اساطير

زيارة ورسائل مشفرة!

تنتهي اليوم الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى الجزائر تلبية لدعوة الرئيس عبد المجيد تبون، وهي الزيارة التي أسالت الكثير من الحبر على الضفتين وحظيت بمتابعة إعلامية وتحليلات عبر الفضائيات الدولية، وخاصة من قبل الإعلام الفرنسي الذي يدرك مدى أهمية هذه الزيارة بالنسبة لفرنسا التي صارت تخسر كل يوم مساحة من نفوذها في إفريقيا، وبالنسبة لأوروبا التي ستواجه الشتاء المقبل أزمة وقود خانقة، بعد تراجع صادرات الغاز الروسي إلى هذه القارة بسبب أزمة أوكرانيا، ضف إلى ذلك توجس الغرب من تنامي النفوذ الروسي في إفريقيا وفي منطقة الساحل وتحديدا في مالي التي أجبرت قيادتها الجديدة الجيش الفرنسي على الانسحاب من البلاد، بعد قرابة العشر سنوات من التواجد العسكري في شمال مالي بحجة محاربة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل.

وبعيدا عن سعي الجزائر وباريس على إذابة الجليد الذي لف العلاقة بين البلدين لأكثر من سنة، وحتى ما قبل تصريحات الرئيس الفرنسي المستفزة عندما نفى وجود أمة جزائرية  قبل الاستعمار الفرنسي، بل ما قبلها عندما دعم ماكرون تمديد العهدة الرئاسية للرئيس بوتفليقة رغم مطالبة الحراك برحيل العصابة، كما رفض أيضا اجراء انتخابات رئاسية في الجزائر مدعما مطالب بعض مربعات الحراك الرافضة للحوار في الجزائر ولأي حلول تطرحها السلطة، وقد عبر عن هذا الرفض عند إعلان فوز الرئيس تبون في الانتخابات الرئاسية  بقوله ” لقد علمت بالإعلان الرسمي بفوز السيد تبون بالانتخابات الرئاسية، مصرا على فتح حوار بين السلطة والشعب في الجزائر”، وهو ما علق عليه الرئيس تبون يومها بأنه لن يرد على الرئيس الفرنسي فهو حر في بيع بضاعته في بلاده، وأضاف قائلا “أنا انتخبني الشعب الجزائري ولن أعترف إلا بالشعب الجزائري”.

بعيدا قلت عن نية الطرفين للرقي بالعلاقات إلى المستوى الذي كانت عليه قبل القطيعة، فإن الرئيس الجزائري الذي كان أكثر ارتياحا خلال استقباله لضيفه، وجه رسالة واضحة لماكرون، باصطحابه قائد الأركان السعيد شنقريحة في وفد الاستقبال، كرد واضح على تصريحات ماكرون السنة الماضية عندما اتهم الجيش الجزائري بما اسماه  استغلال ” ريع الذاكرة” لفرض نظام سياسي وعسكري في البلاد، التصريح الذي قرر على إثره الرئيس تبون سحب سفير الجزائر بباريس فورا، ولم يعد إلى مكتبه إلا بعد بضعة شهور، وبعد محاولات وتوسلات من وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي زار خلالها الجزائر مرتين.

الأمر الآخر الذي وجب الإشارة اليه، أنه وخلافا لما عهدناه في عهد بوتفليقة الذي رهن البلاد وثرواتها بيد اوليغارشية سعت إلى تغليب مصالح فرنسا على حساب المصلحة الوطنية من أجل كسب دعم باريس للعهدات المتكررة لبوتفليقة رغم مرضه وغيابه عن القيام بمهامه الرئاسية التي أوكلها لشقيقه، فإن الرئيس تبون لا يتوسل دعم فرنسا لعهدة رئاسية ثانية، فهو لم ينس موقف الرئيس الفرنسي من انتخابات 12/12 /2019 التي فاز بها تبون مثلما سلف ذكره.

ويبقى قرار الرئيسين إنشاء لجنة تاريخية مشتركة لمعالجة ملف الذاكرة، قرارا غير مسبوق من حيث الأهمية، فلأول مرة ومنذ اتفاقيات إيفيان، سيجلس الطرفان على نفس الطاولة من أجل فتح ملفات الذاكرة، لكن يبقى التساؤل المطروح، هل ستتعامل فرنسا مثلما فعلت دائما بانتقائية مع ماضيها الاستعماري المشؤوم، تعترف بمجازر وأحداث وتتنكر لكل جرائمها ضد الإنسانية، ولماضيها الاستعماري الذي كله مجازر ومظالم ومحاولات التصفية العرقية، والتفرقة العنصرية، تسلم بعضا من الأرشيف وتحتفظ بأغلبه، حتى لا تنكشف أمام الأجيال حقيقتها وتناقضاتها أمام ما تدعيه نفاقا بالدفاع عن حقوق الإنسان، ويعرف الجميع ما معنى المهمة الحضارية التي جاءت بها فرنسا، وقامت من أجلها بحروب إبادة في حق شعبنا.

لكن مهمة إجبار فرنسا على الاعتراف بكل جرائمها وبإرثها الاستعماري، أن نوكل هذه المهمة لوطنيين غيورين على بلادنا أوفياء لذاكرة الملايين من الشهداء أبيدوا طوال الحقبة الاستعمارية، رجالا ونساء من وزن الدكتور محمد دومير الذي يعري يوميا المسكوت عنه في تاريخنا، ونتجنب أسماء مثل الذي كلفه الرئيس بإعداد تقرير حول الذاكرة من سنتين ولم يفعل، على أن يكون الأرشيف في الجانبين متاحا لهذه اللجنة لتقوم بمهمتها التاريخية على أكمل وجه.

حدة حزام

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق