عندما يصبح الله سلاحاً: إعتراف هاكابي وما يعنيه للعالم الإسلامي
2026-02-25 22:00:00
<p class="p1" dir="rtl"><em><span style="color: #e03e2d;"><strong><span class="s1">بقلم لعلى بشطولة </span></strong></span></em></p> <h2 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لم يعد ممكناً التعامل مع بعض التصريحات الغربية حول الشرق الأوسط باعتبارها زلات لغوية أو مواقف فردية. ففي لحظة سياسية مشحونة، تداخلت العقيدة الدينية مع الخطاب الجيوسياسي بشكل علني، ما أعاد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: ماذا يحدث عندما تتحول النصوص المقدسة إلى أدوات لتبرير مشاريع القوة والنفوذ؟</span></h2> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في مقابلة إعلامية حديثة، أشار السفير الأميركي لدى إسرائيل إلى رؤية تستند إلى وعد توراتي يمتد «من نهر مصر إلى الفرات»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك خطب إذا أُخذت كل تلك الأراضي». لم يكن هذا التصريح عابراً؛ فقد صدر عن ممثل رسمي لإحدى القوى الكبرى في العالم، وفي سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتقاطع الحرب في غزة مع توترات أوسع في الشرق الأوسط.</span></p> <p class="p2"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بين اللاهوت والسياسة</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ما يثير القلق في هذه التصريحات ليس مضمونها فحسب، بل الإطار الذي قُدمت فيه. فحين تُستدعى نصوص دينية لتبرير خرائط سياسية معاصرة، يصبح النزاع أكثر تعقيداً. يتحول من صراع على الأرض والحقوق إلى صراع رمزي يُلبس لباس القداسة، ما يجعل أي تسوية سياسية أكثر صعوبة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذا التداخل بين العقيدة والسياسة ليس جديداً في التاريخ، لكنه يكتسب اليوم بعداً مختلفاً في ظل نظام دولي مضطرب. فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل أيضاً بالسرديات: من يملك الرواية، يملك جزءاً من الشرعية.</span></p> <p class="p2"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ردود الفعل في العالم الإسلامي</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">التصريحات أثارت موجة ردود فعل واسعة في العالم الإسلامي. فقد عبّرت عدة دول ومنظمات إقليمية عن رفضها لأي طرح يمس بسيادة الدول أو يبرر التوسع على أساس ديني. صدرت بيانات رسمية تؤكد التمسك بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتدعو إلى احترام حدود الدول وحقوق الشعوب.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">غير أن ما لفت الانتباه كان أيضاً حجم الصمت في بعض العواصم الغربية. هذا الصمت فُسّر في كثير من الأوساط باعتباره علامة على أزمة أعمق في النظام الدولي، حيث تتزايد الفجوة بين الخطاب الرسمي حول القانون الدولي وواقع السياسات على الأرض.</span></p> <p class="p2"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أصوات يهودية معارضة</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في المقابل، لا يمكن اختزال الموقف في ثنائية دينية مبسطة. فقد صدرت مواقف من شخصيات ومنظمات يهودية تعارض توظيف النصوص الدينية لتبرير العنف أو التوسع. هذه الأصوات ترى أن الخلط بين الإيمان والسياسة التوسعية يضر بالعدالة وبصورة الدين نفسه.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وجود هذه المواقف يذكّر بأن الصراع ليس بين أديان، بل بين رؤى سياسية مختلفة، وأن داخل كل مجتمع تنوعاً في الآراء والمواقف.</span></p> <p class="p2"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">النظام الدولي أمام اختبار</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ما تكشفه هذه اللحظة هو أزمة أعمق في بنية النظام الدولي. فحين تُطرح مشاريع سياسية بصيغة لاهوتية، ويُقابل ذلك بصمت أو بردود فعل محدودة، يتآكل مفهوم القانون الدولي نفسه. تصبح القواعد قابلة للتأويل بحسب ميزان القوى، لا بحسب المبادئ المعلنة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">في هذا السياق، تتحول غزة إلى أكثر من مجرد ساحة حرب؛ تصبح رمزاً لاختبار العدالة الدولية. كيف يتعامل العالم مع معاناة المدنيين؟ وهل تبقى المعايير واحدة للجميع، أم تتغير وفق الحسابات الجيوسياسية؟</span></p> <p class="p2"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">مسؤولية العالم الإسلامي</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بالنسبة للعالم الإسلامي، تطرح هذه التطورات أسئلة استراتيجية:</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هل يكفي إصدار بيانات الإدانة؟</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كيف يمكن ترجمة المواقف إلى سياسات فعالة؟</span></p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية الجماعية، والاقتصاد، والإعلام في صياغة موقف موحد أكثر تأثيراً؟</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الواقع يشير إلى أن مرحلة البيانات وحدها لم تعد كافية. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية، حيث تتشكل التحالفات وفق المصالح والقدرة على الفعل. وفي هذا السياق، يصبح التنسيق بين الدول الإسلامية عاملاً حاسماً في تحديد مدى قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.</span></p> <p class="p2"> </p> <h3 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أخيراً</span></h3> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">التصريحات التي أعادت إشعال هذا الجدل قد تكون مجرد حلقة في سلسلة طويلة من التوترات، لكنها تكشف تحوّلاً أعمق في طبيعة الخطاب السياسي العالمي. حين يُستدعى المقدس لتبرير الصراع، يصبح الخطر مضاعفاً: على السياسة، وعلى الدين معاً.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع المجتمع الدولي إعادة الفصل بين الإيمان والسياسة، بين النص المقدس والقرار الجيوسياسي؟ أم أننا أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحدود بين الاثنين بشكل غير مسبوق؟</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">الإجابة ستتوقف على ما سيحدث في الأشهر والسنوات القادمة، وعلى قدرة الدول والمجتمعات على الدفاع عن مبادئ العدالة والقانون بعيداً عن منطق القوة وحده.</span></p> <p class="p2" dir="rtl"> </p> <p class="p2" dir="rtl"> </p>
القانون أم التوراة؟..حين تتكلم الدبلوماسية الأمريكية بلغة إسرائيل
2026-02-22 10:49:00
<p><em><strong>بقلم: لعلى بشطولة</strong></em></p> <p> </p> <p>ليست هذه زلة لسان.</p> <p>وليست مجرد مقابلة إعلامية عابرة.</p> <h2>ما قاله السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، حين اعتبر أنه سيكون «مقبولاً» أن تأخذ إسرائيل الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، ليس تصريحاً عفوياً.</h2> <p>إنه لحظة كاشفة.</p> <p>كاشفة عن تحوّل في الخطاب.</p> <p>كاشفة عن تداخل العقيدة مع السياسة.</p> <p>وكاشفة عن فجوة تتسع بين ما يقوله الغرب عن القانون الدولي، وما يفعله حين يتعلق الأمر بإسرائيل.</p> <p> </p> <p>المسألة ليست دينية.</p> <p>المسألة سيادية.</p> <p>المسألة تتعلق بمدى جدية الغرب حين يتحدث عن الشرعية الدولية.</p> <p> </p> <p><strong>ما الذي فهمته العواصم العربية فوراً؟</strong></p> <p>في القاهرة، لم يُقرأ التصريح كتأمل ديني.</p> <p>في الرياض، لم يُفهم كمزحة إعلامية.</p> <p>في عمّان والجزائر وبغداد والدوحة، لم يُعتبر زلة عابرة.</p> <p>فُهم على حقيقته:</p> <p>إشارة سياسية.</p> <p>وكما نقلت وكالة أسوشيتد برس في تقرير مؤرخ بـ 22 فبراير 2026:</p> <p>«أثارت تصريحات السفير غضباً فورياً في أوساط الحكومات العربية وأعادت طرح تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تخلط بين الخطاب الديني والسياسة الرسمية».</p> <p>أما صحيفة فايننشال تايمز فكتبت في عددها الصادر بتاريخ 23 فبراير 2026 أن التصريح يمثل:</p> <p>«خروجاً لافتاً عن اللغة التقليدية للدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط».</p> <p>ونقلت صحيفة الغارديان عن دبلوماسيين أوروبيين قولهم إن مثل هذا الخطاب «غير قابل للدفاع قانونياً ويقوّض دور واشنطن كوسيط».</p> <p>لكن الأخطر من الكلام… كان ما بعد الكلام.</p> <p>الصمت.</p> <p>لم يصدر تصحيح فوري من واشنطن.</p> <p>لم يصدر توضيح حاسم من البيت الأبيض.</p> <p>لم يُعلن أي تبرؤ واضح.</p> <p>وفي الدبلوماسية، الصمت ليس حياداً.</p> <p>الصمت رسالة.</p> <p>وكما قال دبلوماسي أمريكي سابق لصحيفة بوليتيكو:</p> <p>«حين لا تصحّح واشنطن سفيرها، تفترض العواصم الأخرى أنه يتحدث باسمها».</p> <p>وهذا ما فهمته المنطقة.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>القانون الدولي… حين يصبح انتقائياً</strong></p> <p>منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قام النظام الدولي الذي صاغته القوى الكبرى على مبدأ واضح لا لبس فيه: عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. هذا المبدأ لم يكن شعاراً أخلاقياً فحسب، بل قاعدة قانونية مُلزمة تشكّل أحد أعمدة الشرعية الدولية المعاصرة.</p> <p>وقد نصّ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967 صراحة على:</p> <p>«عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب».</p> <p>كما أكّد قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر عام 2016 أن:</p> <p>«إن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 لا يتمتع بأي شرعية قانونية ويُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي».</p> <p>وذكّرت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل قانوني بأن:</p> <p>«حظر اكتساب الأراضي بالقوة يظل أحد أوضح مبادئ النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية».</p> <p>هذه النصوص ليست تأويلات سياسية قابلة للنقاش، بل قواعد قانونية صريحة.</p> <p>ولا تسمح هذه القواعد بإعادة رسم الحدود استناداً إلى روايات دينية أو تاريخية.</p> <p>لكن حين يتحدث سفير يمثل دولة كبرى عن إمكانية توسّع جغرافي قائم على وعد ديني، فإن الإشكال لا يكون لاهوتياً بل قانونياً وسياسياً. إذ يُفهم مثل هذا الخطاب في المنطقة على أنه تلميح إلى أن قواعد القانون الدولي قد تصبح قابلة للتعليق أو التأويل عندما تتعارض مع تحالفات سياسية قائمة.</p> <p>وهنا تظهر المفارقة التي تثير تساؤلات متزايدة:</p> <p>هل تظل مبادئ الشرعية الدولية ثابتة في جميع الحالات؟</p> <p>أم أنها تُطبَّق بصرامة في بعض الملفات، وتُخفَّف في ملفات أخرى؟</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>الشارع العربي لم يعد ساذجاً</strong></p> <p> </p> <p>من القاهرة إلى الرباط إلى الخليج، لم يعد الشارع العربي يقرأ التصريحات الغربية بسذاجة.</p> <p>حين يسمع الناس سفيراً أمريكياً يتحدث عن حدود توراتية، لا يسمعون نقاشاً دينياً.</p> <p>يسمعون إشارة سياسية.</p> <p>يسمعون أن الجغرافيا قد تصبح قابلة لإعادة التفسير إذا تعلق الأمر بإسرائيل.</p> <p>هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة هي ما يغذي الشكوك.</p> <p>وهي ما يجعل الحديث عن «النظام الدولي القائم على القواعد» يبدو لكثيرين شعاراً أكثر منه قاعدة.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>وماذا عن العواصم الأقرب إلى إسرائيل؟</strong></p> <p>في أبوظبي والرباط، حيث اختير مسار التطبيع، تبدو الصورة أكثر حساسية.</p> <p>هذه الدول قدّمت علاقاتها مع إسرائيل كخطوة براغماتية: اقتصاد، أمن، تكنولوجيا.</p> <p>لم تقدّمها كاصطفاف عقائدي أو مشروع جغرافي.</p> <p>لكن خطاب «النيل إلى الفرات» لا يدخل ضمن اتفاقيات اقتصادية.</p> <p>إنه خطاب يتجاوز كل ما قُدّم للرأي العام.</p> <p>وهنا يظهر الحرج.</p> <p>لا يمكن لهذه الدول الدفاع عن خطاب توسعي ديني.</p> <p>ولا تريد في الوقت ذاته فتح مواجهة مع واشنطن أو تل أبيب.</p> <p>فيولد الصمت.</p> <p>صمت محسوب.</p> <p>صمت حذر.</p> <p>صمت يقرأه الشارع العربي بطريقته الخاصة.</p> <p>في المغرب، الذي ربط تطبيعه بملفات استراتيجية كبرى، يثير مثل هذا الخطاب سؤالاً واضحاً:</p> <p>هل الشراكة محدودة؟ أم مفتوحة على خرائط أوسع مما قيل؟</p> <p>وفي الإمارات، التي تقدّم نفسها كقوة استقرار، يصبح أي خطاب توسعي عبئاً على مشروعها البراغماتي. لأن الاستقرار لا يُبنى على خرائط دينية.</p> <p> </p> <p><strong>قراءة الجزائر وبقية العالم العربي والإسلامي</strong></p> <p>في الجزائر، يُقرأ التصريح كدليل إضافي على أن القانون الدولي يُستدعى حين يخدم مصالح القوى الكبرى، ويُهمَل حين يتعارض معها.</p> <p>في بقية العالم العربي والإسلامي، الشعور مشابه:</p> <p>الغرب يتحدث عن القانون… لكنه يطبقه بانتقائية.</p> <p>يتحدث عن الاستقرار… لكنه يسمح بخطاب يهدد خرائط المنطقة.</p> <p>يتحدث عن الشرعية… لكنه يبرر الاستثناءات.</p> <p>وهنا تتراكم الشكوك.</p> <p>ليس بسبب تصريح واحد، بل بسبب نمط يتكرر.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>المشكلة ليست في العقيدة… بل في خلطها بالدولة</strong></p> <p>لا أحد يحاكم إيمان السفير.</p> <p>المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى خطاب رسمي.</p> <p>الدول الحديثة لا تُدار بالوعود الدينية.</p> <p>تُدار بالقواعد والاتفاقيات.</p> <p>وحين تختلط هذه المستويات، يتصدع النظام الدولي نفسه.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>لحظة كاشفة</strong></p> <p>ما حدث ليس حادثة إعلامية.</p> <p>إنه مرآة لمرحلة كاملة.</p> <p>مرحلة يشعر فيها الشرق الأوسط بأن الغرب يتحدث عن القانون لكنه يتحرك وفق التحالفات.</p> <p>يتحدث عن الشرعية لكنه يترك الباب مفتوحاً للاستثناءات.</p> <p>يتحدث عن الاستقرار لكنه يسمح بخطاب يهزّ الاستقرار.</p> <p> </p> <p> </p> <p><strong>الكلمة الأخيرة</strong></p> <p>الشرق الأوسط يستطيع أن يتعامل مع قوة صريحة،</p> <p>لكنه لا يستطيع أن يثق بقوة تتحدث باسم القانون ثم تسمح لسفرائها بالحديث باسم النبوءات.</p> <p>وفي لحظة كهذه، لا يُطرح السؤال عمّا إذا كان الغرب يطبّق القانون الدولي…</p> <p>بل عمّا إذا كان لا يزال يعتبره قانوناً أصلاً،</p> <p>أم مجرد أداة تُستخدم حين يخدمه… وتُعلَّق حين لا يخدمه.</p>
عصر التفكك البطيء
2026-02-20 15:41:00
<p class="p1" dir="rtl"><span style="color: #e03e2d;"><strong><span class="s1">بقلم: لعلى بشطولة</span></strong></span></p> <h2 class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لا ينهار التاريخ في لحظة واحدة. إنّه يرتخي ببطء، على نحوٍ يكاد لا يُدرَك، إلى أن يبدأ ما كان يبدو راسخًا لا يتزعزع في الظهور كأمرٍ مؤقّت. نادرًا ما تختفي القوة حين تضعف جيوشها؛ بل تتلاشى حين يتآكل الإيمان بشرعيتها.</span></h2> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">على مدى ما يقارب ربع قرن، أعادت سلسلة من الأزمات رسم هندسة السلطة العالمية في هدوء. لم يُعلن أيّ حدثٍ منها منفردًا نهاية حقبة، لكنّها مجتمعة غيّرت الطريقة التي ينظر بها جزءٌ كبير من العالم إلى الغرب وإلى ادّعائه مركزيةً أخلاقية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كانت هجمات أيلول/سبتمبر 2001 قطيعة حقيقية، غير أنّ المرحلة التي تلتها أعادت تشكيل الحياة الدولية بطرقٍ ما تزال تتكشف. توسّعت التدخلات العسكرية، وتكاثرت الاستثناءات القانونية، وأصبح منطق المراقبة المعمّمة أمرًا مألوفًا. ظلّ خطاب الحقوق الكونية موجّهًا للخطاب الرسمي، </span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">لكنه أخذ يتعايش أكثر فأكثر مع سياساتٍ تُبرَّر باعتبارها انحرافاتٍ ضرورية عن تلك المبادئ ذاتها. اتّسعت فجوة بين القيم المُعلَنة والممارسات المطبّقة. وفي عالم الجغرافيا السياسية، لا تبقى مثل هذه الفجوات خفيّة.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">جاءت الأزمة المالية لعام 2008 لتعميق هذا الشرخ. فقد امتصّت مجتمعاتٌ كاملة صدمة الانهيار، بينما جرى تثبيت مؤسسات كبرى بموارد عامة. والثقة، إذا ما تزعزعت، لا تستعاد بالكامل. إنّها تتراكم في الذاكرة، وتؤثّر في كيفية تفسير الأزمات اللاحقة. </span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ما كان يُنظر إليه يومًا كنظامٍ قادرٍ على تصحيح نفسه، بدأ يبدو لكثيرين نظامًا قادرًا أساسًا على حماية مراكز قوته.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">داخل المجتمعات الغربية نفسها، كشفت السنوات التالية هشاشةً غير متوقّعة. احتدّ الاستقطاب السياسي، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، وأصبحت سرديات الاستقرار الديمقراطي أقلّ إقناعًا. أظهرت صعود الحركات الشعبوية والتوترات المحيطة بالانتخابات الأخيرة ما كان يتراكم تحت السطح منذ زمن: أزمة لا في الحكم فحسب، بل في التماسك ذاته. نظامٌ طالما قدّم نفسه نموذجًا للاستقرار بات يواجه تناقضاته الداخلية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ثمّ جاءت الجائحة لتكشف حدودًا بنيوية. فقد أظهرت الفوارق في الوصول إلى الرعاية واللقاحات، وتعثّر التنسيق الدولي، والضغط على الأنظمة العامة، مدى هشاشة فكرة التضامن العالمي عند أول اختبار.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1"> وكما لاحظ ألبير كامو يومًا، تكشف الأزمات الكبرى عن قوّة المؤسسات الإنسانية وحدودها معًا، كما تشكّل الطريقة التي يُحكَم بها على الأفعال المستقبلية.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ثمّ جاءت غزّة. فالدمار الذي أعقب أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023 تجاوز أثره حدود المنطقة. صور الخراب، واتّساع معاناة المدنيين، وشلل الآليات الدولية، كلّها أحدثت تحوّلًا عميقًا في التصوّر العالمي. </span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">أُحيلت المسائل إلى المحاكم الدولية، ودخلت نقاشات قانونية حول انتهاكات جسيمة للقانون الدولي بما في ذلك اتهامات بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية إلى حيّز العدالة العالمية الرسمي. </span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بالنسبة لكثيرين في الجنوب العالمي، بلورت أحداث غزّة شعورًا طويل الأمد بعدم التماثل: مبادئ تُستدعى في سياق، وتُطبّق بصورة مختلفة في سياق آخر. سواء صيغ هذا الإدراك بلغة القانون أو الأخلاق، فقد أصبح قوّة جيوسياسية قائمة بذاتها.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ليست التصوّرات أمرًا ثانويًا في العلاقات الدولية. فهي تصوغ التحالفات، والرأي العام، واستعداد الدول لقبول سلطة من يدّعي القيادة. في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، تُفسَّر العقود الأخيرة عبر ذاكرة تاريخية أعمق. التدخلات العسكرية، والتحالفات الاستراتيجية، وسرديات الصراع الحضاري المتكررة، أعادت إحياء أطرٍ رمزية أقدم. </span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">هذا لا يعني أنّ النزاعات المعاصرة استمرار حرفي لحملاتٍ غابرة؛ بل يعني أنّ التاريخ، حين يُستدعى، يكتسب حياةً خاصة في المخيال الجمعي. وفي الجغرافيا السياسية، كثيرًا ما يسبق الخيال الواقع.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">وفي موازاة ذلك، أدّت فضائح طالت شخصيات بارزة ونخبًا عابرة للحدود إلى مزيدٍ من تآكل الثقة العامة. فقد عزّزت الانكشافات المرتبطة بجيفري إبستين الإحساس بأنّ شبكات النفوذ قد تعمل خارج نطاق المساءلة العادية. ولا يتعلّق الأمر بشخصٍ واحد، بل بقلقٍ أوسع حول شفافية الأنظمة ونزاهتها حين تدّعي الشرعية بينما تبدو معتمة لمن تحكمهم.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">كلّ هذا يحدث في مشهد عالمي آخذٍ في التحوّل. النفوذ الاقتصادي والسياسي يتوزّع، وتحالفات جديدة تتشكّل عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. لا يعني صعود مراكز قوّة متعددة أنّ الغرب فقد تأثيره، بل أنّ هذا التأثير لم يعد منفردًا ولا سلطته غير محلّ نزاع. العالم المتعدّد الأقطاب لم يعد نظرية مجرّدة، بل واقعًا يتبلور.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">نادرًا ما تدرك الإمبراطوريات اللحظة التي يتوقّف فيها سردها عن الإقناع. تستمر في مخاطبة العالم بلغة الكونية فيما يزداد جمهورها تشكّكًا. منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، أضعفت سلسلة من الأزمات—أمنية ومالية وسياسية وصحية وأخلاقية—تماسك الرواية الغربية عن ذاتها. أصبحت غزّة نقطة تركيز في هذا المسار، إذ كثّفت النقاشات حول القانون والعدالة واتساق السلوك الدولي. </span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">بالنسبة لكثير من المراقبين، تجاوز حجم الدمار والمعاناة هناك عتبةً تُجبر العالم على التساؤل عمّا إذا كانت المبادئ التي قامت عليها المنظومة الدولية ما تزال تحتفظ بمعناها في التطبيق.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">السؤال ليس ما إذا كان الغرب سيختفي. فالحضارات لا تتلاشى بين ليلة وضحاها. السؤال هو ما إذا كان قادرًا على التوفيق بين مثله المعلَنة وصور أفعاله كما تُدرَك عالميًا. وقد أشار أرنولد توينبي يومًا إلى أنّ الحضارات لا تسقط لأنّها تُدمَّر من الخارج، بل لأنّها تفشل في الاستجابة الخلّاقة للتحديات التي تواجهها. والشرعية، إذا تآكلت، يصعب استعادتها.</span></p> <p class="p2"> </p> <p class="p1" dir="rtl"><span class="s1">ما نشهده قد لا يكون انهيار نظام، بل النهاية الهادئة لوهمٍ ما: وهم أنّ السلطة الأخلاقية يمكن أن تبقى متماسكة بينما يبدو تطبيقها غير متكافئ. تستمرّ القوة ما دام العالم يؤمن بتبريرها. وعندما يبدأ ذلك الإيمان بالتلاشي، لا يعلن التاريخ التحوّل بقطيعة درامية؛ إنّه ببساطة يطوي الصفحة.</span></p>