أكلي والآخرون.. شهداء دون العشرين!
2024-05-19 17:37:00
<p> </p> <p>سرد وجيز حول مسيرة الطالب الشهيد أكلي زميرلي.</p> <p><strong>بقلم: عمر زميرلي، طالب سابق في ثانوية الشهيد عميروش في تيزي وزو.</strong><br /><strong>(أستاذ في الطب. أخصائي في طب الأنف والأذن والحنجرة).</strong></p> <p><br />كيف استجاب الثانويون الشباب في المدرسة الحديثة بتيزي وزو لنداء الاتحاد العام للطلاب المسلمين الجزائريين في 19 مايو 1956؟<br />منذ 68 عامًا، استجاب الطلاب الثانويين بالمدرسة الحديثة، على غرار زملائهم في المدارس الأخرى في البلاد، لنداء الاتحاد العام للطلاب المسلمين الجزائريين في 19 مايو 1956 للقيام بإضراب عن الدروس. كانوا مراهقين، وبالكاد خرجوا من مرحلة الطفولة، تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عامًا. لم يعرفوا في حياتهم سوى دراستهم، غير أنّ وعيهم كان عاليا، إذ لم يكن لديهم سوى هدف واحد فقط: تحرير البلاد بأي وسيلة، حتى ولو كان الثمن التضحية بأغلى ما يملكون. إذ أنّ العديد منهم ضحوا بحياتهم "في ريعان الشباب".</p> <p>للتذكير، كانت المدرسة الحديثة في تيزي وزو هي المؤسسة الوحيدة في كامل منطقة القبائل الكبرى، وسبقتها مؤسسة بعنوان التعليم الابتدائي العالي حتى عام 1941. بعد الاستقلال، تم تسميتها بثانوية العقيد عميروش حتى عام 1970 ثم ثانوية فاطمة نسومر. بعض الشخصيات التي خلد التاريخ أسماءهم مرت بهذه المؤسسة، مثل عميد النشطاء من تيزي وزو، مقران بوبريت الملقب رابح مؤسس مجموعة الكشافة المسلمين الجزائريين (الهلال) في تيزي وزو في 1938، وكان رفيقا للشهيد المؤسس محمد بوراس. وأيضًا علي حموتان ومولود فرعون، مفتشا المراكز الاجتماعية الذين اغتالتهم منظمة الجيش السري الفرنسي في 1962. وكذا أحمد زميرلي، عضو سابق في حزب الشعب الجزائري، مسؤول منظمة جبهة التحرير الوطني في فرنسا، الذي تبوّأ منصب والي تيزي وزو من 1964 إلى 1966، وصديقه مبارك أيت منقلات، ناشط في حزب الشعب الجزائري، حيث تم طردهما بسبب أنشطتهما السياسية في 1938.</p> <p>على غرار المناطق الأخرى في البلاد، دفعت منطقة القبائل الكبرى ثمنًا باهظًا للتحرر من نير الاستعمار. سأذكر بعض الأسماء من نشطاء جبهة التحرير الوطني الذين كانوا طلابًا سابقين في الكلية وشاركوا في النضال قبل هذا النداء. من الذين لا يزالون على قيد الحياة:</p> <p>- القائد موح خامص، ضابط سابق في جيش التحرير الوطني.<br />- رابح سويبس، مسؤول إقليمي في فيدرالية في فرنسا، سفير سابق بعد الاستقلال.<br />- مصطفى حسون، مزيان لوانشي، علي أوبوزار، عبد القادر بلحاج.<br />ومن الذين فارقوا الحياة، أذكر:<br />- أحمد تيرزي، شريف أوبوزار، محمد بليل، سويبس مصطفى، حسين مزوني، غومزيان محمد، حسين غشتولي صلاح مكاشر، سكرتير الولاية الثالثة التاريخية السابق.<br />- النقيب مصطفى نوري، المسؤول الإقليمي، الملازم موح أريزكي حدادو، موح عميروش، ضابط مقاومة حتى اللحظة الأخيرة، وأصيب بجروح خطيرة. بعد الاستقلال، أدار مستشفى نذير في تيزي وزو.<br />- عزيز نوري، خريج أول دفعة من المدرسة الوطنية للإدارة، أمين عام ولاية سابق.<br />ومن طلاب الثانوية الذين استجابوا لنداء 19 مايو 1956 وسقطوا في ميدان الشرف كثيرون، حوالي خمسين اسمًا محفورًا على النصب التذكاري لثانوية فاطمة نسومر الحالية، وبعضهم لم يُذكر. من بينهم، من انضم إلى المقاومة بعد سنتين أو ثلاث سنوات، مثل رحيم حموتان وسي والي أيت أحمد، الأمين الحالي لمنظمة المجاهدين في تيزي وزو. لم يكونوا قد بلغوا 15 عامًا.</p> <p>أجدني عاجزًا عن سرد مسيرة كل طالب، لهذا سأكتفي بمسيرة أخي الأكبر أكلي. وأرجو أن يسامحني جميع رفاقه الذين لم أذكرهم. بعضهم معروف أكثر من الآخرين بسبب بطولاتهم واحترامهم لواجب الذاكرة من قبل إخوتهم، مثل أخي زميلي وصديقي سعيد ميتيش، الملازم موح نجرجر، الشهيد الذي أسر الكابتن غرازياني خلال معركة قتال متلاحم في معركة أث يحيى موسى.</p> <p>ولد أخي أكلي زميرلي في 5 يوليو 1937 في حي زلال في المدينة العليا لتيزي وزو. ارتاد المدرسة القرآنية لالة سعيدة، وتعلم بتفانٍ واهتمام كبير. حفظ السّور الأساسية من القرآن الكريم حتى سن 15 عامًا. تعلم اللغة العربية وتحدثها وقرأها وكتبها بطلاقة. مستواه الممتاز في العربية أفاده كثيرًا عند دخوله إلى الثانوية الفرنسية الإسلامية في بن عكنون. فقد وجه رسالة باللغة العربية إلى صديقه حبيب قبل بضعة أشهر من انضمامه إلى المقاومة، يجدد فيها صداقته الأبدية، مما يوحي إلى أنها بمثابة وداع ووداع نهائي. احتفظتُ بهذه الرسالة وكنت أقرأها باستمرار وأحلل المستوى الفكري وأقدر الأسلوب الأدبي وأحاول فهم درجة الوعي العالي لمراهق يبلغ من العمر 17 عامًا.