الثقافي

“التار يخ لا يكتب بممحاة “

رواية المناضل بن طوبال للثورة التحريرية ترى النور

“لخضر بن طوبال.. مذكرات من الداخل”، كتاب حرّره المؤرخ الجزائري دحو جربال بنشره -بكل شجاعة ومسؤولية بعد 35 سنه من المنع- عملا رائعا وأكاديميا، باشره المؤرخ منذ سنة 1980 مع الدكتور الأنثروبولوجي المرحوم محفوظ بنون، الذي كان خلال الثورة (وهو طفل) عضوا في جيش التحرير الوطني كعون اتصال بين الولاية الثانية ولجنة التنسيق والتنفيذ، واستمر العمل على مذكرات بن طوبال ست سنوات، بعد أن اتصل ببن طوبال وأقنعه بأن معارفه ومذكراته ونضاله هي حق للشعب الجزائري الذي كافح وانتزع استقلاله، سيما وأن الرجل “سي عبدالله أو سليمان بن طوبال” كان من رجال ثورة التحرير الأساسيين منذ بدايتها.

كانت أيضا -كما قال المؤرخ، أول أمس بمكتبة الشهاب، تجربة دافع عن نجاعتها كمؤرخ شاب في ملتقى حضره كبار المختصين في تاريخ الجزائر، على غرار ريني غاليسو وشارل أندري أجرون، ممن لا يعترفون بالشهادة الشفوية كأداة يمكن ان تستخدم كأرشيف في كتابة التاريخ، على أساس ان الأرشيف هو الوثيقة المكتوبة فقط. وأضاف المؤرخ ان الاعتماد على الوثيقة المكتوبة فقط يفضي لا محالة إلى تاريخ يعبر على عن “حقيقة” أو رواية بعيون السلطات الأمنية أو الإدارية الفرنسية الاستعمارية التي أنتجت الوثيقة، وكثير من هذه الوثائق المكتوب عليها “سري جدا” وكذا بطاقات التقصي للبوليس والجندرمة، يحمل معلومات تجانب الدقة والصواب.

 ولاحظ المؤرخ، كاتب مذكرات بن طوبال، ان الحديث كثر اليوم عن 20 أوت 1956 على حساب 20 أوت 1955 (هجومات الشمال القسنطيني) رغم أنه لولا 20 أوت 1955 لما كان مؤتمر الصومام، على حد تعبير الكاتب والمؤرخ.

 الكتاب هو أداة حقيقية لكتابة التاريخ، تاريخ ثورة التحرير، وليس رواية تاريخية بل مادة أولية أرشيفية أمضى كاتبها ست سنوات من التسجيل والتحرير والتمحيص. وكان جربال يسلم بن طوبال -في كل لقاء- نسخة عن شريط التسجيل الذي أنجزه معه في اللقاء السابق، وكذا نسخة مكتوبة عنه، ويأخذ مجددا شهادات جديدة للمجاهد بن طوبال، ثم يعود في يوم لاحق ليراجع معه المادة الأولية والشهادة وتحديد الوقائع والأماكن والأشخاص ورؤية وتصور بن طوبال في السياق.

وقال جربال انه يرفض استعمال عبارة “الباءات الثلاث”، لكونها مصطلحا فرنسيا لصاحبه الصحفي إيف كوريار، وأنه يستعمل مكانها مصطلح “سيق” CIG “لجنة ما بين الوزارات”، التي كانت مشكّلة من كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف وصاحب المذكرات.

 استمرت عملية جمع المعلومات بتسجيلها ثم تدوينها ومراجعتها وإعادة كتابتها ومراجعتها مرة أخرى، مدة وصلت إلى ست سنوات، أي حتى سنة 1986، حيث كان المرحوم بن طوبال، المعروف بتفضيل العمل مساءً، يستقبل المؤرخ الشاب دحو مع محفوظ بنون الذي كان تحت إمرته خلال الثورة، حيث كان العمل يستمر حتى الرابعة صباحا من اليوم الموالي، ينتقل بعدها مباشرة إلى الجامعة للتدريس، ثم يقوم في المساء بالتفريغ والتدوين.

بعد انتهاء المؤرخ من الكتابة وتنظيم الأفكار وتصفيفها حسب الكرونولوجيا وفقا لمنهج علمي أكاديمي وملاحظات مساعدة على الفهم وتوضيح السياق والأشخاص، تم تقديم المذكرات للمؤسسة الوطنية للكتاب التي وافق مديرها على نشر الكتاب كاملا، بشرط ان يحذف بن طوبال أسماء الأشخاص، وكان ردّ بن طوبال على مدير مؤسسة الكتاب الرفض، مذكرا هذا المسؤول “ان التاريخ لا يكتب بالممحاة”، ثم اتجهنا -يقول الأستاذ دحو- إلى ناشر أجنبي في فرنسا، وافق هذا الناشر على نشر هذه المذكرات شرط ان تقدم في شكل يخاطب الرأي العام الفرنسي بالمعايير المعمول بها فرنسيا، وكان الرفض طبعا. وبقيت عملية الوفاء بالأمانة -أي إيصال هذه المذكرات إلى القارئ والمواطن الجزائري- معركة انتهت بصدور هذه المذكرات التي تقع في 400 صفحة شيقة ومكتوبة بطريقة جيدة وأكاديمية، وهي الجزء الأول، وتحمل معلومات اغلبها غير معروف، سيما وأن صاحبها رحمه الله معروف بصراحته. بن طوبال في كتاب جربال يضع ذاكرته أو روايته لحقيقة الثورة بين أيدي الشعب ويثري الأرشيف الوطني بمادة عمل هامة جدا.

الكتاب شيق في روايته لصعوبات ودقائق تفجير ثورة تظهر معجزة نجاحها أمام عدم التكافؤ وغياب السلاح والوسائل، وحتى الخوف وتردد الشعب وقلة المناضلين ووحشية الاستعمار. وبفضل هذه الحقائق، يظهر بجلاء قيمة رجال يختلفون عن باقي البشر بإيمانهم وثباتهم وذكائهم، على غرار القائد الشهيد الشاب ديدوش مراد، الذي يصفه بن طوبال بكلمات بسيطة كقائد ومنظم وذو قدرة هائلة على شحذ الهمم وبعث الأمل في أحلك الظروف

نعم، دحو جربال قدم مذكرات وأفكار المجاهد بن طوبال بأسلوب بسيط وراقٍ، وحافظ على روح أفكار الرجل ومعتقداته دون أي تغيير أو تحوير، كما حافظ على روح النكتة والطرائف التي تميز بها المجاهد بن طوبال، ابن العائلة البسيطة، المناضل في صفوف الحركة الوطنية الاستقلالية، امتداد لخطاب مصالي الحاج سنة 1927 ببروكسل، أين قدم برنامج نجم شمال افريقية المبني على أربع نقاط أساسية، منها الاستقلال التام للجزائر وجلاء القوات العسكرية وتكوين حكومة وطنية، وأصبح الوطنيون الاستقلاليون يسخرون منهم ويتهكمون بهم، بتسميتهم “التام” أي الاستقلال التام، على أساس انه خرافة مستحيلة. وعلى عكس الاصطلاح “الحركة” الوطنية فإن المؤرخ يستعمل مصطلح الحركة الاستقلالية لأن الحركة الوطنية تحمل عدة تيارات اندماجية رافضة للاستقلال، سواء كانت دينية أو لائكية.

بالنسبة إلى بن طوبال فلا وجود لأي غموض، إذ أن كل المناضلين الذين فجروا الثورة كانوا سياسيين وليسوا عسكريين، ينحدرون كلهم من حزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، ثم تم تجنيد عناصر من الشعب لم يكن لها أي ماض سياسي في أي حزب كان.

 كتاب “لخضر بن طوبال، مذكرات من الداخل” أو “مذكرات الداخل” في جزئه الأول، انجاز يسمح لا محالة بالخروج من التاريخ الأيديولوجي الرسمي، ليترك المجال للحقيقة التاريخية وينهي الاستغلال السياسوي المقيت لكفاح الشعب الجزائري، وينسف أساطير وأكاذيب “الباديسية النوفمبرية” وخداع الكذب من بعض المارقين الذي جعلوا كفاح الشعب الجزائري وثورته سجلا تجاريا للكسب والتشبث بالسلطة.

عائلة بن طوبال رفعت دعوة قضائية ضد المؤرخ، ومنعته من نشر مذكرات بن طوبال كل هذه السنوات، وبقيت هذه الوثيقة التي أنجزها وحررها ونقحها وعالجها المؤرخ معطلة. وفي الأخير، قرر الأستاذ دحو، المؤرخ النزيه المجتهد، أن يأخذ مسؤولياته كاملة، ووفى بوعده بنشر مذكرات بن طوبال، وهو محقّ في ذلك ومشكور على مهنيته وجهده العلمي، وكذلك على شجاعته.

لقد سبق وأن طـُلب من المؤرخ نشر المذكرات فقال: “سأنشرها واللي صار يصير”.. نعم المؤرخ جربال الذي يشرف منذ التسعينيات على إصدار مجلة “نقد” للدراسات التاريخية والسوسيولوجيا دون مساعدة السلطة، بل بمضايقة منها، بل إن “نقد” العالية المستوى لا تستفيد من اشتراك الجامعات الجزائرية ولا من أي تمويل رغم أنها تنتج دراسات جدية علمية عن تاريخ الثورة بحجم مضاعف ونوعية أحسن مما ينتجه مركز الدراسات التاريخية للحركة الوطنية وثورة نوفمبر التابعة لوزارة المجاهدين، التي تستهلك آلاف المليارات والمباني والوسائل دون ان ترقى للمهمة التي تدّعي.. نعم، صدور مذكرات بن طوبال حدث وطني هام، ومؤشر لبداية تحرير التاريخ الوطني.

وقد وعد المؤرخ في اللقاء الذي جمعه بمجاهدين ومواطنين بمكتبة “الشهاب”، أنه سيضع كل الوثائق، وخاصة التسجيلات بعد رقمنتها، في متناول الباحثين والمواطنين المهتمين بتاريخ الثورة.

بقلم ,منتصر اوبترون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق