غير مصنف

الذكاء الاصطناعي .. أي تهديد يستهدف الجزائر

تصور أنك تتلقى على حسابك الافتراضي فيديو لرئيس الجمهورية يعلن فيه الحرب على بلد آخر، أو يدلي بتصريح خطير مفاده أن البلاد في حالة إفلاس تام، فهل ستصدق ما تراه وتسمعه أم تكذب المعلومة؟ 

ان تطور الذكاء الاصطناعي ودقة التطبيقات المنبثقة عنه وضع المختصين في محاربة الأخبار الكاذبة في مأزق، إذ يعترف هؤلاء أنه وفي الوقت الحالي من الصعب جدا وحتى من المستحيل، الجزم ما إن كان الفيديو حقيقية أو مفبركة، وقد رأينا ذلك في 2018 لما نُشر شريط عبر مواقع التواصل الاجتماعي للرئيس السابق للولايات المتحدة، باراك أوباما، وهو يصف بأبشع الالفاظ خليفته في البيت الأبيض، دونالد ترامب، وقد رأى آنذاك العالم بأسره الرئيس الأمريكي الأسبق وهو يتكلم وكأن الأمر حقيقي، ولم يُهمل أي تفصيل، لا في نبرة الصوة ولا حركات الوجه والشفتين، وأثار ذلك الفيديو ضجة إعلامية كبيرة حتى اضطر أوباما لتكذيبها رسميا. 

إن التسارع الرهيب الذي يتيحه مجال الذكاء الاصطناعي عبر تطبيقات جديدة تزداد قوة ودقة بوتيرة مرعبة، أحدث ثورة في كل الميادين. هذا المجال الذي يملك خاصية تطور يكاد يكون تلقائيا بفضل آلات حاسبة قوية تلتهم المعلومات بشراسة وبرمجيات دقيقة، يثير جدلا حادا حول مزاياه ومخاطره، فكما رأينا من إيجابيات نابعة عن استغلاله في الصحة مثل تطبيقات كشف الامراض كالسرطان أو مساهمته في اختراع التطعيم الخاص بفيروس كورونا؛ أو في استعماله كوسيلة لتحسين راحة المواطنين وكأداة مساعدة في أخذ القرار؛ للذكاء الاصطناعي مخاطر كبيرة حين يستعمل لأغراض عدائية كتوجيه الرأي العام وتأجيج الصراعات الداخلية للدول أو حتى شن الحروب السبرانية على الخصوم والأمثلة على ذلك كثيرة. 

في ديسمبر 2015، عانى سكان غرب أوكرانيا من انقطاع للتيار الكهربائي لمدة طويلة بسبب هجمات سبرانية، هذا النوع الجديد من الحروب الالكترونية أرغم حتى الدول المتطورة مثل الولايات المتحدة الأمريكية على إعادة النظر في استراتيجيتها في مجال توزيع الكهرباء بعد أن كانت هدفا لهجمات متكررة ضد هياكلها الداخلية.

في مجال توجيه الرأي العام وآثاره السياسية نذكر الفضيحة التي طالت الانتخابات الامريكية لـ 2016 والتي أسفرت عن فوز دونالد ترامب بالرئاسة،  حيث استعملت شركة كامبريج أناليتيكا (Cambridge Analytica) الأمريكية الذكاء الاصطناعي لصالح مرشحها بعد أن اشترت ما يقارب270.000  “بروفايل” من منصة فايسبوك وقامت بتحليلها ثم استطاعت بفضل ذلك من استغلال أزيد من 87 مليون مستعمل للفضاء الأزرق قصد التلاعب بمشاعرهم وتوجيه آرائهم.  وأعادت هذه الشركة نفس العملية عن طريق قرينتها البريطانية “SLC Elections” المختصة في العمليات البسيكولوجية العسكرية وتسيير الانتخابات، للتأثير على الرأي العام البريطاني لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوربي “Brexit” في استفتاء جوان 2016. ولم تسلم اليوم أي دولة من هذه الحملات المغرضة والخطيرة.

 في محاضرة ألقاها إثر فعاليات مؤتمر علمي حول “الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة” نظمته مديرية البحث العلمي في قسنطينة في أفريل 2019، صرح البروفيسور، عبد النور عباس، من جامعة مينيسوتا الامريكية، أن الجزائر مستهدفة بالهجمات السبرانية في عز حمى الحراك الشعبي. “انتابني فضول بما كان يقص علي قريبي المراهق حول الصفحات المؤيدة للحراك عبر منصة الفايسبوك، فقمت بتحليل إحدى أهم هذه المواقع التي تحصي أكثر من مليون متتبع وهي)  viva l’Algérie 1،2،3 (  عن طريق خوارزمية استغرقت لي ساعة من التحضير، لأستنتج أن 20 بالمئة من المشتركين في الصفحة هم  الحسابات الوهمية أي ما يعادل 200.000 حساب، والأكثر من ذلك فإن 52 بالمئة من التفاعلات على الصفحة مصدرها تلك الحسابات الوهمية”.

وواصل خريج جامعة تيزي وزو أن هذه الحسابات الوهمية لا يوجد من ورائها أي شخص، بل هي آلات أو برامج تقوم بالتفاعل أوتوماتيكيا وفق ما بُرمجت له،  وأنه بإمكان أي شخص يعرف أبجديات البرمجة الرقمية أن ينشئ 200.000 حساب في الدقيقة، وأن يبعث بنفس القدر من الرسائل بكبسة زر على لوحة المفاتيح.