</p> <p>عاد أكلي إلى المدرسة الحديثة في مدينته الأم تيزي وزو، واندمج في الأسرة. خلال سنة واحدة، كان مواظبًا على جميع الدروس ولم يتغيب أبدًا. كان متميزًا في جميع المواد العلمية والتقنية واللغات: الفرنسية، الإنجليزية، اللاتينية، والعربية الدارجة والفصحى. كان محل تقدير من جميع أساتذته الذين أولوه احترامًا عميقًا. كان في الصف الثاني في المدرسة. اجتاز جميع امتحانات الفصل الأول وحصل على درجات جيدة، ثم امتحانات الفصل الثاني بنفس الدرجات المرضية. كان سلوكه عاديًا تمامًا دون أي علامة على التوتر أو أي سلوك غير طبيعي يشير إلى تغيير في طبعه وعاداته. لم يظهر أي علامة غير مألوفة على ما كان ينوي فعله. ثم، دون سابق إنذار، غادر المدرسة كما كان يفعل عادة في 19 مايو 1956 ولم يعد أبدًا أو يعطي أي إشارة إلى أنه على قيد الحياة. انضم إلى إخوته في المقاومة في الجبال المحيطة. لم يكن قد بلغ 19 عامًا بعد.</p> <p>والمفارقة هي أنه لم تتم استعادة تقرير درجات الامتحان إلى أسرته أبدًا. لكن بعد خمسين عامًا، بفضل مدير سابق للثانوية، السيد بليد بلقاسم، حصلتُ على التقرير وأعطاني إياه عندما علم أنني أخ أكلي. كنت أملك تقرير درجات أخي الكبير الذي لم يكن لي أي ذكرى عنه. قرأت وأعدت قراءة جميع الدرجات التي حصل عليها، وقدرت ملاحظات أساتذته المختلفة، وكانت النتيجة النهائية: "مقبول في الصف الأعلى". وملاحظة أخرى: "غائب منذ 20 مايو 1956". احتفظت بهذا الوثيقة في أرشيفي الشخصي بعناية.. إنها مرجعية التحاقه بالثورة.</p> <p>كانت حياة أكلي خلال سنة في الجبل من أكثر الفترات نشاطًا وكثافةً. كانت مهمته الأساسية هي النضال المسلح والمشاركة في المعارك على الخطوط الأمامية في منطقة غير محمية على حدود مدينة تيزي وزو في تضاريس الجبال غير الوعرة، على مرمى الطائرات العسكرية، وعلى بعد بضعة كيلومترات من المطار العسكري في المخرج الغربي لمدينة تيزي وزو. كانت المروحيات المسماة "الموز" وطائرات الاستطلاع والمقاتلات DC10 لا تتوقف عن التحليق لتحديد مواقع المقاتلين من تيزي وزو واستهدافهم. بمجرد أن تتمكن الطائرات من معرفة إحداثيات مواقعهم، فتبدأ بالقصف المكثف والمستمر ثم تدخل الأسراب المقاتلة، وتكمل القصف بقنابل النابالم التي تحرق كل ما في طريقها من أجساد بشرية وحيوانات وأشجار ونباتات؛ كان هذا الجحيم على الأرض.</p> <p>كان أكلي، الشاب المقاوم، في القطاع الثاني الذي يغطي منطقة بني زمنزر، جزءًا من المنطقة الثالثة في الولاية الثالثة التاريخية. حيث كان مركز القيادة للقطاع يقع في رجاونة، تحديدًا في قرية إماغيسن داخل منزل عائلة أسما. كان هذا المكان ملاذًا للمقاتلين بعد معاركهم، ومركزًا للراحة والعلاج للمقاتلين المصابين.</p> <p>كان أكلي قد تلقى تدريبًا على الإسعافات الأولية قبل التحاقه بالثورة في الجبل. شمل هذا التدريب الاستعداد لمواجهة الإصابات الحربية والصدمات النفسية بطريقة احترافية. هذه المهارات مكنته من أداء مهامه الطبية والعلاجية للمقاتلين المصابين الذين كانوا بحاجة إلى رعاية يومية، بما في ذلك تطهير الجروح، تغيير الضمادات، إعطاء الحقن، مراقبة القطرات، والتطعيم ضد الكزاز.</p> <p>بفضل شخصيته القوية وطيبته وقوة إرادته رغم صغر سنه، كان أكلي يرفع معنويات الجرحى في المستشفى، حيث يقضون فترات طويلة قبل شفائهم أو انتظار نقلهم إلى مستشفيات أخرى لتلقي رعاية أكثر ملاءمة. كان أكلي، المثقف في المجموعة، يتولى كتابة الرسائل لمعظم المجاهدين الأميين أو قراءتها وترجمتها إلى العربية أو القبائلية، دون تغيير المحتوى أو خيانة الثقة التي أودعوها فيه.</p> <p>هكذا عاش أكلي حياته في الجبل مع إخوته في النضال من مختلف قرى منطقة تيزي وزو. كانوا في الغالب شبابًا وقليل التعليم أو أميين، لكن الفرق في المستوى الفكري أو الاجتماعي لم يظهر بينهم. كانوا إخوانًا في النضال متحدين لأجل الاستقلال أو التضحية القصوى.</p> <p>مرت سنة وجاء اليوم القاتل. كانت معركة من أكثر المعارك دموية، حيث استخدمت القوات الاستعمارية المعادية وحلفاؤها من الحركى جميع أنواع الأسلحة. تم تحديد موقع مجموعة من 10 مقاتلين في منطقة بني دوالا في مكان يسمى أزرو مزو، حيث أحاطت بهم قوات كبيرة ولم يكن لديهم أي فرصة للانسحاب. استمرت المعركة العنيفة طوال اليوم من الفجر حتى الغروب.</p> <p>من شرفة منزلها، كانت والدة أكلي تراقب الطائرات التي تدور في السماء فوق منطقة المعركة. كان هذا المشهد يشبه تحليق النسور، علامة نذير شؤم. كان لدى والدة أكلي شعور بأن ابنها جزءٌ من المعركة وأن حياته في خطر. لم تتوقف المعركة إلا عند حلول الليل.</p> <p>في اليوم التالي، استدعى الجنود والد أكلي. بعد استجواب مكثف، تم توجيهه إلى المستشفى دون أي تفسير. وبطبيعة الحال، تصور الوالد عند وصوله أنه سيزور ابنه المصاب في المعركة، أو أنه على الأقل مصاب وعلى قيد الحياة. لكن المكان الذي تم توجيهه إليه لم يكن قسمًا للإقامة بل مكانًا مظلمًا في الطابق السفلي، غرفة لحفظ الجثث تسمى المشرحة، حيث كان بها عشر جثث متراصّة.</p> <p>بشجاعة المؤمن الصادق والمسلم الممارس، وبعد تلاوة الفاتحة، تعرف الوالد على وجه وجسد ابنه الطاهر المثقوب بالرصاص، واحدة منها اخترقت وجهه. وبكرامة واعتزاز باستشهاد فلذة كبده، لم يذرف دمعة واحدة. أومأ الوالد برأسه مؤكداً أن الجثة هي بالفعل لابنه الشهيد أكلي. غادر المشرحة برفقة جنديين من العدو نحو مركز إداري للاستجواب مرة أخرى.</p> <p>كانت هذه هي المرة الأخيرة التي رأى فيها جسد ابنه. لم يتم تسليمه للعائلة لدفنه وفقًا للمبادئ الإسلامية. دفن المجاهدون العشرة الذين سقطوا في المعركة معًا في مقبرة مدوحة في تيزي وزو في مكان بعيد يصعب الوصول إليه، بعيدًا عن مقبرة عائلة أكلي.</p> <p>تمت رواية تفاصيل استشهاده من قبل شاهد عيان ناجٍ من هذه المعركة البطولية. فقد علمت عائلة أكلي بذلك بعد 60 عامًا عند قراءة كتاب عن تاريخ أكلي وإخوته في النضال في الجبل وفي موقع رجاونة. في ذلك الوقت، بعد عودته إلى المخبأ، لم يتم إبلاغ ابن عمه موح مكاشر بوفاة أكلي. كان مصابًا ولم يكن من الممكن إخباره حتى لا يتم تدمير معنوياته. كان أكلي ابن عمه الشاب، وكان يعتني به ويحميه ويحبه كثيرًا. موح مكاشر هو أيضًا من شهداء الثورة، فقد سقط في الميدان بسلاحه في يده، وكان متزوجًا من ابن عمته وأب لطفلين.</p> <p>إنضمّ أكلي الشهيد إلى إخوانه من الشهداء الآخرين في دار الخلود وجنة الله الواسعة. وبالتأكيد لا شيء يمكن أن يعزي والديه اللذين فقدا ابنهما الثاني في ريعان الشباب: 20 عامًا في عام 1957.</p> <p>إذا كان التضحية القصوى لهؤلاء الطلاب الذين انضموا إلى الثورة شائعة في ءلك الوقت، وإذا كانت حياتهم في الجبل متشابهة، وإذا تشاركوا نفس الأحزان بتعزية ودعم بعضهم البعض عند فقدان أحد إخوتهم في النضال، فإن لكل منهم حياة شخصية، وتجربة ومسيرة فردية في جو عائلي خاص وحساسية معينة تستحق أن تروى لتستمرّ إلى الأبد، كواجب ذاكرة.</p> <p>بعد الاستقلال، تم إعادة دفن تسعة من المجاهدين العشرة الذين سقطوا في ميدان الشرف، ودفنوا معًا في قراهم الأصلية. وبقي فقط قبر أكلي. إذ بعد نصف قرن، وبمبادرة من الأخ الأكبر إبراهيم، عضو منظمة جبهة التحرير الوطني، وبعد اجتماع عائلي، تقرر نقل قبره إلى مقبرة العائلة، وتم تنظيم مراسم جنازة، تميزت بقراءة القرآن الكريم وشهادات مؤثرة من الذين عرفوه، وخاصة التكريم البارز من المجاهد ضابط جيش التحرير الوطني وأمين عام الولاية صالح مكاشر، مؤلف عدة كتب عن حرب الجزائر.</p> <p>يقع قبر أكلي بجانب قبور والده عمار، جده أكلي، أخيه الأكبر محمد، جدته ووالدته في مقبرة العائلة لزميرلي في مقبرة مدوحة، واسمه محفور على واجهة مدرسة ابتدائية في مسقط رأسه في تيزي وزو.</p> <p>إن القيام ببحوث وتحريات حول هؤلاء الطلبة الأبطال ضروري لإخراجهم من المجهول والتعريف بهم لأجيال الأستقلال ليدركوا حجم التضحيات من أجل الحرية. يجب أن يقدم أفراد العائلة والشهود الذين عرفوهم شهاداتهم. يجب أن تكتب سيرهم الذاتية بحروف من ذهب حتى لا ينساهم أحد. لكي لا تذهب تضحياتهم سدى.</p> <p>المجد والخلود لشهدائنا. لتحيا الجزائر حرّة عزيزة.</p> <p>عمر زميرلي.</p>
اليَمِينُ زَرُّوَال.. الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ أَحَداً
2026-03-29 10:37:00
<p><em><span style="color: #e03e2d;"><strong>**بقلم: لعلى بشطولة**</strong></span></em></p> <h2> </h2> <h2> مَاتَ أَمْسِ</h2> <h2>لَيْسَ كَأَيِّ مَوْتٍ.</h2> <h2>مَاتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكَ السُّلْطَةَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ. مَاتَ الَّذِي قَالَ لِأَمْرِيكَا لَا وَعَادَ إِلى بَيْتِهِ. مَاتَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ قَصْرِ المُرَادِيَّةِ بِنَفْسِ مَا دَخَلَ بِهِ: لَا شَيْءَ غَيْرَ شَرَفِهِ.</h2> <h2>مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال. وَانْتَهَى مَعَهُ جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ. لَيْسَ جِيلَ المَوَالِيدِ. بَلْ جِيلُ مَنْ يَعْرِفُونَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: وَاجِبٌ.</h2> <h2> </h2> <p> </p> <h3> في الاسْمِ وَصِيَّةٌ</h3> <p>«زَرُّوَال» —بِلُغَةِ الأَوْرَاسِ الأَمَازِيغِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَمُتْ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ— تَعْنِي: صَاحِبُ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. أَيْ مَنْ يَحْمِلُ في عَيْنَيْهِ لَوْنَ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَطِيرُ، يَبْقَى رَجُلَ الأَرْضِ وَالطِّينِ وَالجِبَالِ.</p> <p> </p> <p>وَ«اليَمِين» —بِالعَرَبِيَّةِ— هُوَ القَسَمُ، وَهُوَ اليَدُ اليُمْنَى الَّتِي يُمَدُّ بِهَا لِلْعَهْدِ، وَهُوَ الجِهَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا البَرَكَةُ.</p> <p> </p> <p>حِينَ سَمَّاهُ وَالِدَاهُ عَامَ 1941 —وَالجَزَائِرُ لَا تَزَالُ تَئِنُّ تَحْتَ الاحْتِلَالِ— لَمْ يَضَعَا لَهُ اسْماً. وَضَعَا لَهُ مَسَاراً.</p> <p> </p> <p>فَكَانَ المَسَارُ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الأَوْرَاسُ لَا يَكْذِبُ</h3> <p>وُلِدَ بِبَاتِنَةَ، فِي قَلْبِ الأَوْرَاسِ. ذَلِكَ الجَبَلُ الأَشَمُّ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَنْحَنِيَ أَمَامَ رُومَا حِينَ قَاوَمَهَا تَاكْفَارِيناسُ دَماً ومَجْداً، وَأَمَامَ الفَاتِحِينَ حِينَ تَصَدَّتْ لَهُمُ الكَاهِنَةُ بِعِزِّ المَرْأَةِ الحُرَّةِ، وَأَمَامَ فَرَنْسَا الكُبْرَى حِينَ انْبَثَقَتِ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِنُوفَمْبِرَ 1954 مِنَ الشَّعَابِ وَالوِدْيَانِ.</p> <p> </p> <p>الأَوْرَاسُ لَيْسَ جُغْرَافِيَا. هُوَ جِينٌ وِرَاثِيٌّ في رُوحِ الجَزَائِرِ.</p> <p> </p> <p>وَمَنْ تَنْبُتُ أَصَابِعُهُ في طِينِهِ، يَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَا تُعَلِّمُهُ المَدَارِسُ وَلَا تَصُوغُهُ الأَكَادِيمِيَّاتُ: الكِبْرِيَاءُ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ، وَالصَّمْتُ الَّذِي يَقُولُ أَكْثَرَ مِنَ الكَلَامِ.</p> <p> </p> <p> سِتَّةَ عَشَرَ عَاماً وَبُنْدُقِيَّةٌ</p> <p> </p> <p>في عَامِ 1957، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَجَاوَزَ السَّادِسَةَ عَشَرَةَ، الْتَحَقَ بِجَيْشِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ.</p> <p> </p> <p>طِفْلٌ. بُنْدُقِيَّةٌ أَكْبَرُ مِنْ كَتِفَيْهِ. وَجَبَلٌ أَمَامَهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَحْتَجْ أَحَداً لِيَشْرَحَ لَهُ لِمَاذَا. كَانَ كَافِياً أَنْ يَرَى أُمَّهُ تَمْشِي مُطَأْطَأَةَ الرَّأْسِ في بَلَدِهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ في جَوَازِ سَفَرِ أَبِيهِ كَلِمَةً تَقُولُ «فَرَنْسِيٌّ» وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَكْذَبُ مَا كُتِبَ في تَارِيخِ الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ.</p> <p> </p> <p>رَفَاقُهُ في الجِبَالِ سَمَّوْهُ أَسَدَ الأَوْرَاسِ. لَمْ يَرْفُضْ. لَمْ يَقْبَلْ. مَشَى إِلى الأَمَامِ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> مُوسْكُو وَبَارِيس: يَتَعَلَّمُ مِنَ العَدُوِّ وَلَا يَصِيرُهُ</h3> <p>بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ، حِينَ جَلَسَ كَثِيرُونَ يَنَامُونَ عَلَى وِسَادَةِ أَمْجَادِ الثَّوْرَةِ، ذَهَبَ زَرُّوَال إِلى القَاهِرَةِ، ثُمَّ إِلى مُوسْكُو عَامَ 1965، ثُمَّ إِلى مَدْرَسَةِ الحَرْبِ في بَارِيسَ —نَعَمْ، في بَارِيسَ، بَلَدِ المُسْتَعْمِرِ بِالأَمْسِ— لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الحَرْبِ دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الاسْتِعْمَارِ.</p> <p> </p> <p>هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ رَجُلِ دَوْلَةٍ حَقِيقِيٍّ وَمُقَلِّدٍ: الأَوَّلُ يَأْخُذُ الأَدَاةَ وَيَتْرُكُ الرُّوحَ، وَالثَّانِي يَأْخُذُ الرُّوحَ وَيَضِيعُ.</p> <p> </p> <p>عَادَ لِيَبْنِيَ. أَكَادِيمِيَّةُ شَرْشَالَ (1981)، تَمَنْرَاسَتُ (1982)، بَشَارُ (1984)، قَسَنْطِينَةُ (1987). ثُمَّ جِنِيرَالاً عَامَ 1988. ثُمَّ قَائِداً لِلْقُوَّاتِ البَرِّيَّةِ عَامَ 1989.</p> <p> </p> <p>رَجُلٌ يَبْنِي لَبِنَةً لَبِنَةً، لَا يَقْفِزُ، لَا يَتَزَاحَمُ، لَا يَنْتَظِرُ شُكْراً.</p> <p> </p> <p> «لَا أُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»</p> <p> </p> <p>في عَامِ 1990، اخْتَلَفَ مَعَ الرَّئِيسِ الشَّاذْلِي بِنْ جَدِيدَ. لَمْ يُسَاوِمْ. أَرَادُوا أَنْ يُبْعِدُوهُ بِهُدُوءٍ، فَعَيَّنُوهُ سَفِيراً في بُخَارِسْت.</p> <p> </p> <p>قَبِلَ. ذَهَبَ. ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ وَقَالَ الجُمْلَةَ الَّتِي تُكَثِّفُ رُوحَهُ كُلَّهَا:</p> <p> </p> <p>**«لَا أُرِيدُ أَنْ يَدْفَعُوا لِي رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ.»**</p> <p> </p> <p>تَوَقَّفْ. اقْرَأْهَا مَرَّةً أُخْرَى.</p> <p> </p> <p>في زَمَنٍ يَتَقَاتَلُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى مَقَاعِدِ السَّفَارَاتِ وَمَنَافِعِهَا، رَفَضَ هُوَ مَقْعَداً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ فِيهِ شَيْئاً حَقِيقِيّاً. عَادَ إِلى بَيْتِهِ في بَاتِنَةَ. وَأَغْلَقَ الأَبْوَابَ. وَظَنَّ أَنَّ المَسَارَ انْتَهَى.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَنْتَهِ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> يَنَايِرُ 1994: الوَطَنُ يَنَزِفُ وَيَسْتَدْعِيهِ</h3> <p>كَانَتِ الجَزَائِرُ تَحْتَرِقُ. لَيْسَ مَجَازاً. مِئَةُ أَلْفِ شَهِيدٍ —وَهَذَا رَقْمٌ لَا يُدْرَكُ ثِقَلُهُ إِلَّا حِينَ تَتَخَيَّلُ مَدِينَةً بِأَكْمَلِهَا مُحِيَتْ مِنَ الخَرِيطَةِ. آبَاءٌ يَدْفِنُونَ أَبْنَاءَهُمْ. أُمَّهَاتٌ لَا يَعْرِفْنَ أَيَّ يَوْمٍ سَيَكُونُ الأَخِيرَ. وَالدَّوْلَةُ في فَرَاغٍ مُؤَلِمٍ تَحْتَ ثِقَلِ أَزْمَةٍ بَدَأَتْ بِقَرَارِ وَانْتَهَتْ بِدَمٍ.</p> <p> </p> <p>أَرَادُوا رَجُلاً لِلمُرَادِيَّةِ. ذَهَبُوا لِبُوتَفْلِيقَةَ أَوَّلاً. رَفَضَ. فَعَادُوا إِلى الرَّجُلِ الصَّامِتِ في بَاتِنَةَ.</p> <p> </p> <p>وَدَوَّنَ الجِنِيرَالُ خَالِدُ نَزَّارُ في مُذَكِّرَاتِهِ —وَهِيَ وَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ في تَارِيخِنَا السِّيَاسِيِّ المَكْتُوبِ— أَنَّ زَرُّوَال كَانَ «الأَكْثَرَ ارْتِبَاكاً» في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ **«قَبِلَ، بِدَافِعِ الوَاجِبِ، أَنْ يَصِيرَ رَئِيساً لِلدَّوْلَةِ.»**</p> <p> </p> <p>لَيْسَ بِفَرَحٍ. لَيْسَ بِطَمَعٍ. بَلْ: **بِدَافِعِ الوَاجِبِ.**</p> <p> </p> <p>كَأَنَّهُ يَحْمِلُ جَبَلاً لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَحَداً غَيْرَهُ يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.</p> <p> </p> <p>في الثَّلَاثِينَ مِنْ يَنَايِرَ 1994، جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ المُرَادِيَّةِ بِلَا شَهْوَةِ السُّلْطَةِ، وَبِكَامِلِ ثِقَلِهَا فَوْقَ صَدْرِهِ.</p> <p> </p> <p> المَرْأَةُ الَّتِي صَوَّتَتْ وَهِيَ تَرْتَجِفُ</p> <p> </p> <p>«لَا تَخْرُجُوا، سَنَذْبَحُكُمْ.»</p> <p> </p> <p>هَكَذَا قَالَتِ الجَمَاعَاتُ المُسَلَّحَةُ قَبْلَ انْتِخَابَاتِ نُوفَمْبِرَ 1995.</p> <p> </p> <p>وَلَكِنَّ فَاطِمَةَ —أَوْ خَدِيجَةَ، أَوْ زَهْرَةَ، أَوْ أَيَّ اسْمٍ تَشَاءُ لِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَزَائِرِيَّةِ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ أَخَاهَا في العَشْرِيَّةِ— لَبِسَتِ الجِلْبَابَ الأَسْوَدَ صَبَاحَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَوَقَفَتْ أَمَامَ المَرْآةِ لَحْظَةً، وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ دَفَنَ حَبِيباً: «سَأَذْهَبُ.»</p> <p> </p> <p>وَذَهَبَتْ.</p> <p> </p> <p>يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حِينَ وَضَعَتِ الوَرَقَةَ في الصُّنْدُوقِ. لَمْ تَكُنْ تُصَوِّتُ لِرَجُلٍ. كَانَتْ تُصَوِّتُ ضِدَّ الذَّبْحِ. كَانَتْ تُصَوِّتُ لِحَقِّ ابْنِهَا في أَنْ يَرْقُدَ في قَبْرِهِ بِسَلَامٍ، وَلِحَقِّهَا هِيَ في أَنْ تَنَامَ لَيْلَةً وَاحِدَةً دُونَ خَوْفٍ.</p> <p> </p> <p>وَكَانَتْ مِنَ الـ 74,24% الَّذِينَ خَرَجُوا ذَلِكَ اليَوْمَ رَغْمَ التَّهْدِيدِ. وَهَذَا الرَّقْمُ —أَعْلَى نِسْبَةِ مُشَارَكَةٍ في تَارِيخِ الجَزَائِرِ المُسْتَقِلَّةِ— لَيْسَ إِحْصَاءً. هُوَ أَنِينٌ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ خَرَجَ لِيَقُولَ: نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ.</p> <p> </p> <p>فَازَ زَرُّوَال بِـ 61,34% مِنَ الأَصْوَاتِ. لَكِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ كَانَ لِفَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَزَهْرَةَ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الرَّحْمَةُ: الكَلِمَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا بِعِنَايَةٍ</h3> <p>حِينَ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ المُسَلَّحِينَ التَّائِبِينَ إِلى مُجْتَمَعَاتِهِمْ، لَمْ يُسَمِّ سِيَاسَتَهُ «العَفْوَ» القَانُونِيَّ الجَافَّ وَلَا «إِعَادَةَ الإِدْمَاجِ» البِيرُوقْرَاطِيَّةَ الَّتِي يُحِبُّهَا التُّقَنُوقْرَاطُ. سَمَّاهَا: **الرَّحْمَةُ.**</p> <p> </p> <p>وَفِي هَذَا الاخْتِيَارِ اللُّغَوِيِّ وَحْدَهُ تَنَامُ فَلْسَفَةُ رَجُلٍ بِأَكْمَلِهَا.</p> <p> </p> <p>الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ ضَعْفاً. هِيَ قُوَّةُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْبَ الَّذِي فَقَدَ مِئَةَ أَلْفِ ابْنٍ لَا يَحْتَاجُ مَزِيداً مِنَ الدَّمِ. يَحْتَاجُ إِلى أَنْ يَتَنَفَّسَ. وَآلَافُ المُسَلَّحِينَ أَلْقَوا أَسْلِحَتَهُمْ وَعَادُوا. وَالهُدْنَةُ مَعَ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ لِلْإِنْقَاذِ أَرْسَتْ أُسُسَ مِيثَاقِ الوَئَامِ المَدَنِيِّ الَّذِي أَنْقَذَ مَا تَبَقَّى مِنَ البِلَادِ.</p> <p> </p> <p>الحُرُوبُ لَا تَنْتَهِي دَائِماً بِرَصَاصَةٍ أَخِيرَةٍ. أَحْيَاناً تَنْتَهِي بِكَلِمَةٍ.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3> أَمْرِيكَا تَطْرُقُ بَابَهُ</h3> <p>في دِيسَمْبِرَ 1997، جَلَسَ السَّفِيرُ الأَمْرِيكِيُّ كَامِيرُون هِيُومْ أَمَامَهُ أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً. حَاوَلَ بِكُلِّ دِبْلُومَاسِيَّةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ العُظْمَى أَنْ يُقْنِعَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ.</p> <p> </p> <p>وَحِينَ انْتَهَى اللِّقَاءُ، كَانَ زَرُّوَالُ زَرُّوَالاً. لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الاجْتِمَاعِ بِسَفِيرِ أَقْوَى دَوْلَةٍ في العَالَمِ إِلَّا فِنْجَانُ بُنٍّ أَضَافَهُ النَّادِلُ.</p> <p> </p> <p>في تَارِيخِ الجَزَائِرِ، كَثِيرُونَ مَنِ انْحَنَوا أَمَامَ أَمْرِيكَا. وَكَثِيرُونَ مَنِ ادَّعَوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْحَنُوا. أَمَّا زَرُّوَالُ فَكَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّالِثِ النَّادِرِ: مَنْ لَا يَفْكِرُ في الأَمْرِ أَصْلاً.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> لَيْلَةُ وِنْدْهُوكَ</h3> <p>سِبْتَمْبِرَ 1998. وِنْدْهُوكَ، النَّامِيبُ. ضَيْفاً عِنْدَ الرَّئِيسِ سَامْ نُوجُومَا.</p> <p> </p> <p>فِي حَدِيقَةِ الإِقَامَةِ الرَّسْمِيَّةِ، وَحِيداً تَحْتَ سَمَاءِ أَفْرِيقِيَا المَفْتُوحَةِ، رَاحَ يَمْشِي. سِيجَارَةٌ بَعْدَ سِيجَارَةٍ. اللَّيْلُ يَمْضِي. لَا أَحَدَ.</p> <p> </p> <p>لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَا الَّذِي كَانَ يَدُورُ في رَأْسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَوْمِ. لَكِنَّنَا نَعْرِفُ النَّتِيجَةَ.</p> <p> </p> <p>فَجْراً، في الطَّائِرَةِ الرِّئَاسِيَّةِ عَائِدَةً إِلى الجَزَائِرِ، جَمَعَ مُرَافِقِيهِ. كَانَ هَادِئاً. كَانَ جَادّاً. وَقَالَ بِالكَلِمَاتِ الَّتِي يَرْوِيهَا مَنْ سَمِعُوهَا بِحُرُوفِهَا حَتَّى هَذِهِ السَّاعَةِ:</p> <p> </p> <p>**«تَعْلَمُونَ أَنِّي أَرَدْتُ الرَّحِيلَ مُنْذُ عَامٍ. الوَقْتُ قَدْ جَاءَ. يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَ المَكَانَ لِغَيْرِنَا. سَأَرْحَلُ.»**</p> <p> </p> <p>في الحَادِي عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبِرَ 1998، أَعْلَنَ انْتِخَابَاتٍ رِئَاسِيَّةً مُسَبَّقَةً وَتَنَازَلَهُ عَنِ السُّلْطَةِ.</p> <p> </p> <p>في تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، قَلَّمَا قَالَ زَعِيمٌ طَوْعاً وَاخْتِيَاراً: **«سَأَرْحَلُ.»** قَالَهَا وَاشِنْطُونُ حِينَ رَفَضَ الوِلَايَةَ الثَّالِثَةَ فَأَسَّسَ الجُمْهُورِيَّةَ. وَقَالَهَا زَرُّوَالُ فَوْقَ أَفْرِيقِيَا في طَائِرَةٍ لَا شُهُودَ فِيهَا غَيْرُ مُعَاوِنِيهِ.</p> <p> </p> <p>الأَوَّلُ نَحَتَ تَمْثَالاً مِنَ الذَّهَبِ. وَالثَّانِي لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى صُورَةً.</p> <p> </p> <p> سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنَ الذَّهَبِ الصَّامِتِ</p> <p> </p> <p>مَضَتْ سَنَةٌ. مَضَتْ عَشْرٌ. مَضَتْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ.</p> <p> </p> <p>لَمْ يَكْتُبْ مُذَكِّرَاتٍ. لَمْ يَمْنَحْ مُقَابَلَةً. لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى شَيْءٍ. لَمْ يُؤَسِّسْ حِزْباً. لَمْ يَظْهَرْ. لَمْ يَشْكُ. لَمْ يَتَذَمَّرْ. بَيْتُهُ في بَاتِنَةَ كَمَا هُوَ. وَنَافِذَتُهُ تُطِلُّ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الَّذِي وَلَدَهُ. وَيَكْفِيهِ.</p> <p> </p> <p>في 2009، حِينَ طُولِبَ بِالتَّرَشُّحِ، قَالَ: «لَنْ أُرَشِّحَ نَفْسِي.» وَأَضَافَ —وَهَذِهِ الإِضَافَةُ وَحْدَهَا تُعَرِّفُهُ: «لَيْسَ في مَصْلَحَةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وِلَايَةٌ ثَالِثَةٌ لِأَيِّ رَئِيسٍ.» قَالَهَا بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ وَلَمْ يَخَفْ.</p> <p> </p> <p>في 2019، حِينَ قَامَ الحُرَاكُ وَحَمَلَ الشَّعْبُ لَافِتَاتِهِ في الشَّوَارِعِ، جَاءَهُ أَقْوَى رَجُلٍ في الظِّلِّ الجَزَائِرِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ قِيَادَةَ المَرْحَلَةِ. كَانَ جَوَابُهُ مَا يَجِبُ دَائِماً: **«يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ الجِيلُ الجَدِيدُ مَكَانَهُ.»**</p> <p> </p> <p>لَيْسَ تَوَاضُعاً. بَلْ حِكْمَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الزَّعَامَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ تَتْرُكَ مَكَانَكَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ.</p> <p> </p> <p> </p> <p> </p> <h3> مَا قَالَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وَلَمْ يَقُلْهُ</h3> <p>كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَتِهِ الخَالِدَةِ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ وَلَا تَدُومُ إِلَّا بِالعَصَبِيَّةِ —تِلْكَ الرُّوحُ الجَمَاعِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَضَعُ مَصْلَحَةَ الجَمَاعَةِ فَوْقَ مَصْلَحَتِهِ. وَكَتَبَ أَيْضاً أَنَّ العَصَبِيَّةَ حِينَ تَنْهَارُ، يَنْهَارُ مَعَهَا كُلُّ شَيْءٍ.</p> <p> </p> <p>زَرُّوَالُ كَانَ تَجَسُّدَ العَصَبِيَّةِ في إِنْسَانٍ وَاحِدٍ. لَمْ يَقْرَأِ المُقَدِّمَةَ لِيَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ. وُلِدَ يَحْمِلُهُ في دَمِهِ وَطِينِ الأَوْرَاسِ.</p> <p> </p> <p>لَوْ عَاشَ ابْنُ خَلْدُونَ حَتَّى يَرَى هَذَا الرَّجُلَ يَقُولُ «سَأَرْحَلُ» في طَائِرَةٍ فَوْقَ أَفْرِيقِيَا، لَأَضَافَ إِلى المُقَدِّمَةِ فَصْلاً سَمَّاهُ: **«حِينَ تَتَجَسَّدُ الفَضِيلَةُ في إِنْسَانٍ.»**</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الجَبَلُ يَعُودُ إِلى الجَبَلِ</h3> <p>مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال الثَّامِنَ وَالعِشْرِينَ مِنْ مَارِسَ 2026 في مُسْتَشْفَى الجَيْشِ بِالجَزَائِرِ العَاصِمَةِ، عَنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ عَاماً. الجَيْشُ الَّذِي كَانَ هُوَ نَفْسُهُ حَجَرَهُ الأَصِيلَ.</p> <p> </p> <p>كَانَتْ حَيَاتُهُ تَتَّسِعُ لِكُلِّ مَا يَجِبُ أَنْ تَتَّسِعَ لَهُ حَيَاةُ إِنْسَانٍ: طُفُولَةٌ تَحْتَ الاحْتِلَالِ، وَشَبَابٌ في الثَّوْرَةِ، وَنُضُجٌ في البِنَاءِ، وَجِهَادٌ في سِنِيِّ الجَحِيمِ، وَشَيْخُوخَةٌ في الصَّمْتِ الكَرِيمِ.</p> <p> </p> <p>أَمَّا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاتُهُ قَطُّ: النِّفَاقُ. الطَّمَعُ. الاسْتِئْثَارُ. تَرْكُ البِلَادِ أَفْضَلَ حَالاً مِنْهُ.</p> <p> </p> <p> </p> <h3> الجَزَائِرُ تَبْكِي لِأَنَّهَا تَعْرِفُ</h3> <p>تَبْكِي الجَزَائِرُ الْيَوْمَ. وَدُمُوعُهَا حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ في قَرَارَةِ نَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تُوَدِّعُ رَجُلاً فَقَطْ. تُوَدِّعُ مِرْآةً كَانَتْ تَرَى فِيهَا مَا تَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَهُ.</p> <p> </p> <p>وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ —لَحْظَةَ الوَدَاعِ— يَتَسَاءَلُ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ هَذَا الوَطَنَ يَوْماً: لِمَاذَا نَبْكِي عَلَى رَجُلٍ عَاشَ صَامِتاً وَرَحَلَ صَامِتاً؟</p> <p> </p> <p>لِأَنَّ الصَّمْتَ الكَرِيمَ —في بِلَادٍ كَالجَزَائِرِ وَفي زَمَنٍ كَهَذَا— أَعْلَى دَرَجَاتِ الفَصَاحَةِ. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَا يُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ —في عَالَمٍ يَتَزَاحَمُ فِيهِ الجَمِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ— هَذَا الرَّجُلُ لَا يُعَادُ.</p> <p> </p> <p>وَدَاعاً يَا صَاحِبَ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ. وَدَاعاً يَا مَنِ اسْمُكَ كَانَ قَسَماً وَحَيَاتُكَ كَانَتِ الوَفَاءَ بِهِ حَتَّى النَّفَسِ الأَخِيرِ.</p> <p> </p> <p>وَدَاعاً يَا اليَمِينُ. يَا آخِرَ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكُوا السُّلْطَةَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَعَهُمْ غَيْرَ شَرَفِهِمْ.</p> <p> </p> <p>**رَحِمَكَ اللهُ وَأَسْكَنَكَ جَنَّةً تَلِيقُ بِمَنْ لَمْ يَرْضَ يَوْماً بِمَا دُونَ الكَرَامَةِ.**</p> <p> </p> <p>*إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ</p>
22 مارس..من رصاصة "الأب مصطفى بن بولعيد" إلى أمانة "الابن عبد الوهاب"
2026-03-23 12:37:00
<p><span style="color: #e03e2d;"><em><strong>في 22 مارس، لا يعود الزمن إلى الوراء… بل يعود الوعي إلى الواجهة."</strong></em></span></p> <p> </p> <h2>بين رصاصة الأوراس التي أطلقها الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد لانتزاع الحرية، وبين أمانة الوعي التي حملها نجله البكر الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد للحفاظ على الوطن، تتجلى حكاية الجزائر في أسمى صور الاستمرارية… وفي أقسى صور التناقض.</h2> <p> </p> <p>من نورانية الانتماء الصادق الذي يصنع الأوطان، إلى سوداوية فكرٍ ظلامي لا يرى في الوطن إلا هدفًا للانتقام، تتحدد معركة أخرى لا تقل خطورة: معركة الوعي.</p> <p> </p> <p>اليوم، لا نستحضر مجرد تاريخ، بل نستدعي مسؤولية جيل أدرك أن بناء الدولة لا يقل مسؤولية عن تحريرها، وأن الأوطان التي عُمّدت بالدم لا تُصان إلا بقلوب تجمع لا تُفرّق، وعقول تبني لا تهدم.</p> <p> </p> <h3>"بن بولعيد".. السلالة التي لا تكسرها الرصاصات...</h3> <p>ثمة تواريخ في أجندة الأمم لا تُطوى بمرور السنين، بل تزداد ثقلًا كلما اشتدت التحديات. و22 مارس ليس مجرد ذكرى، بل وقفة تأمل أمام مسارين اختصرا حكاية الجزائر: مسار الشهيد الرمز مصطفى بن بولعيد، ومسار نجله الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد. إنها حكاية انتقال الفكرة من جيل الثورة إلى جيل الدولة، ومن ضريبة الدم إلى أمانة الوعي.</p> <p> </p> <p> مصطفى بن بولعيد، رجلٌ لم يكتب التاريخ بالحبر، بل حفره في وجدان الجبال ببارود التحرير. في زمنه، لم تكن الجزائر واقعًا ملموسًا، بل كانت "حقًا مستلبًا" يتطلب تضحية استثنائية. رسم الشهيد معالم الطريق بدمه، مؤصلاً لقاعدة أن الأوطان لا تُهدى، بل تُنتزع من براثن المستحيل. استشهاده كان لحظة تأسيس لمشروع أكبر من الأشخاص، وأبقى معاني التضحية حيّة في تاريخ الجزائر.</p> <p> </p> <p>أما الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد، فقد ورث ما هو أشقّ من الرمزية؛ ورث ثقل الأمانة في مساره، لم يعد السؤال: "كيف نحرر الأرض؟" بل "كيف نحافظ على الرسالة؟"</p> <p> </p> <p>لقد أدرك مبكرًا أنّ بناء الدولة لا يقل مسؤولية عن هدم الاستعمار، وأنّ وحدة الصف ليست خيارًا بل ضرورة. لم يكن المرحوم "عبد الوهاب" مجرد "ابن لشهيد"، بل مشروعًا وطنيًّا قائمًا على الوعي والإخلاص، والقدرة على لمّ الشمل والجمع لا التفريق. الأوطان التي صُنعت بالتضحيات، لا تُحفظ إلا بقيم توازي تلك التضحيات.</p> <p> </p> <p>غير أنّ أخطر ما واجهته الجزائر لم يكن فقط عدوًا ظاهرًا، بل فكرًا ظلاميًا غادرًا، لا عنوان له إلا الغدر والانتقام، حتى ممن ضحّوا من أجل الوطن. لم يشفع للدكتور عبد الوهاب بن بولعيد أنّه ابن أحد أعمدة الثورة، ولا ما كان يحمله ولم تكن مكانته حاجزًا أمام يد الغدر التي استجابت لنداء الظلام.</p> <p> </p> <p>ما يجمع بين استشهاد الأب واغتيال الابن، في نفس اليوم، ليس مجرد تراجيديا عائلية، بل درس بليغ في الاستمرارية. قوة الذاكرة تكمن في فهم ما نتذكره؛ فقد جسّد الدكتور عبد الوهاب فكرة أنّ الأمانة تنتقل من جيل إلى جيل، وأنّ اغتيال الجسد لا ينهي الفكرة.</p> <p> </p> <p>في هذا اليوم، ندرك أن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات المنمقة، بل بالقدرة على تحويل الذاكرة إلى سلوك، والتاريخ إلى وعي، والتضحيات إلى التزام عملي يحصّن الوطن من كل ما قد يهدد تماسكه.</p> <p> </p> <p>تعزيز اللحمة الوطنية فوق كل اعتبار</p> <p>تغليب لغة العقل والوعي على لغة الفرقة والارتجال</p> <p>حماية الوطن من كل فكر هدام، أياً كان مصدره</p> <p>الحفاظ على وحدة الوطن واستكمال مسيرة البناء بنفس الصدق الذي صُنعت به الثورة</p> <p> </p> <p>رحم الله الشهيد مصطفى بن بولعيد، ورحم الله ابنه الدكتور عبد الوهاب بن بولعيد… وستبقى ذكراهما منارة تهدي الأجيال إلى طريق السيادة والوعي.</p> <p> </p> <p>رصاصة مصطفى أهدتنا الوطن… وأمانة عبد الوهاب علمتنا كيف نصونه.</p> <p> </p> <p>في 22 مارس، لا نبكي غياب الجسد… بل نُعلن ولادة الوعي.</p> <p> </p> <p>الجزائر التي صُنعت بالتضحيات، لا تُحفظ إلا بالوعي والوفاء.</p> <p> </p> <p>المجد والخلود لشهداء الجزائر</p> <p> </p> <p> </p> <p><em><strong>بقلم: حفيدة الشهيد وابنة المرحوم عبد الوهاب</strong></em></p>