اساطير

الدروب الوعرة يلفها اللهيب!

حيثما اتجهت إلى الأربعاء ناث إيراثن، فالدروب كلها ملتهبة. آسفة يا مولود فرعون، فدروب الأربعاء التي أحببتها في روايتك “الدروب الوعرة”، أكلتها أمس ألسنة اللهيب، وحرقت معها قلوب الجزائريين في كل شبر من الوطن.لا، ليست تيزي وزو وحدها الجريحة، فالنار أتت على الأخضر واليابس في مساحات شاسعة، لكن جريمة منطقة القبائل، أن غاباتها جميلة، ومناظرها خلابة، وأن سكانها ملتصقين بها، جاثمين على أعالي جبالها، كالنسور أحرس أعشاشها من كل غادر.

فكانت الحافظة على الهوية من الضياع، واللغة من النسيان. كم أحببت “بني يني” وأنا صحفية مبتدئة، أقوم بتحقيقات عن صناعة الفضة، أحببت طيبة أهلها في كل مرة أزورها لأشم هواء جبالها النقي وأتجول في أعاليها، أعلم ابنتي أسماء النباتات البرية وفوائدها.

واليوم يعود إلى منظر الجبال في الصباح الباكر وهي تعانق باخضرارها السحاب، يا لروعة مناظرها، وللخسارة الفادحة، فقد تحولت اليوم بفعل الجريمة إلى رماد.كيف لنا ألا نحزن، ونحن نشاهد أحبة لنا يواجهون الجحيم، وكيف لا ألا نبكي ونحن نرى صور فتاتين جميلتين بزيهما القبائلي، تقول الأخبار أنها قضيتا تحت ألسنة النار وهما تعانقان والدتهما في منظر يفطر القلب

.وتيكجدة البهية الرائعة، ويما قوراية وجبال بني صالح، وبابور وطابلاط، وقبلها خنشلة قلعة لالة ديهيا الكاهنة التي حاربت من اجلها وقاتلت وكانت أول من مارس الأرض المحروقة في التاريخ حتى لا يستبيح الغزاة الذين نسميهم اليوم بالفاتحين قمحها وزيتها وعسلها وعرض نسائها كلها اليوم تتحول إلى كومة من رماد، ولتشتعل في قلوبنا نار الغضب، ونار الحزن على بلاد من أجمل ما خلق الله في أرضه.لكن تقول المرحومة أمي: “يخلف ربي على الشجرة وكا يخلفش على لي قصها” أي الذي قطعها”.

وستعود غابتنا أجمل وأبهى، لكن الذي أشعل فيها عود الثقاب سيحرقه الخزي والعار وهو يرى الجزائريون يهبون كرجل واحد لإغاثة أبناء القبائل بعدما حاصرتهم النيران وزاد من جحيمها طبيعتها الوعرة ودروبها العصية.تيزي وزو ليست وحدها مثلما يحاول دعاة التفرقة استغلال مصيبة أبنائها، فقد مات أمس على ترابها جنود جاءوا من كل جهات الوطن، وجاءتها قوافل الحب والعون من كل جهات الوطن، فمن قال إن القبائل تريد الانفصال وتتبرأ من باقي الجزائر، فقد جاءه أمس الرد قويا جارفا، ليدحض كل المؤامرات، ويخرس كل ألسنة السوء، ويفسد كل الحسابات الدنيئة التي تريد سلخ جرجرة منا ومن جسد جزائرنا.كل شرارة من نار القبائل وجهات البلاد الأخرى المنكوبة، اشعلت فينا نار الغيرة على أبناء وطننا، فجاءوا حجاجا إليها، حاملين الحب والدموع لإطفاء لهيبها.إنها الإجابة الوحيدة في كل هذا الدمار، أن الجزائر واحدة وشعبها واحد، ووحيد في نخوته، وحبه مثلمة هو وحيد في قسوته.

إنها جزائر الحراك الأول التي أبهرت العالم بجمالها وسلميتها، ومن يدري من هي العين التي أصابتنا أو اليد التي أرادت أن تضرنا، بضر منطقة القبائل، فجاء الرد سريعا، عفويا وقويا، كلنا واحد، والسربة التي لن تقتلنا تقوينا.

الجزائر بخير ما دام فيها شعب بمواصفات الحراك والهبة الشعبية الرائعة التي عشناها أمس وسنعيشها في كل مرة يأتي ما يؤلمنا.عاشت الجزائر قوية بكل أبنائها وموحدة بكل جهاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق