن منظومة غير نظامية — حزب الله — استطاعت مقاومة جيش نظامي من أكثر الجيوش تسليحاً وتدريباً في المنطقة. وقد فتح ذلك الباب أمام قراءة جديدة لمعادلات الردع والقوة.</p> <p> </p> <h3>ثالثاً: أزمة الوهم الاستراتيجي — حين تنكسر المعادلات</h3> <p>إن ما تكشفه الحرب على إيران ليس مجرد صراع عسكري جديد في منطقة مضطربة. إنه ما يمكن تسميته: أزمة الوهم الاستراتيجي. أي الاعتقاد المتجذر بأن القوة العسكرية قادرة وحدها على التحكم في مصير منطقة بالغة التعقيد كالشرق الأوسط، وأن الإرادة السياسية يمكن فرضها بالضربات الجوية.</p> <p>وهذا الوهم له ثلاثة أبعاد متشابكة:</p> <p>البُعد الأول: الوهم التكنولوجي.</p> <p>لقد قلّصت التكنولوجيا العسكرية الجديدة — من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة الرخيصة، مروراً بالحرب الإلكترونية — الفجوة بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين. الطائرة المسيّرة التي تكلف بضعة آلاف من الدولارات قادرة على ضرب منشأة نفطية تساوي مليارات. والصاروخ البالستي المتوسط المدى بات في متناول جهات لم تكن قبل عقدين تملك حتى مدفعية متطورة. في مثل هذا العالم، لم يعد التفوق العسكري يعني السيطرة الكاملة.</p> <p>البُعد الثاني: الوهم الجغرافي.</p> <p>الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى في حدودها. حرب اليمن أشعلت الخليج. حرب سوريا أعادت تشكيل المشهد من البحر المتوسط إلى العراق. الحرب على إيران — أياً كانت حدتها — لن تبقى حرباً ثنائية. إنها ستمتد إلى الخليج ولبنان وسوريا والعراق، وربما تصل موجاتها إلى باب المندب وبحر العرب. الجغرافيا في هذا الجزء من العالم لا تسمح بالحروب المعقمة.</p> <p>البُعد الثالث: الوهم الزمني.</p> <p>الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي بالتوقيع على صك الاستسلام. إنها تتحول إلى حروب استنزاف ممتدة، تتراكم فيها التكاليف وتتآكل فيها الإرادات. أفغانستان نموذج، ولكن إيران ستكون أشد تعقيداً، لأن إيران دولة — بمؤسسات وعقيدة وشعب وذاكرة — لا مجرد تنظيم يمكن قطع رأسه.</p> <p>وقد لاحظ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في ملاحظة ظلت صالحة عبر الزمن:</p> <p>«الحضارات لا تسقط عندما يشتد ضغط الأعداء الخارجيين، بل عندما تفشل نخبها في قراءة التحولات التي تعيد رسم قواعد اللعبة. الخطر الحقيقي هو الجمود الإدراكي، وهم السيطرة الذي يُعمي عن الواقع المتحول.»</p> <p>وهذا الدرس لا ينطبق فقط على الحضارات، بل على الأنظمة الدولية والاستراتيجيات الكبرى أيضاً.</p> <p> </p> <h3>رابعاً: يقظة المنطقة — نحو استراتيجية السيادة</h3> <p>لكن الحرب كشفت أيضاً تحولاً آخر، أقل ضجيجاً لكنه أعمق دلالة.</p> <p>فبعد عقود طويلة كانت فيها قضايا الشرق الأوسط تُدار في واشنطن وموسكو ولندن وباريس، بدأت دول المنطقة نفسها تسعى إلى صياغة سياسات أكثر استقلالاً. والأمثلة لا تُعدّ:</p> <p>فالمملكة العربية السعودية التي ظلت عقوداً في كنف الحماية الأمريكية المطلقة، باتت تتحدث اليوم مع بكين وموسكو وتتفاوض على أمنها الاقتصادي بمعزل عن أجندة واشنطن. وتركيا العضو في حلف الناتو تشتري صواريخ س-400 الروسية وتبني سياسة خارجية تقوم على الغموض الاستراتيجي المحسوب. وحتى الإمارات التي كانت تُعدّ نموذجاً للحليف الوفي، باتت تُبيّض علاقاتها مع الصين دون أن تطلب إذناً.</p> <p>هذه ليست مجرد تحولات دبلوماسية تكتيكية. إنها علامات على يقظة استراتيجية عميقة: إدراك متزايد بأن الاعتماد على راعٍ خارجي وحيد يجعل الدولة رهينة لحسابات ذلك الراعي وتقلباته.</p> <p>وقد سرّعت الحرب على إيران هذه اليقظة. فكثير من دول المنطقة أدركت أن الصراع بين القوى الكبرى يمكن أن يتحول بسرعة إلى حريق يُخاض فوق أراضيها، وأن ضمانات الأمن الخارجية تتلاشى لحظة تعارضت مع المصالح الكبرى. في مثل هذا السياق، يصبح البحث عن الاستقلال الاستراتيجي ليس رفاهية سياسية، بل مسألة بقاء.</p> <p>والجزائر — بموقعها الجيوسياسي الفريد وتاريخها في عدم الانحياز — لديها ما تقوله في هذا السياق. فقد اختارت منذ استقلالها مساراً مختلفاً: الانحياز لمبادئ لا لمحاور، والبناء على ثوابت السيادة لا على حسابات الزبائنية. وهذا الموروث الاستراتيجي، الذي كثيراً ما يُوصف خطأً بالحياد، هو في الحقيقة خيار سيادي نابع من تجربة تاريخية عميقة.</p> <p> </p> <h3>خامساً: العالم بعد غدٍ — ملامح نظام قادم</h3> <p>ربما ستختفي هذه الحرب تدريجياً من عناوين الأخبار. ستعود البيانات الدبلوماسية، وستُعقد اتفاقيات وقف إطلاق النار، وسيُقال إن الردع قد عاد إلى المنطقة. لكن التاريخ لا ينسى اللحظات التي تنهار فيها الأوهام.</p> <p>فما الذي تتركه هذه الحرب خلفها؟</p> <p>تتركه أولاً: نظام دولي في طور إعادة التشكّل. النظام أحادي القطب الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي كان يقوم على قناعة بأن الهيمنة الأمريكية ستضمن الاستقرار. غير أن حروب العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، ثم الصعود الصيني، جميعها مجتمعة أفضت إلى تحوّل نحو نظام تعددي المراكز، تتنافس فيه قوى متعددة دون أن تتوافق على قواعد مشتركة للعبة.</p> <p>تتركه ثانياً: شرق أوسط يبحث عن معادلة جديدة. المنطقة التي عرفها العالم لعقود — تحكمها محاور ثابتة وتديرها هواجس الرعاة الخارجيين — بدأت تتغير بنيوياً. العلاقة السعودية-الإيرانية في طور إعادة التعريف. تركيا في طور إعادة رسم دورها الإقليمي. ودول الخليج تبحث بشكل متزايد عن ضمانات أمنها خارج الحليف الأمريكي الأوحد.</p> <p>تتركه ثالثاً: أزمة القانون الدولي. الحرب على إيران — أياً كانت مبرراتها المُعلنة — تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام ميثاق الأمم المتحدة، وحول ازدواجية المعايير التي باتت تُقوّض مصداقية المنظومة الدولية بأسرها. فإذا كان القانون الدولي لا يُطبَّق بالتساوي، فهو لم يعد قانوناً بل غطاءً للقوة.</p> <p>وفي مثل هذا العالم، يصبح الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون أكثر راهنية حين كتب:</p> <p>«السياسة الدولية هي دائماً سياسة القوة، لكن القوة دون مشروعية مصيرها الأفول. الدول التي تبني هيمنتها على القوة وحدها تبني على الرمال؛ والدول التي تبنيها على القانون والتوافق تبني على صخر.»</p> <p>وهذا الدرس هو الأهم في العالم بعد غدٍ.</p> <p> </p> <h3>خاتمة: حين يُواجه التاريخ أوهامه</h3> <p>الأهمية الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في المعارك التي خيضت خلالها، ولا في خسائر الطرفين، ولا حتى في خرائط ما بعد وقف إطلاق النار.</p> <p>إنها تكمن في الحقيقة التي كشفتها:</p> <p>أن القوة المجردة من الشرعية مآلها الأفول.</p> <p>وأن الأنظمة التي تقوم على الوهم الاستراتيجي تحمل في بنيتها بذور أزمتها.</p> <p>وأن الشرق الأوسط الذي عرفه العالم لعقود طويلة بدأ يتغير — ببطء أحياناً، وبسرعة مفاجئة أحياناً أخرى.</p> <p>وأن النظام الدولي الذي بدا ثابتاً بعد الحرب الباردة لم يعد كما كان.</p> <p> </p> <p>الحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط فقط.</p> <p>بل تغيّر الطريقة التي يرى بها العالم نفسه.</p> <p>وتغيّر الأوهام التي جعلت تلك الخرائط ممكنة.</p> <p> </p> <p>ولعل أصعب ما تفرضه لحظات التاريخ الكبرى على صانعيها هو أن يواجهوا — أخيراً — الفجوة بين ما أرادوا وما صنعوا.</p>
لماذا ما زالت ايران تقاتل..ولماذا قد تكون واشنطن قد اخطأت في التقدير
2026-03-05 23:01:00
<p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهم النصر السريع</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">غالباً ما تبدأ الحروب بثقة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن الإمبراطوريات تسمي هذه الثقة يقيناً.</span></p> <p class="p2"> </p> <h2 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسّقة ضد إيران، تبدو وكأنها قامت تحديداً على هذا اليقين.</span></h2> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فقد صُمِّمت المرحلة الأولى لتكون حاسمة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وخلال ساعات قليلة:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">استُهدفت منشآت عسكرية رئيسية في مختلف أنحاء البلاد؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ونُفِّذت ضربات واسعة ضد بنى تحتية استراتيجية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في واشنطن وتل أبيب، اعتقد كثيرون أن ضربة "قطع الرأس" هذه قد تؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن بعد أيام قليلة فقط، لا تزال الدولة الإيرانية تعمل.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قيادتها العسكرية ما تزال قائمة، وقواتها الصاروخية ما تزال قادرة على تنفيذ ضربات ردّية في أنحاء المنطقة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذا الواقع وحده يشير إلى أن الصراع الجاري قد لا يسير وفق الجدول الزمني الذي تخيّله مهندسو الحرب.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل قد يتطور إلى شيء أكثر تعقيداً بكثير.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حرب لا يحددها عامل السرعة… بل عامل الزمن.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الخطأ الاستراتيجي في تقدير السرعة</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يكشف التاريخ العسكري الحديث عن خطأ متكرر لدى القوى الكبرى: الخلط بين التفوق العسكري والسرعة السياسية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد تكرر هذا النمط مراراً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">دخلت الولايات المتحدة:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حرب فيتنام وهي تعتقد أن القوة العسكرية الساحقة ستؤدي سريعاً إلى استقرار جنوب شرق آسيا؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وغزت العراق عام 2003 متوقعة أن يؤدي سقوط النظام إلى إعادة تشكيل المنطقة بسرعة؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتدخلت في أفغانستان على أساس أن عملية محدودة قد تقضي نهائياً على شبكات التمرد.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في كل هذه الحالات، نجحت المرحلة العسكرية الأولى.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن تحقيق الأهداف السياسية كان أصعب بكثير.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يحذر عالم السياسة جون ميرشايمر من هذا الوهم الاستراتيجي:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">> «غالباً ما تبالغ القوى الكبرى في تقدير قدرتها على تغيير الأنظمة السياسية الأجنبية باستخدام القوة العسكرية.»</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">— جون ج. ميرشايمر، الوهم الكبير، جامعة ييل، 2018.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويمثل إيران تحدياً أكثر تعقيداً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبنيتها السياسية والعسكرية صُمِّمت أساساً لمواجهة الضغوط الخارجية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الثقافة الاستراتيجية الإيرانية: البقاء يعني النصر</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لفهم الرد الإيراني على هذه الحرب، يجب العودة إلى التجربة التي شكّلت الوعي الاستراتيجي الإيراني الحديث: الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988).</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خلال ثماني سنوات، واجهت إيران:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">حملات قصف واسعة؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">عزلة اقتصادية دولية؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل القوات العراقية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع ذلك، نجحت الدولة الإيرانية في البقاء.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هذه التجربة خرجت عقيدة ما تزال تؤثر في التفكير الاستراتيجي الإيراني حتى اليوم:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">القدرة على الصمود هي بحد ذاتها انتصار.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فعلى عكس القوى التوسعية التي تقيس النجاح بالسيطرة على الأراضي، ترى إيران أن النصر يكمن في الحفاظ على بقاء الدولة تحت الضغط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا المفهوم يغيّر المعادلة الاستراتيجية جذرياً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يكفيها أن تتجنب الانهيار.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كما يوضح المؤرخ الاستراتيجي لورنس فريدمان:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">> «الطرف الأضعف لا يسعى عادة إلى النصر في ساحة المعركة، بل إلى إطالة أمد الصراع حتى تصبح تكلفته السياسية غير محتملة للطرف الأقوى.»</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">— لورنس فريدمان، الاستراتيجية: تاريخ، جامعة أكسفورد، 2013.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبدو أن هذا المبدأ يقف في صميم المقاربة الإيرانية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بنية الصمود</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ترجمت إيران هذه الفلسفة إلى تصميم مؤسسي واضح.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فقد طوّر الحرس الثوري الإيراني ما يعرف بعقيدة الدفاع الفسيفسائي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يقوم هذا النظام على تقسيم البلاد إلى مناطق عمليات لامركزية يمكنها العمل بشكل مستقل حتى لو تعطلت القيادة المركزية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كل منطقة تمتلك:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هياكل قيادة مستقلة؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قدرات صاروخية؛</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">خططاً عملياتية جاهزة مسبقاً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الهدف الاستراتيجي واضح:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">تصفية القيادة العليا لا ينبغي أن تشل النظام العسكري بأكمله.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد أظهرت عملية انتقال السلطة السريعة بعد مقتل خامنئي هذه القدرة على الصمود.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبدلاً من الانهيار، امتصت الدولة الإيرانية الصدمة واستمرت في العمل.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحرب كصراع إرادات</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وصف المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز الحرب بأنها «مبارزة بين إرادتين».</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي الصراعات غير المتكافئة، يصبح الصمود السياسي غالباً أكثر أهمية من التفوق التكنولوجي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ويبدو أن الرد الإيراني يعكس هذه الحقيقة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فبدلاً من السعي إلى مواجهة حاسمة وفورية، تبنت طهران استراتيجية الضغط الموزع.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت عدة مواقع في المنطقة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة واحدة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والهدف يبدو واضحاً: تحويل الصراع تدريجياً إلى حرب استنزاف.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وقد حذر القائد العسكري الأمريكي السابق ديفيد بترايوس قائلاً:</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">> «لا يمكن قتل أو اعتقال عدد كافٍ من الخصوم لإنهاء حركة مقاومة.»</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">اقتصاد الاستنزاف</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الحروب لا تُخاض بالسلاح فقط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل تُخاض أيضاً بالاقتصاد والموارد.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالفارق في الكلفة بين الأنظمة الإيرانية والغربية كبير.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">طائرات شاهد المسيّرة تكلف آلاف الدولارات فقط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بينما قد تصل كلفة الصواريخ الاعتراضية إلى ملايين الدولارات.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذه المعادلة تحول الصراع إلى حرب استنزاف اقتصادية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومع مرور الوقت، قد تؤثر هذه الفجوة في التكاليف على التوازن الاستراتيجي للحرب.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">مضيق هرمز: صدمة للنظام العالمي</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في قلب المعادلة الاستراتيجية يقع ممر بحري ضيق لكنه بالغ الأهمية: مضيق هرمز.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن أهمية هرمز تتجاوز الطاقة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فهو يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">إذ يربط احتياطات الطاقة في الخليج بالاقتصادات الصناعية في آسيا.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وتعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على معظم النفط الذي يمر عبره.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وأي تعطيل طويل الأمد قد يتحول بسرعة إلى صدمة اقتصادية عالمية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">درس تاريخي: أزمة السويس</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يقدم التاريخ مثالاً لافتاً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي أزمة السويس عام 1956 اعتقدت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أن التفوق العسكري السريع سيكفي لفرض واقع جديد في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن ما بدا انتصاراً عسكرياً تحول سريعاً إلى هزيمة استراتيجية عندما اصطدمت العملية بواقع اقتصادي ودبلوماسي دولي لم يكن في الحسبان.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لقد أثبتت تلك الأزمة أن القوة العسكرية قد تحسم المعركة، لكنها لا تحسم دائماً ميزان القوى العالمي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هل نحن أمام تحول في طبيعة الحروب؟</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي العقود الماضية، كانت الحروب الكبرى تُفهم غالباً من خلال ميزان القوة العسكرية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكن الصراعات الحديثة تكشف عن معادلة مختلفة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ففي كثير من الأحيان لا يحسم الصراع الطرف الذي يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل الطرف الذي يستطيع إدارة الزمن الاستراتيجي للصراع.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وهذا ما يجعل بعض الحروب تبدو في بدايتها قصيرة وحاسمة، ثم تتحول تدريجياً إلى مواجهات طويلة تغير موازين القوى الدولية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ومن هذا المنظور، قد لا تكون الحرب الحالية مجرد صراع إقليمي، بل جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الحروب في النظام الدولي.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">التقييم النهائي: حرب الزمن</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بل قد تتحول إلى اختبار لصلابة النظام الدولي نفسه.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">فالحروب الطويلة لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تكشف أيضاً حدود الهيمنة السياسية والاقتصادية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب وهي تعتقد أن الصواريخ ستحسمها.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أما إيران فقد دخلتها وهي تعتقد أن الزمن هو الذي سيحسمها.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">والتاريخ يشير إلى أن الزمن غالباً ما يكون السلاح الأكثر خطورة في الحروب الطويلة.</span></p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <p class="p1" dir="rtl"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><strong><span class="s1">بقلم: لعلى بشطولة</span></strong></p>
من السويس إلى طهران: الحرب على إيران وتصدّع النظام الدولي
2026-03-04 10:44:00
<p> </p> <p><span style="color: #e03e2d;"><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></span></p> <p> </p> <p><em><strong>القوة العسكرية، الجغرافيا الاستراتيجية، وأزمة الشرعية في النظام العالمي</strong></em></p> <p><em><strong>حرب تكشف بنية القوة في العالم</strong></em></p> <h2>نادراً ما تسقط الإمبراطوريات في لحظة واحدة مدوية.فالتاريخ لا يعمل وفق مشاهد درامية مفاجئة، بل وفق تآكلات بطيئة تتكشف عبر سلسلة من الأزمات التي تبدو في بدايتها محدودة أو عابرة.</h2> <p>غالباً ما تبدأ نهاية الإمبراطوريات بحروبٍ تُقدَّم للرأي العام بوصفها ضرورية، أو حتمية، أو دفاعية.</p> <p>لكن هذه الحروب نفسها تتحول لاحقاً إلى لحظات كاشفة لبنية القوة التي قامت عليها تلك الإمبراطوريات.</p> <p>الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 ضد إيران قد تبدو اليوم مجرد مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، إقليماً اعتاد العالم أن يراه ساحة أزمات متكررة.</p> <p>غير أن قراءة أعمق تشير إلى احتمال مختلف: أن هذه الحرب ليست مجرد صراع إقليمي، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.</p> <p>فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإيران أو بالولايات المتحدة أو بإسرائيل، بل بالبنية الكاملة للنظام العالمي الذي قام طوال ثلاثة عقود على فرضية مركزية واحدة:</p> <p>أن القوة العسكرية والاقتصادية الغربية كافية لضمان استقرار النظام الدولي.</p> <p>لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الدولية لا تسقط حين تفقد قوتها فجأة، بل حين تبدأ شرعيتها في التآكل.</p> <p> </p> <p> </p> <h3>الخليج: معادلة الأمن التي كشفت الحرب حدودها</h3> <p>لأكثر من أربعين عاماً قامت منظومة الأمن في الخليج العربي على معادلة بسيطة ظاهرياً لكنها عميقة الأثر في بنية الاقتصاد العالمي:</p> <p>الطاقة مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.</p> <p>وفرت الولايات المتحدة مظلة أمنية واسعة لدول الخليج من خلال شبكة قواعد عسكرية وتحالفات دفاعية، فيما ضمنت هذه الدول استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.</p> <p>وقد شكّل هذا الترتيب أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي.</p> <p>لكن الحرب الحالية كشفت أن هذه المعادلة ليست بالصلابة التي بدت عليها لعقود.</p> <p>فالبنية التحتية التي مثلت رمز الاستقرار الاقتصادي — القواعد العسكرية، الموانئ النفطية، مراكز الطاقة — تحولت فجأة إلى نقاط تعرض استراتيجية.</p> <p>لقد أرسلت إيران رسالة جيوسياسية واضحة:</p> <p>الدول التي تستضيف أدوات القوة العسكرية الكبرى لا يمكنها في الوقت نفسه أن تدّعي الحياد في الصراعات الإقليمية.</p> <p>وهكذا تحولت شبكة الازدهار الاقتصادي في الخليج إلى شبكة أهداف محتملة في معادلة الحرب الحديثة.</p> <p> </p> <h3>مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح</h3> <p>في قلب هذه الأزمة يقف أحد أهم المفاصل الجغرافية في العالم المعاصر: مضيق هرمز.</p> <p>هذا الممر البحري الضيق الذي لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه خمسين كيلومتراً يشكل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.</p> <p>يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.</p> <p>وتتجه غالبية هذه التدفقات نحو الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية.</p> <p>في عالم يعتمد على تدفق مستمر للطاقة، تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر حاسم في معادلة القوة.</p> <p>ولهذا السبب ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم عناصر الردع غير المتكافئ في العقيدة العسكرية الإيرانية.</p> <p>فالسيطرة الكاملة على المضيق ليست شرطاً لتعطيل دوره الاستراتيجي.</p> <p>يكفي خلق مستوى من التهديد وعدم الاستقرار لرفع تكاليف التأمين البحري وتعطيل جزء من حركة الملاحة.</p> <p>وفي نظام اقتصادي شديد الحساسية للطاقة، يمكن لاضطراب محدود في هذا الممر أن ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية.</p> <p>وهكذا تتحول الجغرافيا — التي غالباً ما تبدو ثابتة ومحايدة — إلى أحد أكثر أدوات القوة فعالية في السياسة الدولية.</p> <p> </p> <h3>السويس وفيتنام: حين تكشف الحروب حدود القوة</h3> <p>التاريخ يقدم أمثلة واضحة على لحظات كشفت فيها الحروب حدود القوة الإمبراطورية.</p> <p>أزمة السويس عام 1956 بدت في بدايتها محاولة عسكرية محدودة من بريطانيا وفرنسا لاستعادة السيطرة على قناة السويس بعد تأميمها من قبل جمال عبد الناصر.</p> <p>لكن تلك الأزمة انتهت بانسحاب القوتين الاستعماريتين تحت ضغط دولي، معلنة عملياً نهاية مرحلة الهيمنة الإمبراطورية الأوروبية.</p> <p>أما حرب فيتنام فقد شكلت اختباراً مختلفاً للقوة الأمريكية خلال الحرب الباردة.</p> <p>فبالرغم من التفوق العسكري الهائل والقدرات التكنولوجية المتقدمة، لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض حل سياسي مستقر.</p> <p>في الحالتين كان الدرس واضحاً:</p> <p>القوة العسكرية قد تحسم معركة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نظام دولي مستقر.</p> <p> </p> <h3>عالم يتغير: عودة التعددية القطبية</h3> <p>تأتي الحرب الحالية في لحظة تشهد فيها بنية النظام العالمي تحولات عميقة.</p> <p>فالصين أصبحت أكبر قوة تجارية في العالم وأكبر مستورد للطاقة، بينما أظهرت روسيا قدرة على مقاومة الضغوط الغربية رغم العقوبات الواسعة.</p> <p>وفي الوقت نفسه تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي.</p> <p>هذه التحولات تشير إلى أن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يدخل مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازنات القوة العالمية.</p> <p>لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي.</p> <p>بل أصبح أقرب إلى نظام متعدد المراكز، تتنافس فيه قوى كبرى وإقليمية على إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.</p> <p> </p> <h3>الحضارات وشرعية القوة</h3> <p>هنا يبرز البعد الفكري الذي تنبّه إليه المفكر الجزائري مالك بن نبي في تحليله لدورات الحضارات.</p> <p>فالحضارات — كما يرى بن نبي — لا تنهار عندما تفقد أدوات القوة المادية، بل عندما تفقد الفكرة التي تمنح تلك القوة معناها.</p> <p>يمكن لنظام دولي أن يحتفظ بترسانة ضخمة من أدوات الهيمنة: الجيوش، والأساطيل، والهيمنة المالية، والنفوذ الإعلامي.</p> <p>لكن إذا بدأت شرعيته الفكرية والأخلاقية في التآكل، فإن قوته تتحول تدريجياً من نظام مقبول إلى هيمنة مفروضة.</p> <p>وعندما يحدث ذلك، يبدأ التصدع الحقيقي في بنية النظام.</p> <p> </p> <h3>خاتمة: لحظة اختبار للنظام الدولي</h3> <p>نادراً ما يدرك المعاصرون أنهم يعيشون لحظة تحول تاريخي.</p> <p>الأحداث التي تعيد تشكيل العالم لا تعلن عن نفسها بوضوح عندما تبدأ.</p> <p>إنها تظهر أولاً في شكل أزمات تبدو عادية أو مؤقتة.</p> <p>الحرب ضد إيران قد تكون واحدة من تلك اللحظات.</p> <p>فهي لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه.</p> <p>السؤال لم يعد فقط من سينتصر في هذه الحرب.</p> <p>السؤال الحقيقي هو:</p> <p>هل يستطيع النظام الدولي الذي أطلق هذه الحرب أن يستمر في عالم بدأ يفقد الثقة في شرعيته؟</p> <p> </p>