“انتابني فضول بما كان يقص علي قريبي المراهق حول الصفحات المؤيدة للحراك عبر منصة الفايسبوك، فقمت بتحليل إحدى أهم هذه المواقع التي تحصي أكثر من مليون متتبع وهي)  viva l’Algérie 1،2،3 (  عن طريق خوارزمية استغرقت لي ساعة من التحضير، لأستنتج أن 20 بالمئة من المشتركين في الصفحة هم  الحسابات الوهمية أي ما يعادل 200.000 حساب، والأكثر من ذلك فإن 52 بالمئة من التفاعلات على الصفحة مصدرها تلك الحسابات الوهمية

الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة

 هذه النماذج من الهجمات قد تبدو في الوهلة الأولى قليلة الأهمية، ولكن لما ندرك أنها تمثل أحد أهم التقنيات المستعملة من طرف أجهزة المخابرات العالمية التي تستلهم من دراسات نفسية جادة تهتم بتوجيه الرأي العام والتي أثبتت نجاعتها، وجب تغيير وجهة النظر. 

ان إحدى نظريات التأثير النفسي تركز على غريزة “الخوف من الاختلاف” لتقوم بتوجيه الرأي العام، فـ “لما ترى أن عددا كبيرا من المشاركين في صفحة ما يأخذون اتجاها معينا فأنت تلقائيا وغرائزيا تتجه إلى نفس الوجهة”، أكد مدير مخبر البيونانوتكنولوجيا لجامعة مينيسوتا ومؤسس شركة تكنولوجية متخصصة في تطوير أقنعة وألبسة طبية ذكية. نظرية أخرى تقتضي انه إذا نعتّ شخصا بالغباء وكررت له ذلك مرار سوف ينتهي بتقبل الأمر والتصرف بغباء، وهذا يفسر الصور المبتذلة للجزائري التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي والتي تقدمه كفرد متعصب، تافه، همجي وعنيف.

 من جهة أخرى، ان التسارع الشديد الذي تعرفه تطورات الذكاء الاصطناعي لم تعد تمثل خطرا على الحياة الخاصة للأشخاص فقط، بل تجاوزت ذلك بكثير وأصبحت تطرح بقوة إشكاليات متعلقة بالتحكم فيه وتقييد حريته، فهناك برمجيات حديثة أنشأت لجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات حول كل رواد الفضاء الافتراضي، برمجيات تسجل كل تفاعلاتهم : آرائهم، ميولاتهم، ما يحبون وما يكرهون، ما يشترون وما يقرؤون؛ وذلك قصد تحليل شخصية الفرد واستغلال تلك المعلومات لأغراض تجارية أو لتوجيه رأيه وحساسياته، وهنا يكمن التحكم وتقييد الحرية. 

ولا تقتصر مخاطر الذكاء الاصطناعي على الجانب الأمني والسيادة الوطنية، بل هو في صدد خلق تحديات كبرى في المجال الاقتصادي. 

الثورة الصناعية الرابعة (Industrie 4.0 ) هيكلة المبادئ والركائز التي تقوم عليها ضوابط الإنتاج والتجارة العالمية وأول ضحية لهذه العاصفة هو سوق الشغل، في دراسة استشرافية لـ 2025 يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن الأتمتة (automatisation ) سوف تخلق 97 مليون منصب عمل جديد وتحول 85 مليون شغل آخر عبر العالم، وفي آخر طبعة للتقارير الدورية التي تنشرها وكالة الاستخبارات الامريكية (CIA ) والتي تقدم فيها السيناريوهات المرتقبة لما ستؤول إليه التوازنات الاستراتيجية والتحديات العالمية، تحت عنوان “العالم في 2040 ” تشير الدراسة إلى أن سوق العمل سيعرف تغييرات قوية تمس خاصة قطاع الخدمات، وأن الذكاء الاصطناعي سوف يقضي على مهن كانت تبدو بعيدة عن كل مخاطر، مثل الطبيب والمهندس وأساتذة التعليم العالي.

تحت عنوان “العالم في 2040 ” تشير الدراسة إلى أن سوق العمل سيعرف تغييرات قوية تمس خاصة قطاع الخدمات، وأن الذكاء الاصطناعي سوف يقضي على مهن كانت تبدو بعيدة عن كل مخاطر، مثل الطبيب والمهندس وأساتذة التعليم العالي

أمام هذه التحديات الهائلة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، والتي بدأت تفرض منطقا جديدا، سيؤدي حتما إلى إعادة النظر في كل المفاهيم التي وضعها الانسان لتسيير العالم التي تستلزم وضع استراتيجيات فعالة لمواجهة سلبياتها والتحكم بمزاياها، فالذكاء الاصطناعي هو مجال جديد يستعمل الرقمنة، المعلومة والآلة كركائز لتطوير النشاطات وأنماط التسيير، فهو في الأخير مجرد وسيلة ما زالت تحت تصرف الإنسان. “بإمكان الآلة أن تقوم بكل ما يقوم به البشر وبتطوير عمليات البرمجة من التعلم الآلي والتعلم العميق مستقبلا، يمكن لها أن تكوِّن وعيا ذاتيا”، أصر من قسنطينة البروفيسور عبد النور عباس، إذا فيمكن اعتبار الآلة كالطفل، مصيره مرتبط بالطريقة التي يربيه بها أولو أمره، كل حسب نواياه، مستوى ثقافته وأعرافه. 

أستاذ ومدير مختبر المستشعرات الحيوية وتقنية النانو تكنولوجيا، د. عبد النور عباس:

قسم هندسة المنتجات الحيوية والأنظمة الحيوية لجامعة مينيسوتا الامريكية

“خلفت الحرب الالكترونية خسائر كبيرة للجزائر”

+ “الفجر” :  الذكاء الاصطناعي الذي كان في الأمس القريب يعتبر ضربا من الخيال وهواية لعلماء الرياضيات والإعلام الآلي يفرض اليوم منطقا جديدا زعزع المفاهيم العلمية، الاقتصادية وحتى الاجتماعية، كيف يمكنكم وصف تطبيقات وتداعيات هذا المجال؟

ـ عبد النور عباس :  الذكاء الاصطناعي هو قدرة الآلة على التعلم بطريقة اوتوماتيكية ومحاكاة النشاطات الفكرية الأكثر تعقيدا عند الإنسان. مثل كل التقنيات التخريبية (technologie de rupture )، الذكاء الاصطناعي هو سلاح ذو حدين، من جهة، يسمح بتسريع نشاطات البحث العلمي والصحة، إذ يعفيها من مرحلة التجارب في المخابر باستعمال البيانات المتاحة، ولقد رأينا مؤخرا أن الحواسيب اكتشفت عددا مهما من الوصفات الطبية المحتملة لمقاومة الكوفيد، وهي أيضا التي تقوم بتشخيصات الفيروس عبر تقنية الأشعة السينية (rayons X )، من جهة أخرى، يستعمل الذكاء الاصطناعي في الهجومات الالكترونية على هياكل الدول أو في التلاعب بالانتخابات، كما يستغل أيضا في الاستخبارات والتجسس على المواطنين وحتى في تطوير أسلحة ذكية تستعمل في الحروب. هناك أيضا تأثيرات ضمنية للذكاء الاصطناعي مثل ارتفاع البطالة بسبب الأتمتة (automatisation ) والمصانع الذكية ومن عواقبه كذلك عولمة التضليل الكثيف، فمثلا الاشاعات التي تقتضي أن اللقاح المضاد للكوفيد يجعل جلد الانسان ممغنط انتشرت خلال أيام قليلة، من تكساس (في الولايات المتحدة الامريكية) إلى عين الدفلى. يمكننا التصور أن هناك شخصا في مكان ما خلف حاسوب خاص يغذي هذه الاشاعة، ولكن في الحقيقة، خوارزميات فايسبوك التي تشجع الانخراط والنضال هي التي تقوم بطريقة آلية بدعم الأخبار التي تجذب الانتباه أكثر وتخلق التوتر، فتقوي هذه الحوارزميات وتقوي من سرعة اتشار المعلومات المضللة، لأنها ترفع عدد مستعملي المنصة، وبالتالي أرباح الفاسبوك. إن قدرة الحاسوب أو الخوارزميات على خلق، تحليل، استغلال ونشر المعلومات الكثيفة (information massive ) بأدنى قدر من التدخل البشري تمثل خطرا حقيقيا على مستقبل البشرية واستقرار المجتمع حتى في الدول المتطورة.  

إن قدرة الحاسوب أو الخوارزميات على خلق، تحليل، استغلال ونشر المعلومات الكثيفة (information massive ) بأدنى قدر من التدخل البشري تمثل خطرا حقيقيا على مستقبل البشرية واستقرار المجتمع حتى في الدول المتطورة.  

+ في تقرير تحت عنوان “العالم في 2040 في نظر الـCIA”، يقر خبراء وكالة الاستخبارات الامريكية أن مستقبل تنمية الدول مرهون بمدى تحكمها في الذكاء الاصطناعي، سواء في الميدان الاقتصادي أو حتى الأمني. أصبح هذا المجال يستعمل كأداة لـ”القوة الناعمة” وسلاحا في حروب الجيل الرابع (G4G )، كيف يمكن لبلد مثل الجزائر حماية نفسه من هذه المخاطر؟ من أين يبدأ وبأي ثمن؟    

ـ  أنت محق، في 2017 أصدرت الصين مخططا وطنيا لتطوير الذكاء الاصطناعي بهدف أن تصبح الدولة الرائدة في العالم قبل 2030، ومنذ ذلك الوقت أكثر من 20 دولة قدمت استراتيجيات مماثلة. خلفت الحرب الالكترونية خسائر كبيرة للجزائر، فلما ترى تفاقم حملات الكراهية، العنصرية والجهوية والتفرقة بين أفراد الشعب في السنوات الثلاثة الأخيرة وهذا لا يخدم لا الشعب بذاته ولا السلطة الحالية ولا المعارضة، يجب التساؤل أين “بُرمجت” هذه الحملات الالكترونية المكثفة من أجل التفرقة؟ والجواب على هذه الحملة لا يكون بالتغني بالروح الوطنية عبر التلفاز، لا نحارب الخوارزميات ببيان صحفي، يجب وضع استراتيجية على مدى 10 سنوات على الأقل لتحديث وسائل الدولة. 

فلما ترى تفاقم حملات الكراهية، العنصرية والجهوية والتفرقة بين أفراد الشعب في السنوات الثلاثة الأخيرة… يجب التساؤل أين “بُرمجت” هذه الحملات الالكترونية المكثفة من أجل التفرقة؟ والجواب لا يكون بالتغني بالروح الوطنية عبر التلفاز، لا نحارب الخوارزميات ببيان صحفي، يجب وضع استراتيجية على مدى 10 سنوات على الأقل لتحديث وسائل الدولة.

+ فتحت الجزائر هذه السنة مدرسة عليا للذكاء الاصطناعي، بما أنكم تكونتم في المجال، كيف ترون أنجع طريقة للتكوين؟ 

ـ  هي طبعا مبادرة حسنة، وخطوة نحو الاتجاه الصحيح، لكن التكوين حتى ولو كان أساسيا لا يمثل أهم العوائق لتطوير الذكاء الاصطناعي، يمكن  لكل طالب،  سواء أكان جزائريا أو لا، أن يحصل على دروس مجانية يقدمها أساتذة من أرقى جامعات العالم عبر منصات مثل Coursera أو Udacity ، والجزائر لا تنقصها المواهب، سواء من أبنائها المقيمين على التراب الوطني أو من جاليتها في الخارج. 

تعاني الجزائر من ثلاث مشاكل أولية والتي يجب حلها حتى تتمكن من ركوب قطار الذكاء الاصطناعي: أولها يتعلق بالهياكل، ويتمثل في توفير أنترنت سريع ومتاح لكل السكان، تسهيل عمليات بناء مراكز البيانات (Data Center ) وإنشاء قدرات “supercomputing ” لصالح الباحثين بتوفير الموارد المالية الضرورية. 

النقطة الثانية تخص ريادة الاعمال (l’entreprenariat ) وهنا يجب وضع الاطار الملائم للمواهب الشابة من أجل خلق مؤسسات مصغرة في مجال الذكاء الاصطناعي والترويج لأبطال الـ Hi-Tech المحليين في التكنولوجيات الحديثة.   

وثالثا تنظيم وتقنين نشاط الشركات المتعددة الجنسيات، مثل فايسبوك وغوغل في الجزائر، بحماية المعلومات والحياة الخاصة للجزائريين، وبإصدار سياسة واضحة وصارمة حول توطين مراكز البيانات والمعلومات التي تم إنشاؤها في الخارج. يستطيع اليوم أي شخص من الخارج نشر إشهار سياسي على الفايسبوك في الجزائر دون تحديد هويته، وهو أمر مستحيل في الولايات المتحدة الامريكية أو الدول الاوربية. التنظيم سيسمح كذلك بحماية الشركات الناشئة الجزائرية أمام المنافسة الشرسة للشركات المتعددة الجنسيات، وفي هذا الصدد تمثل نشأة ونمو الشركة الصينية DIDI أمام UBER مثالا يقتدى به. 

يجب تنظيم وتقنين نشاط الشركات المتعددة الجنسيات، مثل فايسبوك وغوغل في الجزائر، بحماية المعلومات والحياة الخاصة للجزائريين، وبإصدار سياسة واضحة وصارمة حول توطين مراكز البيانات والمعلومات التي تم إنشاؤها في الخارج.

+ أثناء إلقائكم لمحاضرة في قسنطينة عام 2019 تكلمتم عن مشاريعكم المتمثلة في انشاء شركات لصنع الألبسة الذكية وأخرى في مجال الصحة، أين أنتم من هذه المشاريع؟ 

ـ تحصلت الشركة الناشئة التي أسست منذ ثلاث سنوات وهيClaros Technologies ((www.clarostechnologies.com   على مليون دولار من (Center for Disease Control) CDC الأمريكي لتطوير أقنعة وملابس طبية مضادة للميكروبات والتي تستطيع القضاء على فيروس كورونا عند التلامس في أقل من 10 دقائق. تباع هذه الأقنعة المسماة LOG3Mask (www.ziowear.com) حاليا في الولايات المتحدة الامريكية ويستعملها عشرات الآلاف من الأمريكيين لحماية أنفسهم من المرض. 

قمنا في الأسابيع الماضية بعملية جمع الأموال، أكثر من 5 ملايين دولار، من مستثمرين أمريكيين لتوسيع نطاق منتوجاتنا التكنولوجية إلى ميادين أخرى كتصفية المياه مثلا. 

قمت مؤخرا أيضا بتأسيس مؤسسة ناشئة ثانية أطلقت عليها اسم Frontline Biotechnologies لتطوير وإنتاج معدات استكشاف طبية. 

ومسايرة لذلك يعمل مركز البحث في جامعة مينيسوتا الذي أنتمي إليه على مشروع الكشف السريع للسرطان باستعمال طريقة تحليل النَّفَس بواسطة الذكاء الاصطناعي.

 وما جعل كل هذا ممكنا هو وجود نظام بيئي أكاديمي يسمح بتطوير وتحويل هذه التكنولوجيات إلى قطاع الصناعة ورأس مال خاص جاهز لتمويل هذا التحويل. 

المدير العام للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حفيظ أوراغ:

الخوارزميات.. لقاح يقضي على مخاطر الذكاء الاصطناعي 

+”الفجر”:  يكثر الحديث مؤخرا عن الذكاء الاصطناعي، ويقال إنه سيحدث ثورة حقيقية في كل المجالات، فما هو الذكاء الاصطناعي؟

ـ حفيظ أوراغ:  سؤال وجيه، هل يمكننا تغيير العالم بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ هل سيخضع عالم الغد الى نفس طرق التسيير التي نشهدها اليوم في عالم، حيث الانسان هو الكائن الوحيد الذي يفكر ويقرر ويثابر لتجاوز العوائق واختراق الحدود حتى يتمكن من الابتكار؟ 

اليوم، تجاوزت الإنسانية هذا الوضع، وأصبحت الآلة تقرر في مكان الانسان. وسوف نمر الى مرحلة يعود الحكم فيها الى “العقل المادي”، وهو الآلة، ويتراجع فيها “العقل البشري”. 

 لقد مررنا بمرحلة ساد فيها “الذكاء الطبيعي” الذي يتمتع به كل فرد منا بدرجات متفاوتة، حيث طور العالم الحالي النوابغ الذين تمتعوا بدرجات عالية من الذكاء، وقاموا بتطوير المعارف وزيادة راحة المواطنين في مجال الصحة وجودة الحياة والتقليل من الاخطار. 

في أربعينيات القرن الماضي، أي بداية الاعلام الآلي الحسابي، طرح مجموعة من علماء الرياضيات الإشكالية التالية: هل يمكننا تحويل معارفنا إلى الآلة؟ ومن هنا انطلق مفهوم الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم الآلة بالتفكير في مكان البشر. 

وقد بلغنا اليوم إلى مرحلة حيث بدأت الآلة في التفكير مكان الانسان، فكيف أمكن ذلك؟ 

من أجل استيعاب العملية، لنتصور أن الآلة مثل المولود الجديد، فالرضيع لما يولد لا يملك إلا الحواس، فهو لا يستطيع التكلم ولا المشي ولا التفكير، وكذلك الآلة. كانت الانطلاقة الأولى للذكاء الاصطناعي في سنوات الثمانينات بفضل “النظم الخبيرة” التي بدأت بفضلها عملية تعليم الالة للقيام بحركة أو بفعل يقوم به الانسان عادة مثل مراقبة درجة حرارة نظام ما أو ضغطه أو شكل جسم، وكانت هذه نشأة الروبوتات (la robotisation). هذه النظم الخبيرة ترتكز على ما يسمى “التعلم الآلي” (Machine learning) والمراد به تعليم الآلة بطريقة موجهة. 

في مرحلة ثانية انطلقت عملية توسيع نطاق “النظم الخبيرة” لمضاعفة قدرات التعلم للآلة مثل ما نراه اليوم في برامج الترجمة الآلية، فعوض أن يقوم الانسان بترجمة صفحة قد يستغرق ذلك ساعة من وقته، تقوم الآلة بنفس العملية بطريقة فورية، وهذا هو الهدف من العملية، أي ربح الوقت. 

ويبقى الفرق بين آلة تحسن الترجمة وأخرى ضعيفة في القدرات التي زُوِّدت بها، فكلما زودناها بالمعلومات اللازمة من مفردات ونحو وصرف كلما زادت قدراتها. 

بعد هذه المرحلة التي تمثل التحكم في اللغة، نقوم بكتابة القوانين الضرورية لبناء أو تركيب اللغة، ولما تتحصل الآلة على هذه المعطيات تستطيع اصدار نصوص بطريقة تلقائية، وهو ما نسميه “قواعد الاشتقاق”. إذا ما يُعرف اليوم بالخوارزميات هي الرموز التي تستعملها الآلة إضافة إلى القوانين التي تحدد كيفية استخدام هذه الرموز وأيضا “قواعد الاشتقاق” التي نزود بها الالة ضمن قوانين التعلم. وهنا تظهر جليا أهمية حجم المعلومات والصراع القائم عالميا على ما يعرف بالـ”بيانات الضخمة” (Big data)، فكلمت زودنا الآلة بالبيانات كلما تحسن أداؤها وقلت أخطاؤها. 

+ ما هي أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي حاليا ؟ 

ـ  تتواجد هذه التطبيقات اليوم في كل المجالات، لدينا أولا “التعلم الآلي” الذي يمثل القاعدة ووجب المرور الى مرحلة “التعلم العميق” (Deep learning ) من أجل التحكم الفعلي في الذكاء الاصطناعي. حاليا نجد “التعلم العميق” في كل الميادين، مثل أنظمة التعرف على الصور والتعرف على الصوت، الروبوتات والألعاب الالكترونية، فالذكاء الاصطناعي حاضر في كل مكان. وهذا حتى ولو يجب التمييز بين الذكاء الاصطناعي و”التعلم العميق”، ففي هذا الأخير تقتصر الآلة على إعادة صياغة وإنتاج البيانات والحركات التي زوِّدت بها من قبل والمسجلة في ذاكرتها، صحيح أنها ستقوم بالعملية على أحسن وجه لكن هنا تتوقف قدراتها. أما الذكاء الاصطناعي فيحث الآلة على الذهاب الى أبعد من ذلك وإيجاد حلول لم يقم أحد بتقديمها في عملية التعليم.

 ولعل أفضل مثال لتفسير الامر هو في لعبة الشطرنج، في البداية سُجلت في الحاسوب كل مراحل اللعبة ثم طورت الآلة مراحل جديدة لم تتعلمها مسبقا، ورأينا في السنوات الأخيرة أن الحاسوب تغلب على أشهر أبطال الشطرنج في العالم، لأنه وجد تركيبات واستراتيجيات جديدة لم يفكر فيها العقل البشري، هذا هو الذكاء الاصطناعي، حيث تتمكن الآلة من تجاوز مرحلة التعلم وتقترح ظروف جديدة وتنتج حلول جديدة. 

ولعل أفضل مثال لتفسير الأمر هو في لعبة الشطرنج، في البداية سُجلت في الحاسوب كل مراحل اللعبة ثم طورت الآلة مراحل جديدة لم تتعلمها مسبقا، ورأينا في السنوات الأخيرة أن الحاسوب تغلب على أشهر أبطال الشطرنج في العالم، لأنه وجد تركيبات واستراتيجيات جديدة لم يفكر فيها العقل البشري، هذا هو الذكاء الاصطناعي، حيث تتمكن الآلة من تجاوز مرحلة التعلم وتقترح ظروف جديدة وتنتج حلول جديدة. 

+ هل ستتمكن الآلة من الهيمنة على البشرية، هل هذا الخطر واقعي؟ 

ـ  ذلك مرهون بالسياق الذي يستخدم فيه الذكاء الاصطناعي، فإن كان يستعمل لأغراض إنسانية، مثل تطوير الصحة وتحسين البيئة المعيشية والمنتجات فلا يجب التخوف منه، وأما اذا استعملت الآلة لتسيير الأنظمة الاستراتيجية للدول فهنا يكمن الخطر.

+ ما هي الوسائل اللازمة للتحكم في الذكاء الاصطناعي؟

ـ  يتخيل البعض انه يحتاج إلى المختصين في الاعلام الآلي، بينما لا يمكن تطوير الذكاء الاصطناعي إلا بفضل علماء الرياضيات. نحتاج إذا أولا الى علماء رياضيات أكفاء لصياغة الخوارزميات الملائمة ثم إلي المختصين في الاعلام الالي في المرحلة التالية، وذلك لترجمة لغة الرياضيات الى لغة الآلة.  بعد التعلم على الآلة نقوم بعمليات التركيب والبناء باستعمال خوارزميات تمكنها من تأدية دور العقل البشري، خوارزميات تتفاعل بينها لتكوين “شبكات عصبية” (réseaux de neurones)  تماما كما يحدث في جسم الانسان، والهدف من هذه العملية هو الوصول إلى استغلال الكم الهائل من البيانات التي تقدمها مرحلة “التعلم العميق” قصد خلق حالات ومواقف جديدة. وتماما مثل ما يجري في العقل البشري، بقدر ما تتنقل المعلومات بسرعة بين الاعصاب وكلما ازدادت قدرات التخزين، ارتفعت نسبة الذكاء. من هذا المنطلق نستنتج أنه من أجل الخوض في مجال الذكاء الاصطناعي يجب أن نستثمر في آلات وحواسب ضخمة تتمتع بقدرات حسابية قوية.

+ إذن استثمارات ضخمة، في هذا الصدد ما هو حجم الذكاء الاصطناعي في الأسواق العالمية؟

ـ  ملايير الدولارات، حاليا الرائد في الذكاء الاصطناعي هو كل ما يتعلق بالتعرف على الصور (la reconnaissance des images) والألعاب، ولكن المجال يتوسع بسرعة ويتجه نحو قطاع المالية، الصناعة 4.0 وصناعة الأجهزة المترابطة. 

التحدي الكبير والخطر اليوم هو أننا أصبحنا نعيش في عالم مترابط (un monde interconnecté) عن طريق الأنترنت، الـ 4G و الـ 5G  ، ويمكن لمن يتحكم في الذكاء الاصطناعي من السيطرة على كل هذه الأجهزة ويسبب أضرارا كبيرة بخصمه، مثل قطع التيار الكهربائي على مدن كاملة، أو حتى دول،  أو تسريب مياه محطات التصفية ودمجها مع شبكة المياه الصالحة للشرب. لهذا يجب تطوير “نظم خبيرة” للوقاية من هذه الاخطار. لحسن الحظ فالدول المتخلفة أو ضعيفة التنمية لم تصل إلى درجة عالية من الترابط (interconnectivité )، وهذه تعد فرصة في الحقيقة، ولكن كلما اتجهنا نحو التدفق العالي للأنترنت كلما زاد الترابط وارتفعت المخاطر. 

ويمكن لمن يتحكم في الذكاء الاصطناعي من السيطرة على كل هذه الأجهزة ويسبب أضرارا كبيرة بخصمه، مثل قطع التيار الكهربائي على مدن كاملة، أو حتى دول،  أو تسريب مياه محطات التصفية ودمجها مع شبكة المياه الصالحة للشرب. لهذا يجب تطوير “نظم خبيرة” للوقاية من هذه الاخطار  

بلغنا اليوم حدود الابعاد والعمليات الحسابية الكلاسيكية للحواسيب، وجب اذا اختراع آلات أخرى، وهنا يظهر ما يسمى بـ”الحاسوب الكمي”, ويقول المختصون أن الذكاء الاصطناعي سوف يمنح السيادة لمن يصنع هذا الحاسوب. حاليا عدد هائل من المخابر والجامعات وحتى الشركات العالمية انطلقت في هذا التحدي، لان هذه الآلة سوف تضاعف القدرات الحسابية ملايير المرات. فالعملية التي تستغرق يوما كاملا للكمبيوتر الحالي سوف يحلها الحاسوب الآلي في ثوان قليلة.  

بلغنا اليوم حدود الابعاد والعمليات الحسابية الكلاسيكية للحواسيب، وجب اذا اختراع آلات أخرى، وهنا يظهر ما يسمى بـ”الحاسوب الكمي”, ويقول المختصون أن الذكاء الاصطناعي سوف يمنح السيادة لمن يصنع هذا الحاسوب.

+ كيف يعمل هذا الحاسوب الكمي؟ 

ـ  نعلم أن الكبميوتر الكلاسيكي يعمل وفق النظام الـرقمي بوحدة الـ BIT، وهي حالة ناقل الشحنة، أي الالكترون التي بإمكانها أن تأخذ القيمة 1 أو0 . في هذا النظام الرمزي وُضعت ملفات لتحديد الرموز، فمثلا، لتمثيل الأرقام أسست ملفات ذات 4 BIT ما يسمح بإنشاء 16 تركيبة. وللقيام بالعمليات نحتاج الى معالج للمعلومات (processeur) الذي يحتوي على أعداد هائلة من البوابات المنطقية (portes logiques ) التي تحمل التركيبات. 

أما الحاسوب الكمي فيعتمد على الميكانيكا الكمية (la mécanique quantique)  الذي يمثل “التراكب” (la superposition) أحد مبادئها، فالحالة لم تصبح محصورة بإحدى الوضعيتين 0 أو1 بل يمكن أن تكون 0 و1 في نفس الوقت، وبهذا يصبح الملف الذي يحوي 4 BITs لا يقتصر على 16 تركيبة بل 256. وفي هذه الآلة لم يعد الالكترون هو ناقل الشحنة بل “التدور” (le spin ) الذي يمثل اتجاه استقطاب الالكترون أمام حقل مغناطيسي. إذا فالتحكم في الحاسوب الكمي يستوجب التحكم في التدور ولهذا فهو ذو حجم كبير جدا ويحتاج إلى نظام تبريد قوي جدا. 

ولكن الأدهى والأخطر هو أن العلم يتطور بسرعة رهيبة، حتى أن هذا الاختراع، الذي لم ينجز ولم يتحكم فيه بعد، قد يكون دون جدوى أمام الاكتشاف العلمي الأخير أو ما يسمى بـ “بلورات الزمن” (Time cristals) ، حيث تحصل مكتشفها على جائزة نوبل للفيزياء، وهو فرانك ويلكز، من جامعة ماساشوست،2004. برهنت هذه النظرية أن الأشياء تحتفظ بالمعلومة وهذه تمثل ثورة علمية، فقد أضافت إلى القوانين الأساسية للمادة (حفظ الطاقة، الحركية والزخم) قانونا جديدا وهو قانون حفظ المعلومة، أو ما يعني أن “بلورات الزمن” تحتفظ في ذاكرتها بتركيبها الأولي، وهو ما يؤدي إلى تأييد نظرية “الانعكاس الزمني، ” (la réversibilité du temps). ، ويذهب بعض الباحثين إلى التوقع، بفضل ما يتيحه هذا الاكتشاف، بإمكانية العودة إلى نشأة الكون. اليوم استطاعت بعض الفرق العلمية من صنع “بلورات الزمن” ولا استبعد ان تستعمل في الحاسوب الكمي مستقبلا، وسوف تضاعف قدراته الى الى ما لا نهاية وسيواجه ذلك حتما مشاكل أخلاقية رهيبة.  

+  قمتم، منذ سنوات عديدة، بإلقاء محاضرات مباشرة وعبر شبكات التواصل الافتراضية للتحسيس وتركيز الانتباه على أهمية المعلومة، الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وقدمتم في 2019 تحت وصاية وزارة التعليم العالي، الكتاب الأبيض للذكاء الاصطناعي الذي أعقب اشغال المؤتمر الدولي للذكاء الاصطناعي المنعقد في قسنطينة في ديسمبر من نفس السنة، فماذا كان محتواه؟ 

ـ الهدف من الكتاب الأبيض هو وضع استراتيجية وطنية على كل المستويات من أجل إرساء الذكاء الاصطناعي في البلاد: كيف التعامل مع الظاهرة، أي استراتيجية ننتهج في مجال التعليم والبحث، كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في المجالات الأخرى، ماهي الضوابط والموارد البشرية التي يجب تكوينها، الوسائل التي يجب تجنيدها في ما يخص الاعلام الآلي, الهياكل …الخ،  هذا هو الكتاب الأبيض، هو إذا خريطة طريق قدِّمت الى الحكومة. كل دول العالم حضرت كتابها الأبيض عن الذكاء الاصطناعي ولم يبقى إلا نحن. 

الهدف من الكتاب الأبيض هو وضع استراتيجية وطنية على كل المستويات من أجل إرساء الذكاء الاصطناعي في البلاد: كيف التعامل مع الظاهرة، أي استراتيجية ننتهج في مجال التعليم والبحث، كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في المجالات الأخرى، ماهي الضوابط والموارد البشرية التي يجب تكوينها، الوسائل التي يجب تجنيدها في ما يخص الاعلام الآلي, الهياكل …الخ،  … كل دول العالم حضرت كتابها الأبيض عن الذكاء الاصطناعي ولم يبقى إلا نحن. 

+ هل لقيت هذه الاستراتيجية تجاوبا؟

ـ  بدأ تجسيد الاستراتيجية التي اقترحتها عبر إنشاء أول مدرسة عليا للذكاء الاصطناعي ومدرسة عليا للرياضيات، والتي ستنطلق الدراسة فيهن هذه السنة، وهما متكاملتان، الهدف منهما هو الحصول على قاعدة هامة من الموارد البشرية المختصة. 

بدأ تجسيد الاستراتيجية التي اقترحتها عبر إنشاء أول مدرسة عليا للذكاء الاصطناعي ومدرسة عليا للرياضيات، والتي ستنطلق الدراسة فيهن هذه السنة، وهما متكاملتان، الهدف منهما هو الحصول على قاعدة هامة من الموارد البشرية المختصة.

في البداية يجب ان نكوِّن موارد بشرية في الذكاء الاصطناعي ثم تكوين المختصين. ولكن مع هذا يجب الأخذ بعين الاعتبار الرهانات الجديدة، مثل الحاسوب الكمي، وأقول لكل المسؤولين عن التكوين في مجال الاعلام الآلي: لا يمكن اليوم فصل الاعلام الآلي عن الفيزياء. عالِم الكمبيوتر في المستقبل هو أولاً وقبل كل شيء خبير فيزياء جيد، الآن الشرط الأساسي لتصبح عالم كمبيوتر هو أن تكون فيزيائيًا. 

…وأقول لكل المسؤولين عن التكوين في مجال الاعلام الآلي: لا يمكن اليوم فصل الاعلام الآلي عن الفيزياء. عالِم الكمبيوتر في المستقبل هو أولاً وقبل كل شيء خبير فيزياء جيد، الآن الشرط الأساسي لتصبح عالم كمبيوتر هو أن تكون فيزيائيًا. 

تذكروا أن اكتشاف السليسيوم الذي سمح بتصنيع “الترانزستورات” والثورة التي أحدثها قضت بالكامل على سابقتها أو ما يعرف بثورة الأنابيب الالكترونية والمصابيح, وهذا ما قد يحدث مستقبلا مع الالكترونيك الكمي الذي سيقضي على كل ما تعلمناه في الإعلام الآلي الكلاسيكي والخوارزميات. لذلك يجب أن يتلقى الجيل الجديد من علماء الكمبيوتر الذي سنقوم بتكونهم، من الآن، تدريبا في ميكانيكا الكم وأسس الفيزياء من أجل تطوير خوارزميات تجعل من الممكن تطوير العديد من المتراكبات، ولذلك يجب تكوين عالم فيزياء وإعلام آلي جيد في نفس الوقت.  

+ هل قدمتم هذه التوصيات للقائمين على التكوين؟

ـ  قلت لوزير التعليم العالي أنني مستعد لبرمجة سلسة من المؤتمرات لصالح الطلبة من أجل تلقينهم مبادئ الخوارزميات …الخ.

+ الجزائر تواجه تهديدات أمنية وتحديات فرضتها تقنيات الحرب الالكترونية الجديدة، كيف يمكن مواجهة هذه المخاطر؟

ـ  يتعلق الأمر بالأمن السبراني، يجب تطوير برامج ” Firmware ” (برامج تسمح بدمج وتحديث وظائف الآلة تلقائيا دون مراجعة تصميم الجهاز) وتكوين فرق من علماء كمبيوتر جيدين وعلى اطلاع دائم بما يجري في هذا المجال. يجب إقامة نظام مراقبة يعمل دون انقطاع يشتغل أعضاؤه على إيجاد خوارزميات قوية لمواجهة الهجمات، فالخوارزميات هذه هي اللقاحات التي بإمكانها القضاء على الوباء والفيروسات التي ستصيب البلاد. 

….يتعلق الأمر بالأمن السبراني، يجب تطوير برامج ” Firmware ” (برامج تسمح بدمج وتحديث وظائف الآلة تلقائيا دون مراجعة تصميم الجهاز) وتكوين فرق من علماء كمبيوتر جيدين وعلى اطلاع دائم بما يجري في هذا المجال. يجب إقامة نظام مراقبة يعمل دون انقطاع يشتغل أعضاؤه على إيجاد خوارزميات قوية لمواجهة الهجمات، فالخوارزميات هذه هي اللقاحات التي بإمكانها القضاء على الوباء والفيروسات التي ستصيب البلاد. 

+ فيما يخص التكوين، لاحظنا في العقود الأخيرة أن مادة الرياضيات عانت نوعا ما من الإهمال والتهميش…

ـ  حقيقة، أغلبية الطلبة يفرون من الرياضيات لأنهم يرون فيها مادة مجردة واختصاصا يفتقر الى منافذ محفزة في سوق الشغل، لكن نرى اليوم أن العالم بأسره يبحث عن علماء الرياضيات، إذا سوف تتغير الأمور، ولقد تابعت التسجيلات في المدرسة العليا المستحدثة ورأيت أن الطلب عليها من طرف المتحصلين على شهادة الباكالوريا كان قويا، حتى أن معدل القبول راوح 18,5 /20، لقد فهم هؤلاء أن الرياضيات التطبيقية ستفتح آفاقا واسعة. وتحظى الجزائر بعلماء رياضيات جيدين، لكن يجب مضاعفة أعدادهم. 

+ هناك نقص كبير في تكوين المهندسين، أعني الجانب الكمي.

ـ  نعم، ولكن قبل ان نبدأ في عملية تكوين مهندسين في الذكاء الاصطناعي وفي الرياضيات يجب إعادة النظر في القانون الأساسي المتعلق بالمهندس، إعادة النظر في مستحقاتهم وامتيازاتهم، وإلا فكل من نكونهم سيغادرون البلاد. يجب منحهم مستحقات جيدة، ومشاريع طموحة إذا أردنا المحافظة على هذا المورد البشري الهام. 

…ولكن قبل ان نبدأ في عملية تكوين مهندسين في الذكاء الاصطناعي وفي الرياضيات يجب إعادة النظر في القانون الأساسي المتعلق بالمهندس، إعادة النظر في مستحقاتهم وامتيازاتهم، وإلا فكل من نكونهم سيغادرون البلاد. يجب منحهم مستحقات جيدة، ومشاريع طموحة إذا أردنا المحافظة على هذا المورد البشري الهام.

+ كلمة أخيرة؟

ـ  أخشى ان يتعدى الذكاء الاصطناعي كل الحدود المعهودة ويؤدي الى كوارث حقيقية قد تعصف بهذا العالم، لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار الضوابط الأخلاقية، يجب اصدار مواثيق أخلاقية والمصادقة عليها لحماية القوانين الإنسانية.

أخشى ان يتعدى الذكاء الاصطناعي كل الحدود المعهودة ويؤدي الى كوارث حقيقية قد تعصف بهذا العالم، لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار الضوابط الأخلاقية، يجب اصدار مواثيق أخلاقية والمصادقة عليها لحماية القوانين الإنسانية.

سمير عزوق 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق