الثقافي

“علينا تحرير العقل من سلطة والوصاية التراثية”

 
نحن نعيش فعلا مشكلة حقيقية طال بقاؤها، وسنحاول في هذا الحوار مع البحاثة
السيد كريم جدي أن نفك شفرة هذا الوضع المخيف، من خلال أسئلة صريحة لها
علاقة بالأدب والفلسفة والدين، نواجه من خلالها موقعنا من العالم والوجود..
حوار معرفي يحفر بعيدا في أعماق الفلسفة ويبحث عن النضال الابستمولوجي
للخروج من اللامعقول إلى المعقول ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

حاوره: صلاح الدين مرزوقي
 
+”الفجر”: دعنا نشكرك على قبولك لهذا الحوار، كل تقديرنا لك.. ماذا يعني
الكتاب عند جدي وكم قرأت من كتاب في رحلتك الابستمولوجية والأدبية؟ وهل
يعد الكتاب إلها علينا أن نؤمن به وان نقترب منه ونبحر في أعماقه كي نصل
إلى الحقيقة؟

ـ ـ الباحث، السيد كريم جدي: الكتاب بالنسبة لي هو الألم.. لأنني كلما قرأت أكثر
كلما ازداد الوعي عندي.. وكلما ازداد وعيي ازداد ألمي… وأنا أستطيع تسمية
نفسي “بطل الجزائر في الألم”، لأنني قرأت أكثر من 3300 (ثلاثة آلاف
وثلاثمائة) كتاب… ولكن طردا مع الوقت اكتسبت مناعة شديدة وجلدا كبيرا ضد
الألم، إذ تسامحت مع ذاتي القارئة بعد أن امتلكت عقلا نقديا بتعبير فوكو في
جدلية المعرفة والسلطة.
 

  • هل أنت تلميذ لجورج طرابيشي أم أنك تتسلل إليه من اجل أن تكتشف محمد
    عابد الجابري؟

  • أنا تلميذ للجابري قبل طرابيشي وقد قرأت كل أعمالهما واستغرق مني ذلك
    ست سنوات (على شيء من التقطع).. ففي البداية كنت أسيرا للجابري وتحررت
    منه بعد قراءتي لطرابيشي وفي نهاية المطاف تحررت منهما، وقد ألفت كتابا
    بعنوان “تجربة النقد ونقد النقد عند جورج طرابيشي”، محاولا تجاوز المنزع
    الإيديولوجي الذي سقط فيه كلا المفكرين إلى الطرح الابستيمولوجي واضعا
    طرابيشي على ميزان النقد في التحليل الأخير.
     
    كيف يرى جدي الحركة الفكرية واللاهوتية القلقة التي تبحث عن بؤر الظلام
    في تراثنا بعد حرب حزيران؟ ومن المفكر الذي ترى انه استطاع ان يصل إلى
    الطريق الذي يجب ان نسلكه للوصل إلى النور؟

  • تقدم نكبة حزيران نموذجا لافتا لصدمة اللقاء الانثروبولوجي مع الأخر. فبعد
    ان استيقظ العرب من سباتهم العميق، ليجدوا أنفسهم متأخرين جدا في مرآة
    الغرب المتقدم، سارعوا للالتفاف حول التراث الذي اعتبروه بمثابة الأب المؤمثل
    لهم. والحال أن كوكبة من المفكرين، على غرار حسين مروة وصادق جلال
    العظم والجابري وأركون والطيب تيزيني وحسن حنفي.. الخ تناولوا التراث
    بالدرس والتحليل والحفر والنقد، محاولين ان يجدوا ما يخفف فيه عبء الصدمة
    الحضارية الكبرى. وقد انقسم الدارسون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول هم
    التراثيون أو السلفية التراثية الذين يرون في التراث هو الجامع المانع، وأن ما
    حدث في السابق يمكن حدوثه في الحاضر والمستقبل، وهذه في الحقيقة نظرة

اختزالية استيتيقية لا تاريخية. أما الاتجاه الثاني فهم دعاة القطيعة الخشنة، وهذا
التيار يرفض بشدة العودة للتراث بدعوى أنه هو سبب الأزمة، بل يجب علينا
قبول الآخر الغربي وأن نتغربن (إذا صح هذا التعبير) أي ان نكون تغريبيين..
وهذه الرؤية في تقديري لا تختلف عن الأولى، وحتى الجابري يسميها السلفية
الاستشراقية، أما التيار الثالث فهو تيار في المنزلة بين المنزلتين بتعبير
المعتزلة… تيار الفصل والوصل تيار الوسطية… لا يقطع مع التراث لأنه حاضر
فينا وإنما ان نتحول من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث.. وان في تراثنا
نماذج تنويرية لا تزال تتماشى أطروحاتها مع روح العصر… ومن جهة أخرى
لا نناصب العداء للغرب بل يجب الأخذ منه والقيام بتعديلات على الوافد بما
يتواءم مع طبيعة الذات العربية الإسلامية.
 
 هل أنت راوية؟ وهل يمكنك ان تحدثنا عن الشعر العربي القديم ورأيك في ما
ذهب إليه أدونيس ان الدين يجيب عن كل الأسئلة والشعر يطرح كل الأسئلة؟

 لا أقول عن نفسي راوية ولو أنني أحفظ أكثر من 10000 (عشرة آلاف) بيت
شعري، ناهيك عن نصف ألفية ابن مالك وبعض المتون الأخرى… أنا مجرد
متذوق للشعر القديم والحديث والمعاصر… أما عن رؤية أدونيس فلست متأكدا
أنه يقول هكذا كلام… فمن خلال قراءتي لأعماله أرى أنه سجين الشعر، وحتى
رؤيته للعالم وكذا للتصوف فقد كانت رؤية شعرية وليست فلسفية، وهنا أنا أوافق
ما ذهب إليه نصر حامد أبو زيد في كتابه “إشكاليات القراءة وآليات التأويل” في
معرض نقده لأدونيس.
 
 حدثنا عن رسالتك إلى الأستاذ الحاج دواق، هل هي رسالة عتاب أم تصحيح
فكري، أم أنها امتداد لمشروع معرفي فلسفي جديد؟

 رسالتي إلى الحاج دواق جاءت في معرض ردي على الذين هاجموا أستاذنا
الفاضل البروفيسور الحاج دواق، عندما تحدث عن جناية الشافعي في تأطيره
للعقل العربي الإسلامي، وكنت أضفت إليه معلومات تاريخية لا أقول بجهله لها
وإنما لم يذكرها فقط، وقد كانت غايتي في تلك المحاضرة هي إرساء عقل نقدي

لا يتماشى مع الأجوبة الجاهزة والأفكار الوثوقية المغلفة بسياج دوغمائي بتعبير
محمد أركون.
 

حين أقول لك لك “أولاد حارتنا”، هل تعني لك نجيب محفوظ أم الأزهر؟

أولاد حارتنا هي رواية خالدة لاشك، وقد قدمت فيها محاضرة متوفرة على
قناتي باليوتيوب تخللتها مسحة سريعة في حياة نجيب محفوظ السردية من خلال
أعماله الأدبية، وقد عرجت على الظروف التاريخية والشروط الاجتماعية
والثقافية والسياسية المصاحبة لها بقراءة قبلية (بما قبل أولاد حارتنا) وقراءة
بعدية (بما بعد أولاد حارتنا)، وهي تذكرني بعميد الرواية العربية الحائز الوحيد
على جائزة نوبل للآداب من العرب إلى حد الساعة على الأقل.
 

  • هل مات نيتشه أم إلهه؟
  • لم يمت لا نيتشه ولا إله نيتشه.. لا تزال أفكار الفيلسوف الألماني تدرس.
     
  • هل ترى ان محاكمة بن رشد تتكرر كل مرة، أعنى فرج فودة؟
  •  فرج فودة تكلم عن الحقيقة الغائبة فتم اغتياله، ونصر حامد أبو زيد نقد
    الخطاب الديني فحاولوا تطليقه من زوجه، ونجيب محفوظ حاولوا قتله، وحسين
    مروة تمت تصفيته.. وكل هؤلاء وقفوا ضد التيار الظلامي والأصوليين
    التكفيريين النصوصيين، وهذه ليست ظاهرة جديدة، فتاريخنا يعج بهكذا أخبار،
    هب على سبيل الحصر لا الذكر قتل الحلاج والطبري وتكفير ابن عربي وابن
    رشد وقتل شهاب الدين السهروردي… الخ.
     
     قل شيئا..
  •  يجب علينا تحرير العقل من سلطة والوصاية التراثية، في الأخير أشكرك
    وأقول وجه جديد فجر جديد لك المحبة والتقدير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق