اساطير

لا يلدغ العاقل من نفس الجحر مرتين

عرف الدينار الجزائري منذ بداية سبتمبر الحالي ما وُصف بالقفزة المفاجئة والتاريخية في التعاملات الرسمية البنكية والسوق السوداء. وجاءت هذه المعلومة التي قدمها البنك المركزي لتؤكد تحقيق العملة الوطنية مكاسب أمام اليورو والدولار تعادل الستة دنانير منذ السادس من سبتمبر، حيث أصبح سعر الدولار يوم السبت، يوافق الـ 140.55 دج للبيع، حسب البنك المركزي واليورو 140.31 دج، مع أن موازنة 2022 كانت قد حددت قيمة الدولار بـ 149 دج. أما في السوق الموازية فبلغت الأسعار بالترتيب 182 دج و181.96 دج، حسب منصة غير رسمية. 

وتوقعت شركة “فيتش سوليوشنز” ـ وهي إحدى أهم ثلاث مؤسسات التصنيف الإنمائي في العالم ـ أن يسجل الدينار الجزائري ارتفاعا يصل إلى 136.30 دج للدولار الواحد قبل نهاية العام الحالي. 

ويأتي هذا التحسن المحسوس بعد عشرية كاملة من تهاوي قيمة العملة الجزائرية التي تأثرت بطريقة مباشرة وعنيفة بانهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية منذ 2014 مسجلة تراجع بـ 50 بالمئة بين و2014 و2018 وبـ 12 بالمئة من 2018 إلى 2019. 

ويرجع الاخصائيون في علوم الاقتصاد هذا الإنجاز المهم إلى ارتفاع احتياطي الصرف الجزائري من العملة الصعبة بفضل القرارات السياسية التي وضعت حدا لعمليات الاستيراد العشوائية وتشجيع الصادرات ما أدى إلى تحسين احتياطي العملة الأجنبية من جهة، وإلى ارتفاع عائدات الجزائر من صادرات النفط ، حيث يتوقع المدير العام لشركة سوناطراك النفطية أن تبلغ 50 مليار دولار نهاية 2022 ، أي بزيادة 15 مليار دولار مقارنة بـ 2021، من جهة أخرى.

ولكن أمام هذه المعلومات “الماكرو اقتصادية” السارة يجب على المكلفين بتسيير أمور الاقتصاد الوطني ألا يتساهلوا ويفقدوا وتيرة الإصلاحات الضرورية والعديدة التي يحتاج إليها اقتصاد البلاد الذي أنهكته عشريات طويلة من التسيير العشوائي ونظام اقتصادي مبني على الريع، وليتذكروا أنه في 2013 كان احتياطي الصرف بالعملة الصعبة يقدر بـ 194 مليار دولار، دون أن يوفق المسؤولون السابقون في إقامة ديناميكية اقتصادية حقيقية ولا بضمان الرفاهية المتزنة للمجتمع الجزائري.

إن حشو خزائن الدولة مهما كان حجم الرصيد فيها لا يغني عن ضرورة التقيد بالتسيير الراشد للموارد، وإنما الأرقام هي مقادير نسبية، فهل يمكن الجزم أنه من يملك 10 ملايين دينار أو مليار سنتيم في رصيده البنكي هو غني أم فقير؟ 

إن كان هذا الفرد ذا مستوى اجتماعي متوسط، عامل ومتزن، فيمكن تصنيفه في رتبة “ميسوري الحال”، وأما إذا ما كان عاطلا عن العمل، دون مدخول منتظم، أعزب ولا يملك مسكنا خاصا فلن تغنيه الـ 10 ملايين دينار في شيء إن هو لم يحسن التصرف فيها ووضعها في مشروع أو مشاريع مثمرة تضمن مستقبله.

إن تحصيل الموارد، ومع العامل البشري تبقى العملة أهمها، لا فحوى له إن لم تظهر آثاره على ديناميكية إنتاج السلع والخدمات وتحسين مستوى رفاهية الأفراد والمجتمع. وتحقيق نتائج إيجابية في ميزانية الصرف والرفع من مستوى الخزائن أمر هام وسار، ولكنه في نفس الوقت يضع المشرفين على تسيير الشؤون العامة أمام مسؤولية أعظم وتحد أكبر، وهو ترشيد النفقات وردع الأطماع البشعة. ولا يلدغ العاقل من نفس الجحر مرتين. 

سمير عزوق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق