اساطير
أخر الأخبار

لبنان وسلطة الانتداب الجديد!

من الطبيعي أن يدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان دخول المنقذ، فقد استقبله اللبنانيون استقبال الفاتحين ووقع الآلاف منهم عريضة تطالب بعودة الانتداب.

المصيبة أن ما يعيشه لبنان منذ قرابة القرن من صراع وحروب أهلية، وصراع طوائف هو نتيجة للانتداب الذي ورث أملاك الرجل المريض العثماني، وما إن خرج من المنطقة، -هذا إذا كان خرج حقا-  حتى قطع أوصالها وفتت الهلال الخصيب إلى دويلات تحمل في طياتها كل الأسباب التي تمنع من بناء دول قوية مستقلة عن المنتدب، ولهذا هرع ماكرون إلى بيروت قبل أن يفكر أي زعيم عربي في زيارة هذه المدينة المنكوبة، فالأمين العام لجامعة الدول العربية الخانعة، لن يأتي بيروت إلا اليوم السبت، ولا أدري ماذا سيجلب في جعبته غير الأسف، بينما جاء الرئيس حاملا أطنانا من المساعدات، ووعود بمؤتمر دولي للمانحين لإعادة بناء ما هدمه التفجير في لبنان.

 فحتى غداة الجريمة الشنعاء التي استهدفت رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في فيفري 2005، كان شيراك وحرمه أول المعزين فقد رافقا زوجة المغدور، قبل وصول برقيات التعازي العربية.

فمن الطبيعي أن يتجرأ الرئيس ماكرون ويأمر بتغيير نظام الحكم في لبنان، وهو ما ردده الرئيس العماد ميشال عون عندما قال “أن لبنان أصبح اليوم أمام تغييرات وإعادة النظر في نظامه السياسي”، النظام السياسي الموروث عن اتفاق الطائف بتقسيم السلطات بين طوائفه، الرئاسة للمارونيين، والبرلمان للشيعة، وللسنة رئاسة الحكومة، فهل تغيير نظام الحكم سيستهدف بالدرجة الأولى شيعة حزب الله البقرة السوداء في نظر الغرب، وفي نظر بقية الطوائف التي تتهمه بكل المصائب التي تحل بلبنان، فقد قال بهاء الحريري، شقيق سعد رئيس الحكومة الأسبق، فالسياسة في لبنان عائلات تتوارث المناصب مثلما تتوارث الفساد، قال : “إن كل شخص في بيروت يعرف أن “حزب الله” يسيطر على ميناء بيروت ومطارها ومن غير المعقول أن السلطات لم تكن تعلم أن شحنة نترات الأمونيوم القاتلة كانت مخزنة بمستودع هناك”، موجها بصورة واضحة أصابع الاتهام إلى حزب الله.

 فهل نظام الحكم في لبنان الذي سيفصله ماكرون مثلما فصل الانتداب تقسيم الشام بمنح دولة لمسيحيي الشرق، دون أن يحسب حساب مستقبل النمو الديمغرافي للطوائف المسلمة التي بقيت هناك، فتجاوز عدد المسلمين بين شيعة وسنة عدد المسيحيين، ولهذا لم تجر أية سلطة في لبنان تعدادا سكانيا خوفا من أن يصبح المسيحيون أقلية، وهم من يتمسكون بزمام الجيش والكثير من السلطات الأخرى، هل سيبنى نظام الحكم هذا على حساب حزب الله وسلاح المقاومة؟ علما أن الشيعة كانوا دائما يشتكون أنهم ممنوعون من تقلد مناصب عليا في الجيش اللبناني؟ ثم كان على عون وضيفه ماكرون أن يتحدثا عن إنشاء نظام للحكم في لبنان وعلى تأسيس دولة، لأن الواقع في لبنان أثبت أنه لا توجد دولة في لبنان ولا نظام، فكل طائفة تحكم بأحكامها، والحرب الأهلية التي ألقت سلاحها بعد اتفاق الطائف، أثبتت كل الصراعات والسجالات السياسية وتبادل الاتهامات والتملص من المسؤوليات طوال العقود الماضية، أن نيرانها لم تنطفئ.   كنا نأمل أن يؤدي انفجار بيروت إلى توحيد اللبنانيين حول بلادهم، وترك الصراعات جانبا حتى لا يؤدي الانفجار اللعين إلى انفجارات أخرى، لكن يبدو أن وحدة لبنان ستبقى حلما بعيد التحقيق، ويكفي قراءة سريعة في الجدل القائم حول أنقاض المرفأ لنفهم أن الوضع مرشح لأزمات أخرى لن تنتهي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق