اساطير

هذه هي إفريقيا

تعرف “كان” الكاميرون منذ انطلاقتها حملة تشويه وتشويش قوية عبر مختلف وسائل الاتصال العالمية، الحملة تحت شعار “ماما أفريكا” ترمي إلى تقديم القارة الافريقية كتلك العجوز الهرمة والمترهلة غير القادرة على تولي أمورها بنفسها، بل المصابة بمرض الزهايمر التي يتربص بها المتنمرون للاستهزاء والاستهتار بكل أفعالها وخطواتها. 

فتُضخم الهفوات وتُعظم النقائص، ولا يكتفي رواد هذه الحملة بإبرازها على ما هي عليه، أي أخطاء تنظيمية راجعة إلى سوء تحضير البطولة، بل اغتنموا الفرصة لتسييس الإخفاقات واسقاطها على القارة بأكملها. 

حقيقة لم يرق تنظيم “كان الكاميرون” إلى المستوى الذي عرفته الكأس القارية في مصر 2019 ، أو كأس العرب في قطر، أو كأس العالم في جنوب إفريقيا في 2010 ، أو معظم المناسبات الكروية والرياضية العالمية، فلا أرضية الملاعب ولا المرافق ولا حتى التحكيم لم يبلغ المستوى المنشود.

ولكن وبغض النظر عن هذه النقائص الفادحة، الكاميرون اليوم يدفع ثمن تمرده ووقوفه في وجه إحدى أقوى الهيئات الرياضية في العالم، بل أقواها على الاطلاق، وهي الفيفا، التي حاولت تأجيل الموعد الكروي بمساعدة بعض الفدراليات الكروية الافريقية متحججة بالظرف الصحي وخاضعة لأهواء الأندية الاوروبية المهيمنة التي حاولت منع لاعبيها الأفارقة من المشاركة في البطولة. ولا تقتصر العقوبات التي يتحملها البلد المنظم على الحملة الإعلامية الشنعاء بل تفطن الملاحظون إلى شح الحملات الاشهارية وتثاقل الشركات العالمية التي اعتادت المشاركة بقوة عبر عمليات الرعاية (sponsoring) في مثل هذه المناسبات في ربط علاماتها بهذا العرس الكروي الافريقي، ما يمثل خسارة كبيرة لمنظمي الدورة وكسب فائت مهم. 

إن الكاميرون اليوم تواجه معركة تتعدى المجال الكروي والرياضي، بل وتتعدى حتى حدودها الجغرافية، فبإيجابياتها وسلبياتها هي ترفع رغما عنها، تحدي قارة بأكملها أمام هيئات وجماعات مصالح عالمية لا تفوت أي فرصة لاستصغارها والاستهزاء بقدراتها، هيئات ولوبيات ترفض الاعتراف بالخصوصيات وتسحق الهويات، خاصة إذا كانت هذه الخصوصيات نابعة من العمق الافريقي. 

إن لكرة القدم في إفريقيا خصائص تجعلها متميزة عن غيرها ومنافسات لها ذوقها الخاص الذي يتماشى مع مناخها وثقافات شعوبها، فنكهة كأس إفريقيا لأمم تختلف عن تلك التي يعرفها الجمهور الرياضي في كأس أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مناخ قاس وأجواء فلكلورية بهيجة ولعب خشن وأرضيات صعبة وتحكيم “تقديري”، كل هذا قد يدعو بعض الأطراف إلى التقليل من أهمية هذا العرس الكروي.

ولكن لمن يحب كرة القدم العفوية والمنافسة المشوقة فكأس إفريقيا للأمم يبقى الموعد الذي لا يمكن تجاوزه. 

أما عن المستوى الكروي فيكفي أن نحصي عدد اللاعبين الأفارقة في أكبر الأندية العالمية لندرك أهمية الخزان القاري من المواهب. 

فهذه إفريقيا، وهذه هي “ماما أفريكا”، ليست بالعجوز الهرمة وإنما هي منبع الأصول والحكمة بميزاتها وخصوصياتها التي حتى ولو  أنها لا تروق للجميع، تبقى مصدرا للتشويق. 

سمير عزوق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق