اساطير

زينب فرحات الميلي كما عرفتها! 

عزيزتي زينب، كنت من سنوات أنتظر عودتك من رحلة علاج طال أمدها، أنتظر أن يرن هاتفك ويأتي صوتك ممازحا كعادتك “واينك يا نساية صاحبتها؟” وهي طريقتك دائما لما تعزمينني على فنجان قهوة، أو آخذك بسيارتي في فسحة بشوارع العاصمة، تقصين ليبأسلوبك الفكاهي الجميل مغامراتك كأول صحفية في صحيفة ناطقة بالعربية (الشعب)، وقبلها في صحيفة “الصباح” التونسية، لما كنت مقيمة بالمهجر بسبب نضال زوجك المرحوم، محمد الميلي، في صفوف قيادة الثورة هناك.

كم كنت جميلة يا زينب، وكم كنت جريئة، وكثيرا ما كنت تقولين لي أنني أشبهك في جرأتك وأنك لهذا تحبينني لأنني أذكرك بمسيرتك الصحفية.

أذكر مرة أنني كنت بمدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربيةللمشاركة في ملتقى مغاربي من تنظيم السفارات الفرنسية ببلدان المنطقة، لأتحدث عن التجربة الإعلامية للصحفية الجزائرية، وقبل مداخلتي قصصت على الحضور موقفا حدث معك في صحيفة “الشعب” بداية الاستقلال، لما طلب منك رئيس التحرير وقتها وأنت من كنت تكتبين التحاليل السياسية، أن تعدي صفحة في الجريدة خاصة بالمرأة، فكان جوابك الذي لا يخلو من الذكاء والمكر في آن واحد،” لماذا تطلب مني هذا، هل رأيت أن لدي مؤهلات لذلك؟”، فكان رده “بل لأنك امرأة”، فقلت له ” أمك أيضا امرأة فكلفها بإعدادها”، ولن أصف لك كيف انفجر الحضور ضحكا وتصفيقا لك على ردك المنطقي الذي أسكت الرجل، وجعله يندم على فكرته السخيفة هذه.

حكاياتك كثيرة يا صديقتي، وتجاربك في الحياة أروع أيتها الفنانة المرهفة الإحساس، وكم أحببت الجلوس والحديث إليك، فقد كنت شعلة من الذكاء ومن روح الدعابة، تقصين علي مواقف طريفة حصلت لك مع الرئيس، أحمد بن بلة، عندما زاركم في صحيفة “الشعب” وسألك عن اسمك، ولما عرف أنك ابنة العلامة الشهيد العربي التبسي، قال لك” أنتم إذا أصولكم تونسية” فكان ردك ودون أن تعيرينه أدنى اعتبار لكونه رئيس الجمهورية” أما أنت فأصولك مغربية”، وهو الرد الذي جعله يغادر مقر الجريدة فورا دون أن يعلق على كلامك، فمواقفك الطريفة مع بومدين وبوتفليقة وغيرهما كثيرة، وكان الجميع يحسب لك ألف حساب خوفا من لسانك وجرأتك، فلم تكوني تنتظرين شيئا من أحد وأنت الواثقة من نفسك ومن تاريخ عائلتك عائلة فارح أصيلة تبسة، وهو ما كان يجعلهم يخافون الرد عليك.

ستبقى عرائسك التي رافقتك إلى كل عواصم العالم تعرفين من خلالها تراثنا الثري، يتيمة بين جدران متحف “باردو”، تبقى شاهدة على أنامل فنانة تحسن حياكة الزرابي وخيوط التطريز بقدر ما تحسن خط الحروف وكتابة الأعمدة السياسية اللاذعة.

لم يرن هاتفك ولن يرن، ولن أسمع ضحكتك، منذ أن أقعدك المرض لشهور بمصحة خاصة بباريس، وزادك تبعات فيروس كورونا الذي كاد أن يقضي عليك في بداية الأزمة الصحية، وكان نجلك، نوفل، يخاف موتك بكورونا،ويتعذر عليه تنفيذ وصيتك أن تدفني في الجزائر، حيث يرقد رفيق دربك، محمد الميلي، وها أنت تنجين من مخالب الفيروس ويمنحك فرصة تحقيق أمنيتك الأخيرة، أن ترقدي بجوار حبيبك، فلترقدي بسلام أيتها المشاغبة الجميلة!

حدة حزام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى